هل يستطيع شخصان تفصل بينهما آلاف الكيلومترات أن يلتقيا في تجربة حميمة لا تحدث في الحلم وحده، بل يشعران بها كما لو كانت اتصالاً جسدياً حقيقياً ؟

هذا ما ادعاه رجل نشر شهادته في موقع متخصص بتجارب الخروج من الجسد، تحت مقال يتناول ما يسمى الجنس التخاطري بين الأرواح التوأم Twin Flame،  نُشرت الشهادة في الثامن من أبريل 2017 باسم كانجي سامارثان Kunjie Samarthan حيث قدمها صاحبها على أنها تجربة عاشها بالفعل، لا قصة خيالية ، ومع ذلك، من الضروري منذ البداية توضيح أنها شهادة فردية منشورة في قسم التعليقات.

الشهادة كما رواها صاحبها

منذ طفولتي كنت أشعر أنني أختلف عن الآخرين، كنت أرى وأحس بأشياء لم يكن من حولي يلاحظونها، لكنني لم أكن أفهم في البداية أن ما يحدث معي غير مألوف، وعندما بلغت مرحلة المراهقة بدأت أدرك أنني أمتلك ما كنت أسميه «الحاسة السادسة».

أبقيت الأمر سراً، إذ لم يكن لدي شخص أستطيع الحديث معه، إلى أن التقيت بأحد أساتذتي الذي كان يعرف الكثير عن العالم الروحي. أصبحنا صديقين، ثم أسسنا مع مجموعة من المهتمين جماعة أطلقنا عليها اسم أكواريوس إنفنتوم Aquarius Inventum. كان أعضاء الجماعة من البالغين، بينما كنت لا أزال صغير السن.

عندما عرف الآخرون بأمر قدراتي، تحول ما أملكه إلى شيء يستثمرونه،  بدأت ألقي المحاضرات في أنحاء البلاد وشاركت في برامج إذاعية عصر أيام الأحد، بل أدخلت في مرحلة ما إلى المستشفى، حيث أجرى بعض العلماء فحوصاً على دماغي واختبارات مختلفة.

ومنذ طفولتي أيضاً، كان رجل مسن يظهر لي وكأنه مرشد يرافقني، لم يكن من السهل أن أتحدث عن ذلك، لكن الحيوانات كانت تتنبه إلى حضوره، وفي إحدى المرات طلب مني أخي وزوجته، وهما شخصان واقعيان لا يميلان إلى هذه الأفكار، أن أرعى طفلهما البالغ من العمر ثلاث سنوات.

نمنا أنا والطفل في الغرفة نفسها، وفي صباح اليوم التالي أخبر والديه أثناء الإفطار أن رجلاً مسناً زارني خلال الليل، بالنسبة إلي، كان ذلك دليلاً على أن وجود هذا المرشد لم يكن مجرد خيال لا يراه سواي.

بعد أن أنهيت دراستي شعرت بأنني بحاجة إلى الابتعاد عن كل شيء، بعت ممتلكاتي وسافرت إلى الهند بحثاً عن السلام والأجوبة. زرت المعابد ومراكز التأمل، والتقيت بعض المعلمين الروحيين، ثم عدت بعد عام وقررت قطع صلتي بذلك العالم.

انتقلت إلى بلد آخر، وعملت مديراً مالياً في شركة دولية كبيرة، واستقررت في قرية صغيرة على جزيرة شبه استوائية، أردت أن أعيش حياة أرضية طبيعية تختلف كلياً عما عشته من قبل.

لكن في إحدى الأمسيات شعرت بانجذاب غريب نحو حانة لم أكن أذهب إليها عادة، أقنعت أصدقائي بالدخول لتناول مشروب واحد فقط. وما إن دخلت حتى أحسست برائحة تجذبني إلى زاوية المكان.

رأيت هناك وهجاً يشبه الهالة، ثم رأيت ظهر فتاة كانت تستعد للمغادرة.

كنت معروفاً بملابسي الرسمية وسلوكي الهادئ والرومانسي، ولم أكن شخصاً عدوانياً، لكنني في تلك اللحظة تصرفت بطريقة غريبة لم تشبهني، اقتربت منها وأمسكت شعرها، فاستدارت إليّ مذعورة، نظرت في عينيها وقلت لها ما معناه:

«احفظي هذا الوجه جيداً، لأنك ستنظرين إليه طوال الخمسين سنة المقبلة»

فوجئ أصدقائي، لأنهم لم يعرفوني بهذه الصورة، جلستُ معها وبدأنا الحديث، وقلت لها إنني كنت أنتظرها وإن وقت لقائنا قد حان.

