سافرت إلى الهند في منتصف التسعينيات للدراسة، وكنت في تلك الفترة شغوفاً على نحو كبير بالفلسفات الهندية، أقرأ عنها بنهم، وأتتبع ما يتصل باليوغا والتأمل والوعي. ومن خلال قراءاتي بدأت أتعرف إلى أفكار تقول إن بعض تقنيات التأمل ليست مجرد وسائل للاسترخاء أو تهدئة الذهن، بل يمكن أن تنقل الإنسان فعلاً إلى مستوى آخر من الإدراك… إلى ما يسميه البعض العالم غير المرئي، أو عالم الأرواح.
في أواخر عام 1996 تقريباً، وقع بين يدي كتاب بعنوان Meditation: The First and Last Freedom، وكان يضم 114 تقنية تأملية، وقيل أن أصلها يرجع إلى ما يسمى "آدي يوغي" أي "اليوغي الأول" أو المصدر الأول لعلوم اليوغا. لم أكن أظن أن مجرد كتاب يمكن أن يفتح باباً يغير فهمي للحياة كلها، لكن هذا ما حدث بالفعل.
لفت انتباهي تمرين بدا في غاية البساطة، إلى حد أنك لا تتوقع منه أي شيء استثنائي. كان يعتمد فقط على المشي في مكان منعزل، مع النظر إلى الأرض والتركيز الكامل على صوت وقع القدمين أثناء الحركة ، لا أكثر.
بدأت التمرين، وبعد خطوات قليلة فقط، حدث شيء لم أكن مستعداً له إطلاقاً.
شعرت فجأة بأنني أخرج من جسدي.
لا أجد وصفاً أدق مما شعرت به حينها سوى أنه غمرني ما يمكن أن أدعوه "لذة عارمة". لاحقاً فقط عرفت أن هناك من يصف مثل هذه الحالة بـ النشوة الصوفية. كانت لذة تتصاعد شيئاً فشيئاً، كلما ازداد إحساسي بالابتعاد عن جسدي المادي. ثم وجدت نفسي أنظر إلى جسدي من الأعلى.
يمكنك أن تتخيل حجم الذهول الذي أصابني… لكن الذهول لم يكن وحده حاضراً. كانت هناك أيضاً سعادة جارفة، وفرح يكاد لا يُحتمل، وفي الوقت نفسه خوف حقيقي من أنني دخلت شيئًا لا أفهمه.
في تلك اللحظة، بدأت أردد بشكل تلقائي: "بسم الله الرحمن الرحيم". كنت أحاول أن أتماسك، أن أستجمع نفسي، أن أعود. وبعد لحظات، شعرت أنني رجعت فعلاً إلى جسدي… لكن الغريب أن تلك اللذة العنيفة لم تختفِ. بقيت تتحرك في داخلي، كأنها ترقص في كل خلية من خلايا جسدي.
ما حدث بعد ذلك كان لا يقل غرابة.
كان صوت العصافير بالنسبة لي في تلك الحالة أشبه بشيء مُسكر. لم أعد أسمعه كما كنت أسمعه من قبل. وكنت أرى حول الأشجار، بل وحتى حول ما نسميه عادة "الفراغ"، نوعًا من الهالة العجيبة، كأن العالم كله صار ينبض بطاقة لا تُرى عادة. كان كل شيء حيًا على نحو مختلف.
أذكر أنني كنت أحتضن الأشجار، وأشعر تجاه كل ما حولي بحب حقيقي، لا مجازي. حتى عندما وصلت إلى المنزل، ووضعت يدي على بوابة البيت لأفتحها، كانت يداي ترتجفان من شدة النشوة التي ما زالت تسري في داخلي.
