لم تكن جلسات تحضير الأرواح دائماً مجرد طاولة تهتز، أو كأس يتحرك، أو صوت يخرج من العتمة ليقول: "أنا هنا" ، في بعض الزوايا الأكثر غرابة من تاريخ الروحانية الحديثة، كان هناك وعد أخطر وأشد إغواء: ألا يكتفي الحي بسماع الميت، بل أن يلمسه.

في تلك الغرف المعتمة، حيث يجلس رجل فقد زوجته أو امرأة فقدت حبيبها، لم يكن الحزن حالة عابرة، كان الحزن مادة خاما،  كان وجع الفقد يفتح في النفس باباً لا تدخله الحجة بسهولة، فمن يشتاق إلى صوت ميت قد ينهار إذا قيل له إن الروح قريبة، ومن ينهار عند الصوت قد يصدق أن اللمسة ممكنة ، ومن يصدق اللمسة قد ينتظر أكثر من ذلك.

في كتاب The Psychic Mafia أي "مافيا الوسطاء الروحانيين" وهو من أشهر الاعترافات القادمة من داخل عالم الوسطاء الروحيين، يفتح الوسيط الأمريكي السابق لامار كين باباً نادراً على ما كان يسمى أحياناً "الجنس مع الأرواح" أو "الجنس في غرفة الجلسة" ، لا يقدمه الكتاب كحكاية خيالية رومانسية، بل كواحد من أكثر فصول جلسات الأرواح ظلمة وغرابة: حين يتحول الشوق إلى رغبة في لقاء جسدي مع من رحلوا.

كانت الفكرة تبدأ غالباً من وعد بسيط: "الروح ما زالت تحبك" ، ثم يتدرج الوسيط في بناء الجو،  إضاءة حمراء خافتة، ستائر ثقيلة، غرفة محدودة الحركة، أصوات تأتي من زاوية لا تُرى، و"كابينة" أو حجرة صغيرة يدخلها الوسيط بحجة الدخول في غيبوب،  في هذا المسرح الصغير يصبح كل شيء قابلاً للتأويل: نسمة هواء قد تكون مرور روح، لمسة باردة قد تكون يد الميت، عطر خفيف قد يكون أثر الحبيب الراحل.

ولكي يصبح اللقاء "أقرب"، كان لا بد أن تأخذ الروح شكلاً،  هنا تظهر فكرة "التجسد"materialization وهي من أشهر أفكار جلسات الأرواح في القرنين التاسع عشر والعشرين ، الروح لا تتكلم فقط بل تتكثف، تظهر، تخرج من الستار أو من الكابينة، ملفوفة أحياناً بقماش أبيض أو شفاف، وكأنها جسد مصنوع من ضباب، في بعض الجلسات كان الحاضرون يمدون أيديهم ليلمسوا الكائن الخارج من الظلام، وفي حالات أكثر جرأة كان الوعد يتجاوز المصافحة إلى احتضان، ثم إلى لقاء حميمي مع "روح" الزوجة أو الحبيبة أو الحبيب الراحل.

السؤال الصادم هنا: هل كان الأمر يعني إحضار امرأة حقيقية لرجل مكلوم، أو إحضار رجل حقيقي لامرأة مكلومة، ثم تقديمه أو تقديمها بوصفه روح الميت ؟

في أكثر الروايات حساسية، لا يظهر الأمر دائماً بهذه الصورة المباشرة،  أحياناً يكون "الجسد" هو الوسيط نفسه، أو وسيطة تدخل في غيبوبة ثم تظهر في هيئة مختلفة، وأحياناً يكون شخصاً مساعداً من داخل الدائرة، يعرف متى يدخل، ومتى يلمس، ومتى يختفي قبل أن يشتعل الضوء، وفي حالات "التجسد الكامل" كان من الممكن أن يظهر شخص من خلف ستار أو من باب جانبي، مغطى بملابس شبحية، بينما يظن الجالس أن ما يراه ليس إنساناً عادياً، بل كياناً عائداً من العالم الآخر.

كانت قوة التجربة لا تأتي من الجسد وحده، بل من التمهيد النفسي ، قبل الجلسة يجمع الوسيط تفاصيل عن الميت: اسمه، عاداته، جملة كان يرددها، رائحة عطره، مرضه الأخير، لحظة وفاته، أو ذكرى لا يعرفها إلا المقربون وحين تأتي الجلسة تُلقى هذه التفاصيل في الوقت المناسب فتبدو كأنها دليل قاطع على حضور الروح، فإذا قال الصوت في الظلام عبارة كانت الزوجة الراحلة تقولها، أو نطق باسم لا يعرفه أحد ظاهرياً، فإن الحاضر يصبح مستعداً لتصديق ما هو أكبر.