اكتشفنا خلال الحديث أننا كنا موجودين في أماكن متقاربة في الهند وفي الفترات نفسها وربما حضرنا الحفلات ذاتها، بل راودني اعتقاد غامض بأننا ربما التقينا ذات ليلة هناك من دون أن ندرك حقيقة الصلة بيننا.

كانت تقيم عند إحدى صديقاتها واضطرت إلى المغادرة فتبادلنا أرقام الهاتف، دعوتها في اليوم التالي إلى منزلي لتناول وجبة هندية تقليدية، عندما وصلت فوجئت بأنني أعددت طعاماً هندياً كاملاً وشغلت الموسيقى التي تذكرنا بذلك البلد.

شعرنا كأننا لا نتعارف للمرة الأولى، بل يعثر أحدنا على الآخر من جديد.

بعد العشاء حدث أمر لم يكن أي منا معتاداً عليه في اللقاء الأول، ذهبنا إلى الفراش وشعرت بأننا نذوب داخل بعضنا، وكأن شخصين منفصلين عادا جسداً أو كياناً واحداً، كانت التجربة شديدة إلى درجة أنني شعرت بأننا انتقلنا إلى عالم آخر.

بقينا معاً طوال فترة بعد الظهر، وفي اليوم نفسه انتقلت للإقامة معي.

لكنها لم تكن في الجزيرة إلا لقضاء عطلة وكان منزلها يقع في الطرف الآخر من القارة، وبعد أسبوعين اضطرت إلى الرحيل.

بدأنا منذ ذلك الحين نتحدث هاتفياً كل يوم.

كنت أعرف، أو أعتقد، أنني قادر على مغادرة جسدي، لذلك حاولت زيارتها عدة مرات بتلك الطريقة، كنت أرى المكان الذي توجد فيه وأشعر بحالتها، على الرغم من المسافة الهائلة التي تفصل بيننا.

بعد ذلك قررنا أن نجرّب ما يسمى الجنس النجمي.

في البداية لم تكن التجربة سهلة، لكن بعد تكرار المحاولة اعتقدت أنني استطعت مساعدتها على مغادرة جسدها، ثم أخذتها إلى ما وصفته بأنه مستوى أعلى من الوجود، هناك حدث بيننا اتصال مختلف عن الجنس الجسدي؛ لم يكن مماثلاً له، لكنه كان في نظري أشد كثافة وقوة.

كنت أزعم أن إحساسها بلغ درجة هائلة، حتى إنني قدرت أنها اختبرت عشرات الذروات المتتابعة، ربما ما يقارب الخمسين، لم أكن أرى الأمر مجرد خيال جنسي، بل لقاءً حقيقياً يحدث في مستوى لا يخضع لقوانين المسافة والجسد.

وكنت أعتقد أحياناً أنني أستطيع مباغتتها بإحساس حميمي بينما تكون جالسة في الحافلة، كما لو أن وجودي غير المرئي قد وصل إليها في حياتها اليومية.

بالنسبة إلي، لم تكن المسافة تعني أن علاقتنا توقفت. كان جسدانا في مكانين مختلفين، لكنني كنت مقتنعاً بأن شيئاً منا يستطيع العبور والالتقاء خارج الحدود المادية.

ما المقصود بالجنس النجمي ؟

يستخدم مصطلح الجنس النجمي Astral Sex في الأدبيات الباطنية لوصف لقاء جنسي يعتقد المشاركون أنه يحدث أثناء خروج الروح أو الوعي من الجسد. وقد يدعي أحد الطرفين أنه غادر جسده وزار الآخر، أو يعتقد الطرفان أنهما التقيا في فضاء غير مادي.

يختلف ذلك عن الحلم الجنسي العادي، لأن صاحب التجربة يصر عادة على أنه كان واعياً، أو على الأقل أكثر وعياً مما يكون عليه في الحلم، وأنه شعر بوجوده في مكان حقيقي خارج جسده.

وقد تتضمن التجربة الإحساس بالطيران، أو رؤية الجسد من الخارج، أو الاندماج مع شخص آخر على هيئة ضوء أو طاقة، أو الشعور بلمسات وأحاسيس جسدية من دون اتصال مادي.

أما الجنس التخاطري Telepathic Sex ، فيصف تجربة يعتقد فيها شخصان أنهما يتبادلان الرغبة واللمسات والأحاسيس الجنسية ذهنياً عن بعد، من دون أن يضطر أي منهما إلى الإحساس بأنه غادر جسده، وفي هذا النوع قد يكون الشخص مستيقظاً، جالساً أو مستلقياً، ويشعر فجأة بلمسات أو حرارة أو إثارة ينسبها إلى شخص محدد يفكر فيه.