صعدت إلى غرفتي وأنا في حالة لا تشبه أي حالة عرفتها من قبل، وفتحت الكتاب مرة أخرى. للمفارقة، كانت تلك أول مرة أقرأ فيها مقدمته بتمعن. وهناك فقط بدأت أفهم أن هذه التمارين التي بدت لي بسيطة جداً، يمكن أن تفتح بالفعل مجالًا مجهولًا نحو شيء غير مألوف… وأنها ليست ألعاباً ذهنية بريئة كما كنت أتصور. بل كان التحذير واضحاً: هذه الممارسات قد تكون خطرة، ويُفترض أن تُمارس تحت إشراف معلم روحي.
لكن المشكلة كانت أن الأمر لم يتوقف عند تلك التجربة.
بعدها، بدأت أشعر أنني انجرفت نحو ذلك العالم دون إرادتي. كأن شيئاً ما قد خرق الحجاب ولم أعد قادراً على إغلاقه ، أدركت حينها أنني ربما فتحت باباً لا أملك لا القدرة على إقفاله، ولا الشجاعة على المضي فيه حتى النهاية.
وهنا حدث ما لا أزال أراه حتى اليوم نوعًا من العناية الإلهية.
بطريقة لا أستطيع تفسيرها، وجدت نفسي لاحقاً أمام رجل قالوا لي إنه "أفتار"، أي شخص قديس أو ذو مقام روحي عال، وله صلة مقدسة بـ"أهل السماء" بحسب ما قيل لي. لا أزعم أنني كنت أفهم تماماً معنى ذلك، ولا أطلب من أحد أن يتبناه كما هو، لكنني أستطيع أن أقول بصدق إن حضوره كان استثنائياً. كان له حضور قوي جداً وهيبة غريبة، حتى إنني شعرت بأنه ليس رجلاً عادياً من هذا العالم.
عندما جلست أمامه، حاولت أن أشرح له ما حدث لي، وقلت له: "لقد فعلت..."، لكن قبل أن أكمل، قاطعني فوراً وقال: "أعرف… أعرف… اترك هذا الموضوع لي، فأنا هنا من أجل ذلك."
حتى اليوم، لا أستطيع أن أشرح لك لماذا صدقته فوراً، لكنني كنت واثقاً، من أعماقي، أنه يعرف فعلاً ما الذي حدث لي، وأنه قادر على التعامل معه.
وبعد ذلك، لاحظت شيئاً واضحاً جداً: تلك "الطاقة" التي كانت تأتي إليّ فجأة ودون إرادتي، لم تعد تحمل نفس الرعب السابق. لم تختفِ تمامًا، لكنها صارت أقل تهديدًا، وأصبحت أعيشها من دون خوف، بل أحياناً بشيء من الاستمتاع والطمأنينة.
المشكلة الحقيقية لم تكن فيما حدث لي، بل في محاولة شرحه للآخرين.
حين حاولت أن أشارك بعض الناس بما مررت به، فوجئت بأن ردود أفعالهم لم تكن كما توقعت. لم أجد فضولاً حقيقياً أو محاولة للفهم، بل أسئلة من نوع:
"هل كنت تتعاطى شيئًا ممنوعاً ؟"
"هل كنت سكراناً ؟"
وكان واضحاً من طريقتهم أنهم لا يصدقونني أصلاً.
تدريجياً، توقفت عن الحديث عن هذه التجربة. لم أعد أشاركها مع أحد تقريباً. وربما لهذا السبب لجأت لاحقاً إلى الكتابة القصصية، لأن القصة تسمح لك بأن تقول ما عشته من دون أن تطلب من أحد أن يصدقك أو يكذبك. القصة لا تستجوبك… ولا تحاكمك.
عندما وقعت هذه الحادثة، كان عمري حوالي عشرين عاماً. أما الآن، وبعد ما يقارب ثلاثين سنة، وأنا في الخمسينات من عمري، أجدني أخيرًا قادرًا على أن أرويها كما هي.
لا لأقنع أحداً…
بل فقط لأن هذا ما حدث لي فعلاً.