وفي الغرفة نفسها، يلعب الظلام دور البطولة، فالضوء الكامل عدو التجسد،  كان يقال إن الأرواح لا تحتمل الضوء وإن اللمعان الشديد قد يؤذي الوسيط أو يمزق المادة الروحية  الإيكتوبلاسما Ectoplasm التي تتكون منها الهيئة الشبحية، لذلك تُبقي الجلسة عيون الحاضرين في منطقة رمادية: يرون ولا يرون، يلمحون أكثر مما يتحققون، يلمسون أكثر مما يفحصون ، وفي حالة الحزن العميق، لا يحتاج العقل إلى صورة واضحة؛ يكفيه أن يجد ما يريد أن يراه.

أما "الكابينة الروحية" فكانت قطعة أساسية في هذا النوع من الجلسات، هي ليست سوى مساحة مفصولة بستارة أو قماش، لكنها داخل منطق الجلسة تصبح بوابة بين عالمين، يدخل الوسيط إليها، يسكن صوته، ثم تبدأ الأصوات والحركات، بعد قليل قد تخرج هيئة بيضاء أو يد أو وجه باهت ومن وجهة نظر الحاضرين، لا يهم كثيراً كيف خرجت، ما دام القلب قد سبق العين إلى التصديق.

في هذا السياق يمكن فهم ما سماه بعض الوسطاء "علاج الحزن العميق"،  فالعبارة تبدو رحيمة في ظاهرها: شخص منكسر، فقد من يحب، ويحتاج إلى وداع أخير، لكن الوداع في هذه الحالات لم يكن دائماً روحياً أو عاطفياً فقط، هناك من كان يريد استعادة العلاقة كما كانت، لا رمزياً بل جسدياً ، وهنا تدخل الجلسة منطقة شديدة الالتباس: هل نحن أمام طقس ديني ؟ تجربة نفسية ؟ استغلال للعزلة؟ أم مسرح مظلم يبيع للإنسان أكثر أمنياته استحالة ؟

تخيل رجلاً لم يشفَ من موت زوجته،  يخبره الوسيط أن روحها غاضبة لأنها لم تحصل على وداع كامل، في الجلسة الأولى يسمع صوتها،  في الثانية يشعر بيد تلامس كتفه، في الثالثة يشم عطرها، ثم يقال له إن الروح أصبحت "أقوى" وإنها قادرة هذه المرة على الاقتراب أكثر، لا يطلب منه أحد أن يصدق دفعة واحدة؛ بل يُقاد خطوة خطوة، حتى تصبح الحدود بين الذكرى والرغبة والحضور المزعوم حدوداً قابلة للكسر.

وتخيل امرأة فقدت زوجها، تقنعها وسيطة بأن الرجل لا يزال متعلقاً بها، وأنه يحاول عبور الحجاب الفاصل بين العالمين، يظهر صوت خافت ثم ظل ثم يد، وربما يطلب منها الوسيط ألا تسأل كثيراً، لأن الشك "يضعف التجسد"،  كل سؤال يصبح خطراً على "المعجزة" ، كل محاولة للتحقق تصبح إساءة للروح، وهكذا تُبنى التجربة على الطاعة، وعلى الامتناع عن إشعال الضوء، وعلى قبول أن ما يحدث لا يجب أن يُفهم بقوانين العالم العادي.

هنا تكمن خطورة هذا النوع من الجلسات: أنه لا يخاطب الفضول، بل يخاطب الجرح،  الإنسان العادي قد يشك في الطاولة الطائرة وقد يضحك من البوق الذي يتكلم في الظلام، لكن الإنسان المكلوم ليس دائماً في موضع الساخر ، إنه يريد علامة،  يريد أن يصدق أن النهاية لم تكن نهاية، فإذا جاءه من يقول إن الحبيب الراحل لا يزال قادراً على الكلام واللمس والاقتراب، فقد يدخل الغرفة المعتمة وهو يحمل داخله نصف التصديق مسبقاً.

