في الطريق إلى وادي شاب، لا يحدث شيء غير عادي ، جبال صخرية صامتة يمتد خلالها شريط أزرق من البحر ولوحات سياحية تدلك ببساطة إلى “أحد أجمل أودية عُمان” ، لكن الجمال أحياناً لا يكون بريئاً.
بعد عبور القارب الصغير إلى الضفة الأخرى، يبدأ المشي بين الجروف الحجرية. تضيق المسارات شيئاً فشيئاً، يبرد الهواء، ويصبح صوت الماء أقرب من خطواتك. هناك لحظة – قبل الوصول إلى البرك الفيروزية – تشعر فيها بأنك لم تعد في مكان عام، بل في جيبٍ معزول من العالم ، ثم يأتي الكهف ، ممر ضيق داخل الصخر، سباحة قصيرة في ماء بارد، فجأة ينفتح الفراغ… وشلال يتدفق من فتحة علوية، ينساب الضوء منها مثل عمود سماوي.
هنا تحديداً، تبدأ الحكايات ، “لا تسبح وحدك… الماء لا يحب الغرباء”
في قرية طيوي القريبة، يروى أن الأجداد كانوا يتحاشون بعض البرك العميقة عند الغروب. لم تكن المسألة خوفاً من الغرق فقط. كانوا يقولون إن “الماء له سكّانه” ، لا يذكرون أسماء محددة. لا تواريخ ، فقط عبارة تتكرر بصيغة شبه همس: “ إذا أحبّك أحدهم من هناك… فلن تخرج كما دخلت.”
الروايات تختلف في التفاصيل، لكنها تتشابه في النمط ، امرأة تُرى للحظة عند حافة الماء ، ظلّ أبيض بين النخيل ، صوت ينادي باسم شخص داخل الكهف – بينما رفاقه يؤكدون أنهم لم ينطقوا حرفاً ، لا أحد يزعم أنه أمسك دليلاً مادياً ، لكن كثيرين يتحدثون عن “إحساس مفاجئ بالانجذاب” نحو عمق البركة ، وكأن شيئاً ما يشدّك، لا جسدياً، بل داخلياً.
وهنا يظهر التعبير الشعبي المعروف في الخليج: " الجنية العاشقة ، سيدة الماء" ، في بعض السرديات الشفهية، لا تكون القصة مرعبة بقدر ما هي مغرية ، الكيان الانثوي هنا لا يهاجم ، لا يدفع ، بل يجذب.
فتاة بيضاء، شعر طويل، تقف عند مدخل الكهف ، تبتسم ، ثم تختفي عندما يقترب أحدهم.
هل رآها حقاً ؟ أم أن انعكاس الضوء على الماء خلق هيئة بشرية خاطفة ؟
المثير أن معظم هذه الروايات لا تأتي من سكان القرى فقط، بل من زوار أيضاً.
سائح يقول إنه شعر بأن “أحداً يسبح خلفه” ، شاب يؤكد أنه سمع اسمه بوضوح داخل الممر الحجري ، وفتاة تحدثت عن حلم تكرر بعد زيارتها للوادي، ترى فيه ماءً يفتح لها طريقاً إلى الأسفل.
هل نحن أمام أسطورة قديمة… أم أمام عقل حديث يعيد إنتاجها ؟
المكان الذي يصنع قصته
لنترك الأسطورة جانباً لحظة ، وادي شاب ليس مكاناً عادياً ، هو وادٍ ضيق، تحيط به جروف حجرية عالية ، الصوت فيه لا يسير بخط مستقيم، بل يرتدّ ويتحور ، الماء صافي لدرجة تعكس الظلال كأنها أجساد حقيقية ، والكهف الداخلي مع الشلال يخلق تبايناً ضوئياً حاداً بين العتمة والنور.
في مثل هذه البيئات، الدماغ البشري يعمل بأقصى طاقته في تفسير الإشارات ، قطرة تسقط من السقف قد تبدو كخطوة ، ظلّ عابر قد يتحول إلى هيئة ، ثم هناك عنصر آخر: العزلة التدريجية.
تبدأ الرحلة في مكان مفتوح، ثم تضيق المسارات، ثم تسبح داخل فتحة صخرية ، كل خطوة تُبعدك عن الضوضاء الاجتماعية، وتقرّبك من حالة تأمل شبه بدائية.
الإنسان في الماء يختلف عنه على اليابسة ، توازنه يتغير ، تنفسه يتغير ، إحساسه بالجسد يتبدل وهنا يصبح الإيحاء أقوى.
الجن العاشق… كتحذير اجتماعي ؟
في الثقافة الشعبية الخليجية، فكرة “الجن العاشق” ليست جديدة ، غالباً ما ترتبط بأماكن مهجورة، آبار، أو مياه عميقة ، وظيفتها أحياناً ليست إثبات وجود كائن خفي، بل حماية الناس من خطر واقعي.
فالماء في الأودية قد يرتفع فجأة ، والسباحة داخل كهوف ضيقة قد تكون خطرة ، التيارات الخفية قد تسحب من يبالغ في ثقته ، فهل تحولت المخاطر الطبيعية إلى كيان رمزي يحرس المكان؟
بدلاً من أن تقول لطفلك: “لا تدخل الكهف لأنه خطير” ، تقول له: “هناك من يسكن الماء… وقد يحبك.”
الخوف يصبح أكثر إقناعاً عندما يُشخصن ، لكن لماذا صيغة “العاشق” تحديداً ؟ هذا سؤال مهم.
لو كان الهدف التحذير فقط، لظهرت الأسطورة في هيئة وحش مفترس ، لكنها جاءت في هيئة أنثى جذابة.
هنا يدخل عامل نفسي أعمق:
الماء في المخيلة الجمعية مرتبط بالخصوبة، الغموض، الولادة، والعاطفة ، الانجذاب للماء يشبه الانجذاب للعاطفة نفسها.
ربما “الجن العاشق” ليس سوى إسقاط رمزي لذلك الشعور الغامض الذي ينتاب الإنسان أمام جمال طبيعي طاغ.
عندما يقف أمام مشهد يفوق قدرته على التفسير، يبحث عن كائن يحمّله المسؤولية.
بين الأسطورة والجيولوجيا
لا يوجد دليل علمي على وجود كيان في وادي شاب ، لكن هناك أدلة كثيرة على أن المكان مصمم ليصنع قصة بين صدى الصوت وانكسار الضوء والانعكاسات المائية والتباين بين العتمة والشلال المضيء والإجهاد البدني بعد المشي والسباحة ، كلها عناصر كافية لخلق تجربة حسية استثنائية.
غير أن هذا لا يلغي حقيقة أخرى: الأسطورة جزء من هوية المكان.
حتى لو لم يكن في الماء جن…فالماء يعرف كيف يقنعك أنه حي.
ماذا يبقى ؟
وادي شاب ليس موقع رعب ، هو أحد أجمل أودية عُمان ، لكن الجمال المفرط أحياناً يلامس حدود الرهبة ، وعندما يقف الإنسان في قلب كهف، يسبح نحو ضوء يسقط من فتحة سماوية، يسمع صوته يتردد كأنه صادر عن غيره…
فإنه للحظة، فقط لحظة،يصبح مستعداً لتصديق أي شيء ، هل هناك “جن عاشق” في وادي شاب ؟ لا دليل.
لكن هل هناك شيء في ذلك المكان يجعلك تشعر بأنك لست وحدك ؟
اسأل من سبح داخله… وسيبتسم قبل أن يجيب.