في أغسطس/آب 1966 صعد رجلان إلى تل معزول يطل على مدينة نيتيروي البرازيلية،  لم يكونا سائحين ولا متسلقين، بل فنيي إلكترونيات يحملان معهما معاطف واقية من المطر، زجاجة ماء، أوراقاً عليها تعليمات مقتضبة، وقناعين غريبين صُنعا يدوياً من الرصاص.

بعد أيام، عُثر عليهما ميتين ، لم تكن على الجثتين آثار عنف واضحة ولم يعرف المحققون ما الذي قتلهما، لكن ورقة صغيرة كانت موجودة معهما احتوت على كلمات جعلت القضية واحدة من أغرب ألغاز البرازيل:

تناول الكبسولة... بعد المفعول... احمِ المعادن... انتظر الإشارة... القناع.

ما الكبسولة التي ابتلعها الرجلان ؟ 

وما «الإشارة» التي صعدا إلى التل لانتظارها ؟

 ولماذا اعتقدا أن عليهما حماية أعينهما بأقنعة من الرصاص ؟

رحلة لم تكن كما قيل للعائلة

كان الرجلان هما ميغيل خوسيه فيانا (34 عاماً) ومانويل بيريرا دا كروز (32 عاماً) ويعملان في مجال الإلكترونيات وأجهزة التلفزيون في مدينة كامبوس دوس غويتاكازيس في ولاية ريو دي جانيرو.

في 17 أغسطس 1966 غادرا مدينتهما حاملين مبلغاً كبيراً من المال، ووفقاً للروايات التي وصلت لاحقاً إلى الشرطة كان الهدف المعلن للرحلة شراء سيارة وبعض المعدات الإلكترونية.

لكن الرجلين لم يتجها إلى الوجهة المتوقعة.

وصلا إلى نيتيروي، زارا متجراً للأجهزة الإلكترونية ثم اشتريا معطفين واقيين من المطر وزجاجة مياه معدنية، بعد ذلك توجها إلى تل مورّو دو فينتيم Morro do Vintém.

كان ذلك آخر تحرك معروف لهما وهما على قيد الحياة.

رجلان ممددان على التل

بعد فترة قصيرة شوهدت جثتان في أعلى التل، تأخر وصول السلطات إلى المكان وعندما جرى انتشال الجثتين كان التحلل قد بدأ بالفعل.

كان المشهد غريباً على نحو غير مألوف ، الرجلان ممددان بالقرب من بعضهما، بملابس تبدو مرتبة، من دون جروح قاتلة ظاهرة وبجوارهما معاطف المطر وبعض المتعلقات الشخصية ، لكن الشيء الذي سيجعل الحادثة مشهورة عالمياً كان قناعين معدنيين سميكين مصنوعين من الرصاص مصممان ليغطيا منطقة العينين ولا يحتويان على فتحات للرؤية !

انتشرت لاحقاً رواية تقول إنه تم العثور على الرجلين والقناعان مثبتان على وجهيهما إلا أن المصادر القديمة ليست متفقة على ذلك؛ فبعضها يضع الأقنعة بجانب الجثتين أو في أيديهما ، لذلك فإن المؤكد ليس أنهما ماتا وهما يرتديان الأقنعة بل أن أقنعة الرصاص كانت جزءاً من التجربة التي جاءا من أجلها إلى التل.

الورقة الغامضة

في ملابس أحد الرجلين عُثر على ورقة صغيرة كُتبت عليها تعليمات قصيرة بالبرتغالية، أشهرها:

16:30 — الوجود في المكان المحدد

18:30 — تناول الكبسولة

بعد المفعول... حماية المعادن... انتظار الإشارة... القناع

الجملة الأصلية مكتوبة بصورة مقتضبة ومن دون علامات ترقيم واضحة لذلك ظل معناها الدقيق محل خلاف ، لكن كلماتها الأساسية لا تترك مجالاً كبيراً للشك في أن الرجلين كانا يتبعان برنامجاً معداً مسبقاً.

هناك مكان محدد وهناك وقت محدد وهناك كبسولة يجب تناولها ثم شيء ينبغي فعله بعد بدء تأثيرها وفي النهاية: انتظار إشارة ، وهذه الإشارة هي قلب اللغز.

