لماذا يرى بعض الناس ما لا يراه الآخرون ؟
" عندما كنت طفلاً .. رأيت الله ..
رأيت ملائكة ..
رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي ..
ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته ..
لكنّي سرعان ما أدركت أنهم لم يروا .."
— شمس التبريزي
لطالما حيّرت التجارب الغامضة كالرؤى غير المألوفة والخروج من الجسد .والشعور بالاتصال بعوالم أخرى كل من خاضها وكل من سمع بها. السؤال الذي يتكرر بإلحاح: لماذا تحدث هذه التجارب لبعض الناس دون غيرهم ؟ هل هي بوابة حقيقية نحو عوالم غير مرئية .. أم أنها انعكاس معقد لعمل الدماغ البشري تحت ظروف معينة ؟
ما يزيد من تعقيد هذه الظاهرة أن أصحاب هذه التجارب .. رغم اختلاف خلفياتهم الثقافية والدينية .. يتفقون على أمرين أساسيين:
أولاً .. أن ما عاشوه كان "حقيقياً أكثر من الواقع نفسه".
ثانياً .. أن اللغة تعجز تماماً عن وصفه.
يصف الكثير منهم عالماً لا يشبه عالمنا المادي: ألوان زاهية غير مألوفة .. كائنات محاطة بنور .. إحساس بالسلام أو الرهبة لا يمكن ترجمته إلى كلمات. ومع ذلك .. لا يوجد دليل مادي يمكن تقديمه لإثبات هذه التجارب .. مما يضعها في منطقة رمادية بين الإيمان والتشكيك.
ملاحظة التحول: الأثر بدل الدليل
رغم غياب الدليل الحسي .. يمكن ملاحظة شيء آخر أكثر إثارة للاهتمام: التغيرات التي تطرأ على الشخص بعد التجربة.
كثير ممن مرّوا بهذه الحالات يذكرون أنهم أصبحوا أكثر هدوءاً واتزاناً، أقل تعلقاً بالماديات ، أقل اهتماماً بالسلطة والمكانة ، أكثر ميلاً لمساعدة الآخرين دون مقابل
هذه التحولات تطرح سؤالاً مهماً: هل التجربة بحد ذاتها حقيقية .. أم أن تأثيرها النفسي هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن رصدها ؟
هل يمكن لأي إنسان أن يعيش هذه التجربة ؟
تزعم العديد من المدارس الروحية أن الإجابة هي نعم لكنها تضيف شرطاً أساسياً: إزالة "الحجاب".
هذا الحجاب .. بحسب هذه الرؤية .. هو "العقل" أو ما يُعرف بالأنا (Ego).
العقل هنا لا يُفهم كأداة للتفكير فقط .. بل كمنظومة من التصورات .. والذكريات .. والانشغالات التي تشكل إدراكنا للواقع.
في هذا السياق .. يتم استخدام تقنيات مثل التأمل واليوغا كوسائل لتفريغ العقل من الضجيج الداخلي. وعندما يحدث هذا التفريغ .. يُقال إن "الأنا" تبدأ بالذوبان.
يمكن تشبيه الأنا بـ بالون :
في الحياة اليومية ، كلما ازداد انتفاخ هذا البالون بالمعرفة أو المال أو المكانة أصبح أكثر صلابة وثقلاً.
لكن في التجارب الروحية .. المطلوب هو العكس تماماً: تفريغ هذا البالون حتى يختفي.
الفراغ" الذي ليس فراغاً
في بعض الفلسفات الشرقية .. تتم الإشارة إلى هذه الحالة باسم "الفراغ" لكن هذا الفراغ لا يعني العدم .. بل يوصف بأنه حالة تحتوي كل شيء.
الفكرة هنا أن الإنسان محاط دائماً بهذا "الكل" .. لكنه لا يدركه بسبب انشغاله بذاته الفردية.
الأنا تصبح مثل جدار يفصل الإنسان عن تجربة أوسع للوجود.
هذه الرؤية .. رغم طابعها الفلسفي .. تطرح سؤالاً مهماً من منظور علمي:
هل يمكن أن تكون هذه التجارب نتيجة تغيرات في طريقة عمل الدماغ .. خصوصاً في المناطق المسؤولة عن الإحساس بالذات ؟
بعض الدراسات تشير فعلاً إلى أن انخفاض نشاط مناطق معينة في الدماغ قد يؤدي إلى شعور بـ"ذوبان الذات" .. وهو إحساس يتم الإبلاغ عنه كثيراً في حالات التأمل العميق أو التجارب القريبة من الموت.
التجارب العفوية: حين يحدث "الانفصال" دون قصد
ليست كل هذه التجارب نتيجة تدريب روحي أو ممارسات مقصودة.
في الواقع .. كثير منها يحدث بشكل عفوي تماماً .. وفي ظروف غير متوقعة.
1- العزلة الحسية
في أماكن مثل الصحارى أو الغابات المعزولة .. حيث يقل التحفيز الحسي بشكل كبير .. قد يبدأ الدماغ في "ملء الفراغ".