بهذا المعنى، يمكن أن يكون الجنس النجمي تخاطرياً، لكن الجنس التخاطري لا يتطلب بالضرورة تجربة خروج من الجسد.

امرأة استدعت «روحها التوأم»

في تعليق آخر منشور في الموقع نفسه عام 2018، قالت امرأة استخدمت اسم ميريام Miriam إنها التقت حديثاً بمن اعتبرته "روحها التوأم" Twin Flame ، وفي يوم عيد الحب شعرت، بحسب شهادتها، بحرارة تنتشر في جسدها ورأت أو أحست بهيئة أثيرية تلمسها.

قالت إنها فوجئت في البداية، لكنها كانت قد اشتاقت إليه وحاولت استدعاء حضوره، ولذلك اعتبرت التجربة متوافقة مع رغبتها.

إحساس بالحبيب في حالة بين النوم واليقظة

نشرت امرأة أخرى باسم ايمي Amy شهادة قالت فيها إنها كانت منفصلة جسدياً عن شريكها وتحاول منحه مساحة بعيداً عنها. وفي إحدى الليالي، وهي في حالة نصف حلم، شعرت كأنه معها وأن بينهما تفاعلاً حميمياً واضحاً ومكثفاً.

لكنها أقرت بأنها لم ترغب في الاتصال به لسؤاله عما إذا كان عاش التجربة نفسها، ولذلك لا توجد وسيلة لمعرفة إن كان الأمر متزامناً بينهما، أم تجربة داخلية حدثت في المرحلة الانتقالية بين النوم واليقظة.

زوجان استيقظا في اللحظة نفسها

توجد شهادة أكثر إثارة نشرها رجل على منتدى الخروج النجمي، قال إنه كان ينام على الأريكة، بينما كانت زوجته التي أوشكت علاقته بها على الانتهاء تنام في غرفة أخرى.

حلم أو شعر بأنه يحلق فوقها، من دون تلامس جسدي، ثم اختبر إحساساً بالاندماج وذروة مفاجئة أيقظته، جلس ووضع قدميه على الأرض، وفي اللحظة نفسها تقريباً خرجت زوجته مسرعة من الغرفة، وعلى وجهها تعبير من الصدمة والدهشة.

اعتبر نظرتها دليلاً على أنهما عاشا التجربة نفسها، لكنهما لم يتحدثا عنها قط، وبعد خمسة وعشرين عاماً ظل الرجل يعتمد على تعبير وجهها وتزامن استيقاظهما بوصفهما تأكيداً لما حدث ، وعندما سأله أحدهم إن كان قد أخبرها بتفاصيل تجربته، أجاب بأنهما لم يناقشا الأمر أصلاً.

هل هذه الحالات دليل على التخاطر ؟

المشكلة في معظم روايات الجنس النجمي والتخاطري ليست أن أصحابها يكذبون بالضرورة، قد يكون الشخص صادقاً تماماً في وصف ما شعر به، لكن صدق الإحساس لا يثبت تلقائياً صحة التفسير الذي وضعه له.

ولكي تصبح قصة كهذه ذات قيمة إثباتية أقوى، ينبغي أن يكتب الطرفان وصفهما منفصلين قبل أن يتحدث أحدهما إلى الآخر، وأن يحددا الوقت، ونوع اللمسات، وتسلسل الأحداث، والعبارات أو الصور الذهنية التي تبادلاها. وبعد ذلك تقارن الإفادتان لمعرفة ما إذا كان التطابق دقيقاً أم عاماً يمكن أن ينتج عن التوقع والمصادفة.

أما أن يشعر شخص بتجربة قوية، ثم يرى أن الطرف الآخر بدا مضطرباً أو اتصل به لاحقاً، فهذا لا يكفي وحده لإثبات انتقال الإحساس بين عقلين.

وفي قصة كانجي Kunji  يقول الراوي بصيغة الجمع إنهما «جربا» الجنس النجمي، ما يوحي بتوافق مسبق بينهما، لكنه لم ينقل كلمات المرأة، ولم يوضح كيف كانت تصف أحاسيسها، ولا ما إذا كانت تسجلها لحظة بلحظة بعيداً عن تأثير روايته.

ماذا يقول علم الأعصاب ؟

تجارب الخروج من الجسد نفسها ظاهرة معروفة للباحثين من حيث الإحساس الذاتي، حتى لو اختلفوا جذرياً مع تفسيرها الروحي. فقد ربطت أبحاث عصبية هذه التجارب باضطراب مؤقت في دمج الدماغ للمعلومات البصرية واللمسية ومعلومات التوازن وموقع الجسد، خصوصاً في منطقة الوصل الصدغي الجداري،  وقد أمكن تحفيز أو محاكاة بعض جوانب الإحساس بالخروج من الجسد عبر التنبيه العصبي أو صناعة تعارض بين ما يراه الإنسان وما يشعر به جسده.

