في الوعي الإسلامي الشعبي، لا يقتصر الخارق على الأنبياء. على امتداد قرون طويلة، تداول الناس قصصاً عن أولياء قيل إنهم تجاوزوا حدود المألوف: يمشون على الماء، يطوون الأرض، يعرفون ما خفي عن غيرهم، ولا تؤثر فيهم النار أو الحديد. هؤلاء ليسوا رسلاً ولا أصحاب وحي، ومع ذلك نُسبت إليهم أفعال لو نُسبت إلى غيرهم لاعتُبرت ضرباً من السحر أو الوهم.
هنا يتشكل السؤال الجوهري: هل نحن أمام ظاهرة دينية حقيقية لها جذور في العقيدة، أم أمام تراث سردي تراكمت فيه الأسطورة حول أشخاص صالحين، أم أمام منطقة رمادية يصعب فيها الفصل بين الإيمان، والتجربة النفسية، والخيال الجمعي ؟
ما المقصود بـ "كرامات الأولياء" ؟
في الصياغة العقدية الكلاسيكية، تُعرف الكرامة بأنها أمر غير معتاد يظهره الله على يد عبد صالح، من غير ادعاء نبوة ولا قصد تحدي. هذا التعريف يبدو متوازناً نظرياً، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام إشكالات كبيرة عند الانتقال من النص إلى الواقع. فالمصادر التي نقلت الكرامات لم تكن دائماً توثيقية، بل وعظية أو منقبية، تهدف إلى إظهار منزلة الولي لا إلى فحص الحدث نفسه.
وهنا تبدأ المسافة بين المفهوم الديني المجرد، وبين ما صنعه الخيال الشعبي من صور متضخمة للولي، بوصفه كائناً نصف بشري، نصف سماوي.
الكرامة كما صورها التراث
عند العودة إلى كتب المناقب والتاريخ الشعبي، نلاحظ أن الكرامات تتكرر بصيغ متشابهة، حتى تكاد تتحول إلى قالب جاهز يُسقط على كل ولي جديد. تظهر كرامات تتعلق بالمكان والزمان، حيث يُقال إن الولي يقطع المسافات في لحظة أو يظهر في موضعين في الوقت نفسه. وتظهر كرامات تتعلق بالجسد، حيث لا تؤذيه النار ولا يخترقه السلاح، وهي الصورة التي تجسدت لاحقاً في طقوس مثل ضرب الشيش والمشي على الجمر.
كما تحضر بقوة كرامات الكشف، حيث يُنسب إلى الولي علم ما في الصدور أو الإخبار بأحداث لم تقع بعد. وهذا النوع تحديداً يثير إشكالاً دينياً عميقاً، لأنه يقترب من مفهوم الغيب، الذي تحتكره العقيدة الإسلامية لله وحده، ولا تمنحه للبشر إلا في أضيق الحدود.
هذه الصور، مهما اختلفت أشكالها، تشترك في شيء واحد: أنها تُدهش السامع، وتمنح صاحبها هالة من القداسة، وتجعل مساءلته أمراً بالغ الحساسية.
التصوف ودوره في ترسيخ فكرة الكرامة
التصوف الإسلامي لم يكن يوماً كياناً واحداً متجانساً. بعض مدارسه شدّد على الزهد والأخلاق وتزكية النفس، ورأى في الكرامة فتنة يجب كتمانها لا إعلانها. مدارس أخرى، خاصة في مراحل لاحقة، تعاملت مع الكرامة بوصفها علامة قبول إلهي، بل ودليلًا على صحة الطريق الصوفي نفسه.
في هذه اللحظة، لم تعد الكرامة تجربة روحية محتملة، بل تحولت إلى لغة رمزية تُخاطب بها العامة، وإلى وسيلة لترسيخ سلطة الشيخ والمقام والطريقة. ومع الزمن، لم يعد السؤال: هل الولي مستقيم السلوك ؟ بل: ماذا يفعل مما لا يقدر عليه غيره ؟
بين الخارق الحقيقي والتفسير النفسي
الاقتراب من هذه الظاهرة بإنصاف يفرض التمييز بين مستويات متعددة. هناك أفعال يمكن تفسيرها ضمن حدود علم النفس العصبي، مثل السيطرة على الألم، أو الدخول في حالات وعي متغيرة، أو التأثر بالإيحاء الجماعي في الأجواء الطقسية.
