منذ عقود يروي أشخاص مرّوا بما يعرف بـ تجربة الخروج من الجسد Out-of-Body Experience أنهم شعروا وكأن وعيهم انفصل عن أجسادهم وأنهم تمكنوا أحياناً من رؤية المكان من زاوية مختلفة أو الانتقال، وفق وصفهم، إلى أماكن أخرى، لكن مثل هذه الروايات تصطدم دائماً بسؤال بسيط وحاسم: ذا كان الوعي يستطيع بالفعل مغادرة الجسد، فهل يمكنه رؤية شيء مخفي لا تستطيع الحواس العادية الوصول إليه ؟
دراسة جديدة نُشرت إلكترونياً في 12 أغسطس 2026 في مجلة إكسبلور EXPLORE حاولت اختبار هذا السؤال تحت ظروف مضبوطة، من خلال تجربة شارك فيها أشخاص لديهم خبرة طويلة في تقنيات تهدف إلى تحفيز تجارب الخروج من الجسد.
صورة مخفية في غرفة أخرى
شارك في الدراسة 21 شخصاً مرتبطين بمعهد برازيلي يقدم تدريباً على تقنيات مرتبطة بتجارب الخروج من الجسد، وكانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، حيث طُلب من المشارك محاولة الدخول في حالة خروج من الجسد، ثم التوجه ـ وفق تجربته الذاتية ـ إلى غرفة منفصلة لا يمكن الوصول إليها أثناء الاختبار، توجد صورة اختارها الحاسوب بصورة عشوائية من مجموعة محددة.
ولزيادة صرامة الاختبار بقيت الصورة المستهدفة مجهولة ليس فقط للمشارك بل كذلك للباحثين الموجودين معه، في تصميم يهدف إلى تقليل احتمال انتقال أي معلومات بطريقة غير مقصودة.
بعد انتهاء المحاولة، وصف المشاركون ما اعتقدوا أنهم شاهدوه، ومن بين 21 مشاركاً، قال تسعة إنهم عاشوا خلال الجلسة حالة اعتبروها خروجاً من الجسد، فيما أمكن الحصول على أوصاف للهدف من 13 تجربة لتحليلها إحصائياً.
الذكاء الاصطناعي يدخل الاختبار
بدلاً من أن يقرر الباحثون بأنفسهم مدى تشابه وصف المشارك مع الصورة، استخدمت الدراسة طريقة حاسوبية تقوم على تحليل التشابه الدلالي بواسطة نموذج لغوي مدرَّب مسبقاً.
كان أمام النظام 100 صورة محتملة في كل تجربة، وقارن المعنى الموجود في وصف المشارك مع الأوصاف المرتبطة بتلك الصور، ثم فحص الباحثون ما إذا كانت الصورة الحقيقية المخفية تحتل مرتبة أفضل مما يمكن توقعه عن طريق المصادفة.
والنتيجة الرئيسية كانت واضحة:
لم تحقق أي من التجارب الثلاث عشرة تطابقاً ذا دلالة إحصائية يتجاوز مستوى المصادفة كما أن النتيجة الإجمالية لم تقدم دليلاً على أن المشاركين استطاعوا التعرف إلى الصور المخفية من خلال تجربة الخروج من الجسد.
وبعبارة أخرى لم تنجح التجربة في إثبات ما يسمى أحياناً "الإدراك الحقيقي" Veridical Perception؛ أي الحصول على معلومة صحيحة عن مكان بعيد أو محجوب دون استخدام الحواس المعروفة.
مع ذلك، سجل الباحثون ملاحظة غريبة لم تكن أصلاً الهدف الرئيسي للدراسة ، فقد قام اثنان من المشاركين، بصورة عفوية، بوصف تفاصيل صحيحة تتعلق بمواقع الباحثين وما كانوا يفعلونه في غرفة مجاورة خلال التجربة.
هذه المعلومات لم تكن جزءاً من مهمة التعرف إلى الصورة المخفية، ولذلك لم يكن الاختبار مصمماً مسبقاً لتقييمها بالطريقة نفسها، ولهذا لم يعتبر الباحثون ما حدث دليلاً على إدراك خارق، بل أشاروا بحذر إلى أن مثل هذه التقارير قد تستحق اختبارات مستقبلية مصممة خصيصاً للتحقق منها بصورة منهجية.
وهنا تكمن المفارقة: فشل المشاركون في المهمة التي أُعدت خصيصاً لاختبارهم، بينما ظهرت بعض المعلومات الصحيحة ـ بحسب الباحثين ـ في تقارير جانبية لم يكن الهدف منها إثبات شيء.
لماذا يصعب اختبار الخروج من الجسد ؟
سبق وأن ناقشت الباحثة مارينا وايلر Marina Weiler من جامعة فرجينيا مع باحثين آخرين إحدى المشكلات الأساسية في دراسة هذه الظاهرة: الروايات الشخصية عن الخروج من الجسد قد تكون شديدة الوضوح والإقناع لمن يعيشها، لكن تكرار ادعاءات الإدراك عن بُعد تحت ظروف المختبر ظل صعباً.
وفي بحث آخر نشرته وايلر وزملاؤها في يونيو 2026، أشاروا إلى أن اختبارات "الصورة المخفية" نفسها قد لا تعكس دائماً طبيعة التجربة كما يصفها أصحابها، وطالبوا بتطوير طرق اختبار أكثر ملاءمة للظاهرة مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمكانية التحقق العلمي ودحض الادعاء إذا لم ينجح.
هذا النقاش لا يعني التسليم بأن الوعي يغادر الجسد فعلاً، وإنما يعكس صعوبة تحويل تجربة ذاتية شديدة التعقيد إلى اختبار مخبري قابل للقياس والتكرار.
بين التجربة الذاتية والدليل
إن تجارب خروج من الجسد كظاهرة نفسية وإدراكية يصفها البشر هو أمر موثق في الأدبيات العلمية، أما تفسيرها على أنها انفصال فعلي للوعي عن الدماغ وقدرته على الانتقال في المكان فهو فرضية أخرى تحتاج إلى أدلة مستقلة.
الدراسة الجديدة لم تقدم هذا الدليل؛ بل إن اختبارها الرئيسي أعطى نتيجة سلبية، لكنها في الوقت نفسه توضح أن الباحثين ما زالوا يحاولون وضع واحدة من أقدم الادعاءات المتعلقة بالوعي أمام اختبار مباشر: إخفاء معلومة عن الحواس، ثم السؤال عما إذا كان الإنسان يستطيع الوصول إليها بطريقة أخرى.
أما ما وصفه المشاركان عن الغرفة المجاورة، فيبقى حتى الآن ملاحظة مثيرة لا برهاناً، ولكي تكتسب قيمة علمية حقيقية ينبغي أن تتكرر في تجارب معدّة مسبقاً لهذا الغرض وتحت شروط تمنع تسرب المعلومات والمصادفة والتفسير اللاحق.