في لحظات الخطر الشديد، يروي بعض الأشخاص تجربة غريبة يشعرون خلالها بأنهم انفصلوا عن أجسادهم، وكأنهم يراقبون ما يحدث لهم من مكان آخر، أو انتقلوا إلى عالم بعيد عن الألم والخوف، وقد سُجلت مثل هذه الروايات لدى أشخاص تعرضوا لحوادث مميتة أو اعتداءات جسدية وجنسية، فهل تكون هذه الظاهرة محاولة من العقل لحماية صاحبه عندما يصبح الواقع أقسى من أن يُحتمل ؟

هذا السؤال هو محور دراسة جديدة نشرها الباحث روبرت كينغ Robert A. King في 6 أكتوبر 2026 بمجلة Journal of Anomalous Experience and Cognition، بعنوان " الاعتداء الجسدي وتجارب الخروج من الجسد: انفصال نفسي مفيد" Physical Attack and Out-of-Body Experiences: An Advantageous Dissociation.

ثماني تجارب في مواجهة الخطر

حلل كينغ ثماني حالات لأشخاص أبلغوا عن تجارب خروج من الجسد أثناء تعرضهم لاعتداءات جسدية، من بينها اعتداءات جنسية،  ولم تكن هذه التجارب مقصودة أو نتيجة تدريب على التأمل، بل ظهرت تلقائياً في ظروف شعر فيها أصحابها بتهديد مباشر.

لاحظ الباحث نمطين محتملين؛ ففي الأول، يشعر الشخص بأنه خرج من جسده لكنه يظل مدركاً للخطر، وكأنه يراقب الحدث من موقع آخر، أما الثاني فيتضمن انغماساً عميقاً في تجربة ذهنية تبعده عن الواقع المؤلم، وقد تتخذ صورة الانتقال إلى مكان مختلف تماماً.

ويقترح كينغ أن هذه الحالات قد ترتبط بما يعرف باسم الانفصال النفسي Dissociation وهو تغير في الترابط المعتاد بين الوعي والإحساس بالجسد والمشاعر والذاكرة وإدراك الواقع، وقد يكون ذلك وسيلة لتخفيف وطأة الألم أو الحفاظ على الانتباه إلى مصدر التهديد، وإن كانت الدراسة لا تثبت أن هذه الاستجابة تحسن فرص النجاة فعلياً.

حين يصبح الإنسان مشاهداً لجسده

ليست فكرة الانفصال النفسي أثناء الخطر جديدة، ففي عام 1977  نشر الطبيبان النفسيان راسل نويس Russell Noyes وروي كليتي Roy Kletti دراسة تناولت تجارب 101 شخص واجهوا مواقف هددت حياتهم.

وجد الباحثان أن 66% من المشاركين أبلغوا عن خمسة تغيرات إدراكية أو نفسية على الأقل، شملت الإحساس بالزمن والمشاعر والواقع وإدراك الذات، ووصف بعضهم حالة من الانفصال بين الذات التي تعيش الحدث والذات التي تراقبه، وكأن الإنسان أصبح مشاهداً لما يجري له.

وقد تجمع هذه الحالات بين استجابتين تبدوان متناقضتين: زيادة الانتباه إلى الخطر، وتراجع شدة المشاعر المؤلمة وهو ما يمنح فرضية كينغ خلفية علمية، إذ يشير إلى أن تغير الإحساس بالجسد قد يكون جزءاً من استجابة الإنسان للتهديد الشديد.

أين ينشأ الشعور بالخروج من الجسد ؟

قدمت أبحاث علم الأعصاب تفسيراً محتملاً لهذه الظاهرة، ففي مراجعة نشرها عالم الأعصاب أولاف بلانكه Olaf Blanke وزملاؤه عام 2005، ناقش الباحثون دور منطقة اتصال الفصين الصدغي والجداري في الدماغ Temporoparietal Junction.

تشارك هذه المنطقة في دمج المعلومات القادمة من البصر والتوازن والإحساس بوضعية الجسم وعندما يختل تكامل هذه الإشارات، قد يتغير إدراك الإنسان لموقع ذاته، فيشعر بأنه يوجد خارج جسده أو يراه من منظور غير معتاد.

ولا تقتصر هذه التجارب على حالات الخطر؛ فقد وردت روايات مشابهة أثناء النوم والتخدير وبعض الحالات العصبية، وأحياناً دون وجود تهديد واضح، وهذا يشير إلى أن الخروج من الجسد قد ينشأ عن ظروف مختلفة، وليس عن الصدمة وحدها.

هل يغادر الوعي الجسد فعلاً ؟

الشخص الذي يشعر بأنه يراقب جسده من الخارج قد يصف تجربة شديدة الوضوح والواقعية، لكن ذلك لا يثبت أن وعيه انفصل فعلياً عن الدماغ، وللتحقق من هذا الادعاء، ينبغي إثبات أنه أدرك معلومات خارج نطاق حواسه المعتادة، في ظروف تستبعد المصادفة والتخمين وتسرب المعلومات.

أما دراسة كينغ فلم تختبر هذه القدرة، بل ركزت على الظروف التي تنشأ فيها التجربة ووظيفتها النفسية المحتملة.

وتكمن أهميتها في طرح سؤال قلما يحظى بالاهتمام في النقاشات حول الخروج من الجسد: لماذا تظهر هذه التجربة لدى بعض الأشخاص تحديداً في اللحظات التي يتعرضون فيها لأقصى درجات التهديد ؟

ربما لا يكون الشعور بمغادرة الجسد هروباً حقيقياً للوعي إلى مكان آخر، بل تغيراً عميقاً في الطريقة التي يصنع بها الدماغ إحساس الإنسان بوجوده داخل جسده، وبين التفسير العصبي والتجربة الذاتية يبقى هذا الجانب من الوعي مجالاً مفتوحاً للبحث، خصوصاً عندما يصبح الانفصال عن الواقع وسيلة محتملة لتحمل ما لا يُحتمل.