وهناك حالات نادرة رُويت بشهادات متقاطعة، لكنها تفتقر إلى أدوات القياس والتحقق، فتظل معلقة بين الاحتمال والشك. وهناك، بلا شك، قصص لا تقوم على شيء سوى الرواية المتأخرة والمبالغة، حيث تتضخم القصة كلما ابتعدنا زمنياً عن صاحبها.
المشكلة أن هذه المستويات اختلطت في الذاكرة الشعبية، فأصبح كل ما يُروى يُعامل بالدرجة نفسها من التصديق.
هل هم مختارون حقاً ؟
النصوص الدينية لا تنفي إمكانية الكرامة، لكنها لا تمنح أحداً حصانة مطلقة. الإشكال الحقيقي لا يكمن في احتمال وجود أشخاص صالحين ذوي تجارب روحية مدهشة، بل في تحويلهم إلى كائنات فوق النقد، تُبرر أخطاؤهم، وتُقدَّس أقوالهم، ويُصادَر حق السؤال باسم الولاية ، عند هذه النقطة، تتحول الكرامة من تجربة فردية محتملة إلى أداة قمع رمزي للعقل.
لماذا احتاج الناس إلى الأولياء الخارقين ؟
انتشار قصص الكرامات لم يكن عشوائياً. المجتمعات التي عاشت القهر السياسي، والفقر، وغياب العدالة، وجدت في الولي الخارق تعويضاً رمزياً. شخصاً لا يخضع لقوانين السلطة ولا لقسوة الواقع، قادراً – ولو في الخيال – على إعادة التوازن المفقود. ومع الزمن، تحولت الكرامة إلى رأسمال رمزي، تُبنى حوله الأضرحة، وتُنسج المواسم، وتتشكل الهويات المحلية.
هنا لا تعود الكرامة مسألة دينية فقط، بل ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة.
الخواجة عبد القادر : قصة ولي غريب
تفيد الروايات المتداولة أن الخواجة عبد القادر كان في الأصل رجلًا نمساويًا اعتنق الإسلام في سياق غير واضح المعالم تاريخياً، ثم انتسب لاحقاً إلى إحدى الطرق الصوفية بوصفه مريداً ساعياً إلى الزهد والتجربة الروحية. ومع الزمن، نُسجت حول شخصيته هالة من التقديس، خاصة بعد الحادثة المنسوبة إليه والمتعلقة بنجاته من الحريق، والتي اعتُبرت علامة اصطفاء إلهي. وبعد وفاته، تحولت سيرته من قصة تحوّل فردي إلى نموذج للولي “الغريب” الذي ترك موطنه الأصلي وسلك طريق التصوف، ليُعاد تشكيله في الذاكرة الشعبية كصاحب كرامة ومزار.
كرامات الأولياء وقديسو المسيحية
فكرة الإنسان الصالح الذي تُنسب إليه خوارق لا تقتصر على الإسلام، بل نجد لها نظيراً واضحاً في المسيحية، خصوصاً في مفهوم “تطويب” الأشخاص ورفعهم إلى مرتبة القديسين. فالسير الكنسية تزخر بقصص قديسين قيل إنهم شفوا المرضى، أو نجوا من الموت، أو ظهرت لهم رؤى سماوية. غير أن الفارق الجوهري يكمن في الإطار المؤسسي، إذ تخضع القداسة في المسيحية لإجراءات كنسية صارمة نسبياً، بينما ظلّت كرامات الأولياء في الإسلام ظاهرة شعبية أكثر منها رسمية، تتشكل في الهامش بين الإيمان والتقاليد والذاكرة الجماعية.
بين الإيمان وتعليق العقل
كرامات الأولياء، كما وصلتنا، تقف في منطقة ملتبسة بين الدين والتاريخ والخيال. الإيمان بإمكانها لا يستلزم ابتلاع كل ما رُوي عنها، والتشكيك فيها لا يعني إنكار البعد الروحي للإنسان. الخطر الحقيقي لا يكمن في الإيمان ولا في الشك، بل في التخلي عن السؤال.
فبين الولي الأسطوري والإنسان الصالح، ضاعت الحقيقة في ضباب الحكايات… وما زالت تنتظر من ينظر إليها بعين العقل دون أن يُغلق باب الروح.