لكن ماذا كان يحدث فعلاً ؟

في نهاية المطاف، تكشف اعترافات بعض الوسطاء السابقين، ومنهم لامار كين، أن كثيراً من هذه "المعجزات" كان قائماً على شبكة من التمثيل، جمع المعلومات، التحكم في الضوء، استخدام مساعدين، وتهيئة نفسية دقيقة ، لم يكن "الشبح" في حالات كثيرة سوى إنسان من لحم ودم، وسيطاً أو وسيطة أو مساعداً، يدخل في اللحظة المناسبة ويخرج قبل انكشاف الأمر، أما الأصوات واللمسات والروائح والهيئات البيضاء، فكانت أجزاء من مشهد معد بعناية داخل غرفة لا تسمح للعين أن تؤدي عملها كاملاً.

ولذلك فإن أكثر ما يرعب في هذه القصص ليس احتمال أن تكون الأرواح قد عادت إلى غرف البشر، بل احتمال آخر أبرد وأقسى: أن يكون بعض الأحياء قد تعلموا كيف يرتدون هيئة الموتى، لا ليواسوا المكلومين، بل ليستخرجوا من حزنهم المال، والطاعة، وأحياناً الجسد نفسه.

من هو م. لامار كين  ؟

كان م. لامار كين (1936-1996) واحداً من أشهر الوسطاء الروحيين في الولايات المتحدة، حتى لُقّب بـ "أمير الروحانيين" ، ادّعى امتلاك قدرات روحانية مثل الاستبصار وإحضار أشياء من العدم، ونظّم جلسات استحضار أرواح كان المشاركون فيها يعتقدون أنهم يتحدثون مع الموتى، بل ويلمسونهم أحياناً، غير أن كين أصبح لاحقاً من أوائل الوسطاء الذين اعترفوا صراحة بأن ما كان يقدمه لم يكن سوى حيل وخداع منظم استغل به قابلية الناس للتصديق، خصوصاً المكلومين والباحثين عن عزاء بعد فقدان أحبائهم.

كتاب The Psychic Mafia

يُعد كتاب The Psychic Mafia، المنشور أول مرة عام 1976، من أهم الاعترافات القادمة من داخل عالم جلسات تحضير الأرواح،  في هذا الكتاب يكشف لامار كين أسرار غرفة الجلسة، من الظهورات الشبحية، والأبواق الطائرة، وإخراج الأشياء من الهواء، وصولاً إلى موضوع شديد الغرابة عُرف باسم "spirit sex" أو "الجنس مع الأرواح".

يقدم الكتاب سيرة ذاتية صادمة لوسيط روحي سابق يعترف بأنه مارس الخداع لسنوات، ويشرح كيف تحولت حاجة الناس إلى الإيمان والطمأنينة إلى فرصة يستغلها بعض الوسطاء باسم التواصل مع العالم الآخر.

من جلسة الأرواح إلى غرفة الرقية

ما يلفت النظر أن الفارق بين الروحانية الحديثة في الغرب وبين بعض ممارسات الرقية الشعبية المنحرفة في العالم العربي ليس في الجوهر بقدر ما هو في اللغة والغطاء الثقافي، ففي الغرب، كما يظهر في اعترافات لامار كين عن جلسات الأرواح، كان الباب يُفتح من جهة الحزن: رجل أو امرأة فقدا حبيباً، فيأتي الوسيط ليقول إن الميت لم يرحل تماماً، وإنه قادر على الكلام واللمس وربما اللقاء الجسدي داخل غرفة معتمة ، أما في السياق العربي، فإن الباب يُفتح غالباً من جهة الخوف والمرض والوصمة: امرأة مضطربة أو مكلومة أو عاجزة عن تفسير ما تمر به، فيُقال لها إن "جنياً عاشقاً" يسكن جسدها، وإن الخلاص لا يتم إلا عبر طقس خاص يقوده الراقي،  في الحالتين هناك شخصية تدّعي امتلاك سلطة على عالم غير مرئي: الوسيط هناك يتكلم باسم الأرواح، والراقي هنا يتكلم باسم الدين وطرد الجن. 

وهناك أيضاً غرفة مغلقة، وطاعة مطلوبة، وجسد يُعاد تفسيره بوصفه ساحة لمعركة غيبية،  الفرق أن جلسة الأرواح الغربية كانت تبيع وهم عودة الميت باسم الحب والاشتياق، بينما الممارسة المنحرفة في الرقية تبيع وهم العلاج باسم الخوف والتطهير، لكن النهاية واحدة: حين يصبح الغيب ذريعة لملامسة الجسد أو امتلاكه، لا نعود أمام روحانية ولا رقية، بل أمام استغلال للضعف الإنساني بأكثر أقنعته قداسة وخطورة.