لماذا الرصاص ؟

يمكن للرصاص بالفعل أن يحجب أو يخفف بعض أنواع الإشعاع المؤين ولهذا يُستخدم في المنشآت الطبية والنووية، لكن قناعاً صغيراً يغطي العينين وحدهما لن يكون وسيلة منطقية لحماية الجسم من جرعة خطيرة من الإشعاع ، وإذا كان الرجلان يخشيان ضوءاً شديداً، فلا توجد حاجة إلى الرصاص أصلاً؛ إذ تستطيع مواد أخف وأبسط حجب الضوء المرئي ، لهذا يبدو القناع أكثر دلالة على اعتقاد الرجلين مما هو دليل على وجود خطر حقيقي ، لقد كانا يتوقعان شيئاً اعتقدا أنه قد يصدر ضوءاً أو إشعاعاً أو نوعاً من «الطاقة»، ولذلك صنعا وسيلة حماية بالطريقة التي ظنا أنها مناسبة.

والأهم أن الأقنعة لم تظهر فجأة في مسرح الوفاة فقد أفادت التحقيقات بأن الرجلين كانا يصنعان أقنعة رصاص في ورشتهما، وتم العثور على قصاصات من المعدن وأدوات مرتبطة بصناعتها ، أي أن الرحلة لم تكن مغامرة عابرة ، لقد استعدا لها مسبقاً.

بين الإلكترونيات والروحانيات

قد يبدو غريباً أن ينخرط فنيّا إلكترونيات في تجربة كهذه، لكن خلفية الرجلين تجعل الأمر أكثر قابلية للفهم ، تشير التحقيقات والروايات الصحفية إلى اهتمامهما بتجارب ذات طابع روحاني وبمحاولات الاتصال بقوى أو كيانات مجهولة كما ارتبط اسماهما بكتب وأفكار كانت تمزج بين الروحانية وفكرة الحياة على الكواكب الأخرى.

في البرازيل خلال تلك الفترة انتشرت تيارات تجمع بين الروحانية، التخاطر، الكائنات الفضائية ومفاهيم غامضة عن الطاقة والإشعاع، ولم يكن من المستغرب تماماً أن يحاول بعض المهتمين بها بناء أجهزة أو إجراء تجارب خاصة.

وهنا يمكن فهم أقنعة الرصاص بصورة مختلفة ، ربما لم يكن الرجلان يحاولان تنفيذ تجربة علمية بالمعنى الحقيقي بل تجربة تستعير لغة العلم وأدواته لخدمة اعتقاد روحاني.

الكبسولة أهم من القناع

شهرة القضية ارتبطت بأقنعة الرصاص، لكن العنصر الأكثر أهمية في الحقيقة ربما يكون كلمة واحدة في الورقة: الكبسولة.

ما الذي ابتلعه الرجلان عند الساعة السادسة والنصف مساءً ؟ دواء ؟ مادة مهلوسة ؟ مركب كيميائي ؟ سم ؟

لا أحد يعرف.

وقد ظهرت إشارات إلى ملاحظات أخرى تتعلق بمواعيد تناول كبسولات في أيام مختلفة، ما يوحي بأن استخدام مادة ما لم يكن فكرة طارئة في تلك الليلة ، إذا كان الرجلان قد تناولا مادة تؤثر في الوعي فمن الممكن أن تكون الأقنعة و«الإشارة» جزءاً من طقس أو تجربة تهدف إلى الوصول إلى حالة إدراك غير عادية.

أما إذا كانت الكبسولة سامة، فقد يكون اللغز كله أقرب إلى مأساة كيميائية منه إلى لقاء مع المجهول.

ضوء فوق التل

بعد انتشار قصة الجثتين ظهرت شهادة زادت القضية غرابة ، قالت امرأة إنها شاهدت في مساء الحادثة جسماً أو ضوءاً غريباً قرب تل مورّو دو فينتيم، ووُصف بأنه كان يظهر بألوان مائلة إلى الأزرق والبرتقالي ، لم يكن عصر الستينيات بعيداً عن موجة الاهتمام العالمية بالأطباق الطائرة وسرعان ما أصبحت الشهادة جزءاً أساسياً من قصة «أقنعة الرصاص».

وبدأت فرضية تقول إن الرجلين صعدا إلى التل انتظاراً لوصول جسم طائر مجهول وأن الأقنعة كانت لحماية أعينهما من الضوء أو الإشعاع الصادر عنه.

المشكلة أن الشهادة ظهرت بعد انتشار خبر الحادثة ولا يوجد دليل مادي يربط أي جسم مجهول بوفاة الرجلين ، يمكن أن يكون الضوء قد شوهد فعلاً لكن وجوده وحده لا يخبرنا بما كان عليه ولا يثبت وجود علاقة بينه وبين الوفاة.