كما سجلت دراسة تصوير دماغي حالة امرأة قالت إنها قادرة على إحداث إحساس إرادي بخروجها من جسدها، مع بقائها واعية بجسدها الساكن، لا تثبت هذه الدراسة أن الوعي غادر الجسم فعلياً، لكنها تؤكد أن بعض الأشخاص يستطيعون اختبار إحساس شديد الواقعية بالحركة خارج حدود الجسد وهم في حالة وعي.

وهناك أيضاً ظواهر تحدث عند حدود النوم، مثل شلل النوم والهلوسات اللمسية والجنسية،  ففي هذه الحالات قد يشعر الشخص بأنه مستيقظ، وبأن شخصاً يجلس فوقه أو يلمسه أو يمارس معه فعلاً جنسياً، بينما يفسر الباحثون التجربة باعتبارها تداخلاً بين وعي اليقظة وآليات نوم حركة العين السريعة.

وجدت دراسة شملت طلاباً ومرضى أن "ظاهرة الجاثوم"  قد تتضمن الإحساس بوجود شخص، والضغط واللمس، والخروج من الجسد، وأحياناً أحاسيس جنسية، وتكون التجربة حقيقية تماماً في إدراك صاحبها رغم عدم وجود شخص خارجي يلمسه.

إلا أن هذا التفسير لا ينطبق بسهولة على كل الحالات، ولا سيما الشهادات التي يقول أصحابها إنهم كانوا مستيقظين تماماً أو إن الطرفين اتفقا مسبقاً على وقت التجربة،  لكنه يظل احتمالاً مهماً ينبغي استبعاده قبل تبني تفسير خارق.

دور الذاكرة والتوقع العاطفي

عندما يعرف شخصان بعضهما بصورة حميمة، يصبح كل منهما قادراً على تخيل الآخر بتفاصيل دقيقة: صوته، رائحته، طريقة لمسه، إيقاع تنفسه وحركاته المعتادة.

قد يؤدي التركيز القوي، مع الرغبة والاشتياق، إلى استعادة هذه التفاصيل حسياً، لا بوصفها صورة ذهنية باهتة، بل كإحساس يقترب من اللمسة الحقيقية، فالإدراك البشري ليس مجرد استقبال سلبي للمثيرات الخارجية؛ بل يعتمد أيضاً على التوقع والذاكرة وما يتنبأ الدماغ بأنه سيحدث.

وهكذا يمكن لشخص أن يشعر بلمسة لا يشك للحظة في واقعيتها، مع أنها نشأت داخل منظومته العصبية. لكن أن يشعر الطرف الآخر بشيء مشابه في الوقت نفسه هو الجزء الذي يحتاج إلى إثبات مستقل، وهو ما تفتقر إليه الحالات المنشورة.

شهادة مثيرة لا برهان نهائي

قصة الرجل الذي قال إنه زار عشيقته في الطرف الآخر من القارة تحقق كثيراً من عناصر الرواية التي تجعل ظاهرة الجنس النجمي مثيرة للاهتمام: شخصان التقيا فعلياً، وعاشا علاقة جسدية، ثم انفصلا جغرافياً، واتفقا بحسب روايته على تجربة اتصال حميمي خارج الجسد.

لكن ما ينقصها هو صوت المرأة.

لا نملك شهادة مستقلة منها، ولا تسجيلاً زمنياً، ولا مقارنة بين تجربتين كتبتا قبل تبادل المعلومات، ولهذا لا يمكن التعامل مع القصة بوصفها دليلاً على قدرة الوعي على السفر أو نقل اللمسات الجنسية عبر المسافات.

إنها شهادة واقعية بمعنى أن شخصاً حقيقياً نشرها مدعياً أنه عاشها، وليست قصة أدبية معروفة أو مشهداً من رواية، لكنها ليست «واقعة مثبتة» بالمعنى البحثي.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للرغبة والتركيز والارتباط العاطفي أن يصنعا تجربة حسية مشتركة بين شخصين بعيدين ؟ أم أن كل طرف، حين تحدث التجربة، يلتقي بصورة الآخر المخزنة في عقله، معتقداً أنه التقى الشخص نفسه ؟

بين هذين الاحتمالين تقع جميع حكايات الجنس النجمي  Astral Sex والجنس التخاطري Telepathic Sex: تجارب شديدة الواقعية لأصحابها، لكنها ما تزال تبحث عن الحالة التي يتكلم فيها الطرفان بصورة مستقلة، وتتطابق شهادتاهما بما لا تفسره المصادفة أو الذاكرة أو التوقع.