بعض الأشخاص يبلغون عن تضخم في الحواس ، إحساس بوجود كائنات ، رؤى أو أصوات غير مألوفة.
التفسير العلمي المحتمل هنا هو أن الدماغ .. عند نقص المدخلات الحسية .. يبدأ في توليد محتوى داخلي.
2- تجارب الموت الوشيك NDE
أشخاص خضعوا لعمليات جراحية أو مروا بحالات خطيرة يبلغون عن رؤية نفق من الضوء ، إحساس بالخروج من الجسد ،لقاء كائنات أو أقارب متوفي ، درس بعض الأطباء والباحثين هذه الظواهر .. وطرحوا تفسيرات تتراوح بين نقص الأكسجين في الدماغ .. إلى نشاط غير معتاد في الفص الصدغي.
3- الحوادث والصدمات
في لحظات الخطر الشديد .. قد يدخل الدماغ في حالة دفاعية تؤدي إلى انفصال عن الواقع وشعور بأن الحدث يحدث "من الخارج" وهذا معروف في علم النفس بحالة "التفكك".
4- تأثير استهلاك مواد معينة
بعض المواد الكيميائية يمكن أن تُحدث تجارب شبيهة جداً بالتجارب الروحية ، وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً:
هل هذه المواد "تخلق" التجربة .. أم أنها "تفتح" باباً موجوداً بالفعل ؟
حتى الآن .. لا يوجد اتفاق علمي حاسم.
دور المعلم الروحي: بين الإرشاد والإسقاط
في بعض التقاليد .. يُقال إن الوصول إلى هذه الحالات يتطلب وجود "معلم" ، لكن هذا الطريق ليس شائعاً لأن البحث عن هذا النوع من التجارب غالباً ما يبدأ من حالة أزمة.
كما يقول بعض المتصوفة: الذي يبحث هو "الغريق".
أي أن الدافع ليس الفضول .. بل الألم.
لكن من منظور نقدي .. يمكن أيضاً النظر إلى دور المعلم كعامل نفسي:
- قد يوجّه توقعات الشخص
- قد يؤثر على تفسير التجربة
- وقد يخلق إطاراً يجعل التجربة تبدو ذات معنى
بين التفسير الروحي والتفسير العلمي
عند تحليل هذه الظواهر .. يمكن تقسيم التفسيرات إلى اتجاهين رئيسيين:
التفسير الروحي
يرى التفسير الروحي أن هذه التجارب عبارة عن اتصال فعلي بعوالم أخرى أو كشف لحقيقة مخفية عن الإدراك العادي أو دليل على أن الوعي لا يقتصر على الدماغ.
التفسير العلمي
بينما التفسير العلمي يرى هذه التجارب أنها ناجمة عن نشاط دماغي غير معتاد أو تكون مرتبطة بحالات نفسية أو عصبية معينة يمكن تفسيرها من خلال الكيمياء الحيوية للدماغ.
هل التجربة "حقيقية"؟
ربما السؤال الأدق ليس: هل هي حقيقية أم لا ؟ بل ماذا تعني "الحقيقة" في هذا السياق ؟
إذا كانت التجربة لا يمكن إثباتها خارجياً لكنها تُحدث تحولاً داخلياً عميقاً فهل يمكن اعتبارها "حقيقية" من منظور ذاتي ؟
هذا يقودنا إلى فكرة أن هناك نوعين من الحقيقة: حقيقة قابلة للقياس وحقيقة قابلة للتجربة.
والتجارب الغامضة تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني.
لماذا بعض الناس دون غيرهم ؟
يمكن تلخيص العوامل المحتملة في عدة نقاط:
- التركيب النفسي: بعض الأشخاص أكثر حساسية أو انفتاحاً للتجارب غير المألوفة.
- الظروف البيئية: العزلة .. الصدمات .. أو الحالات القصوى.
- الاستعداد الثقافي: المعتقدات المسبقة تؤثر على تفسير التجربة.
- الحالة العصبية: اختلافات في نشاط الدماغ.
- التجربة الشخصية: الألم أو البحث الوجودي قد يدفع الإنسان إلى حدود غير مألوفة.
بين الشك والتجربة
في النهاية .. تبقى هذه الظواهر عصية على الحسم.
من لم يمر بها يميل إلى الشك .. ومن عاشها يجد صعوبة في الإقناع.
ليس لأن أحد الطرفين مخطئ بالضرورة .. بل لأنهما يتحدثان من مستويين مختلفين من الإدراك.
ربما يكون أقرب موقف متوازن هو: عدم التسليم المطلق وعدم الرفض القاطع
وترك مساحة للسؤال مفتوحاً.
ففي عالم ما زلنا نكتشف فيه أسرار الدماغ والوعي .. قد تكون هذه التجارب سواء كانت نوافذ على عوالم أخرى أو انعكاسات عميقة لداخلنا تذكيراً بأن ما نعرفه أقل بكثير مما نظن.
وفي النهاية .. كما يلمّح قول شمس التبريزي ..
ليست المشكلة في أن بعض الناس يرون ..
بل في أننا لا نعرف بعد كيف نرى.