هل خدعهما شخص ثالث ؟

هناك تفصيل آخر يفتح باباً مختلفاً تماماً ، كان الرجلان يحملان عند مغادرتهما مبلغاً مالياً كبيراً، لكن معظم هذا المبلغ لم يُعثر عليه مع الجثتين ، من هنا ظهرت فرضية تقول إن شخصاً ثالثاً كان وراء التجربة ، وربما أقنع الرجلين بأنه يستطيع مساعدتهما على الاتصال بقوة مجهولة وطلب منهما تناول كبسولات ضمن طقس معين، ثم سرق أموالهما بعد موتهما ، وفي هذا السيناريو تصبح «التجربة الروحية» مجرد وسيلة لخداع رجلين كانا يؤمنان بإمكانية الاتصال بعالم آخر ، لكن لا يوجد دليل مباشر يثبت وجود ذلك الشخص ولم يتمكن التحقيق من ربط أحد بصورة حاسمة بالموت.

هل كانت محاولة انتحار ؟

طُرحت أيضاً فرضية الانتحار المشترك ، لكنها لا تفسر بسهولة طبيعة التعليمات ، الورقة لا تقول «تناول الكبسولة وانتظر الموت»، بل تتحدث عن مراحل وتجهيزات و«إشارة» يفترض أن تأتي بعد تناولها ، السلوك يبدو أقرب إلى أشخاص يتوقعون حدوث شيء وليس إلى أشخاص قرروا إنهاء حياتهم ، كما لم يظهر دافع واضح للانتحار لدى الرجلين لهذا ظلت هذه الفرضية ممكنة نظرياً لكنها ليست الأكثر إقناعاً.

خطأ ربما دفن الحقيقة

كان ينبغي أن يستطيع الطب الشرعي حل الجزء الأكبر من اللغز ، فإذا تم تحليل محتويات المعدة والأعضاء كان من الممكن اكتشاف ما إذا كان الرجلان قد تناولا سماً أو عقاراً أو مادة مهلوسة لكن حالة الجثتين وتأخر الإجراءات ومشكلات حفظ العينات أدت إلى ضياع أهم فرصة للإجابة ، لم يصل التحقيق إلى نتيجة سمّية حاسمة ، وهكذا بقي سبب الوفاة مجهولاً ، ربما لو أُجري الفحص بطريقة أفضل لعرفنا اسم المادة التي كانت في «الكبسولة» ولما أصبحت القضية لغزاً عالمياً.

فرضية التجربة التي خرجت عن السيطرة

إذا جمعنا العناصر المؤكدة بعيداً عن الإضافات الأسطورية، يظهر سيناريو بسيط نسبياً:

كان الرجلان مهتمين بتجارب غير مألوفة ، صنعا أقنعة الرصاص مسبقاً وحملا معهما تعليمات تحدد المكان والوقت ، كان عليهما تناول كبسولة ثم انتظار «إشارة» ، وصعدا بالفعل إلى تل منعزل لتنفيذ الخطة ، بعد ذلك مات كلاهما من دون آثار عنف واضحة.

لهذا تبقى إحدى أكثر الفرضيات انسجاماً مع الأدلة أن الرجلين كانا يجريان تجربة روحانية أو شبه علمية انتهت بصورة غير متوقعة، ربما بسبب المادة التي تناولاها لكن حتى هذه الفرضية لا تجيب عن كل شيء.

من كتب التعليمات ؟ 

هل كانت الكبسولة من تحضيرهما ؟

 ماذا كانا يتوقعان أن يحدث عند وصول الإشارة ؟

 ولماذا ظنا أن الرصاص ضروري لحماية أعينهما ؟

لغز صنعه نقص في المعلومات

قضية أقنعة الرصاص مثيرة لأنها تقف في منطقة رمادية بين الجريمة والمعتقد والتجربة الشخصية، ليس هناك دليل يثبت أن كائناً فضائياً ظهر فوق التل ولا دليل يثبت أن قوة خارقة قتلت الرجلين لكن من الصعب أيضاً اعتبار كل ما حدث مجرد مصادفة.

هناك طقس واضح تم التحضير له مسبقاً وكبسولة مجهولة وأقنعة صُنعت خصيصاً وتعليمات تنتظر حدثاً لم نعرف طبيعته.

ربما لم يكن السر في السماء قط وربما كان موجوداً طوال الوقت داخل الكبسولة التي ابتلعها الرجلان ومع ضياع فرصة تحليلها، ضاعت معها على الأرجح أبسط إجابة يمكن أن تفسر واحدة من أغرب القضايا التي شهدتها البرازيل في القرن العشرين.

وبقيت عبارة الورقة معلقة بعد أكثر من نصف قرن: انتظر الإشارة.