في شتاء عام 1938، وصلت إلى القاهرة طفلة إيطالية في العاشرة من عمرها تُدعى روسانا كارملليني، وسط ظروف لم تكن اعتيادية بأي حال. لم تكن مجرد زيارة عائلية أو رحلة سياحية، بل بدت القصة منذ بدايتها وكأنها تحمل بذور حكاية غامضة. فقد تناقلت بعض الروايات أن هذه الطفلة أظهرت منذ صغرها سلوكيات غير مألوفة، تمثلت في قدرتها على نطق كلمات بلغات لم تتعلمها، ورسم رموز غريبة لا يعرفها من حولها، بل وحتى إظهار معرفة بأحداث قبل وقوعها، الأمر الذي جعل المحيطين بها ينظرون إليها بريبة ممزوجة بالدهشة.

لم تكن روسانا - وفق الرواية - مجرد طفلة غريبة الأطوار، بل وُصفت بأنها تمتلك قدرات أربكت كل من تعامل معها. كان أقرباؤها وعلى رأسهم الأب ألفريدو كارملليني يعجزون عن تفسير ما يحدث في بعض الليالي، إذ كانت الطفلة تتحدث بكلمات غير مفهومة، وكأنها تنطق بلغات لم تتعلمها قط، ثم تنتقل فجأة من البكاء إلى الضحك في لحظات متقاربة، قبل أن تنكبّ على الجدران لترسم رموزاً غريبة لا تشبه ما اعتادوا رؤيته.

وفي المدرسة، ازدادت الحيرة. لم يكن الأمر مجرد تفوق دراسي، بل شيء يتجاوز ذلك. فقد قيل إنها كانت تعرف الأسئلة قبل أن تُطرح، وتجيب عنها بدقة لافتة، وكأنها تقرأ من نموذج إجابة جاهز. أحد معلميها، ماركو بالاديني، وصف حالتها قائلاً إنه كان يشعر أحياناً أن الطفلة ترى ما لا يُرى، بل تحدث عن واقعة غريبة وجد فيها أوراق الامتحان مكتوبة بخطها قبل موعد الاختبار نفسه، في حادثة بدت مستحيلة التفسير ضمن السياق الطبيعي.

ومع تزايد القلق، جرت محاولة مراقبتها في ظروف محكمة، حيث تم وضعها (بحسب الرواية) داخل غرفة مغلقة وخالية من أي أدوات. لكن بعد فترة قصيرة، وجدوها واقفة في منتصف الغرفة، بينما امتلأت الجدران من حولها برسومات هرمية وعيون متوهجة، إلى جانب كتابات قيل إنها تشبه الهيروغليفية، وقد جرى تنفيذها باستخدام قطعة فحم لم تكن موجودة في الغرفة أساساً.

طقوس العلاج… وبداية الأسطورة

بلغت القصة ذروتها حين ارتبط اسم الطفلة بقدرة مزعومة على الشفاء. حيث كان القس فيديريكو سانتيني أحد أقاربها ويعاني من ورم خبيث في المعدة، وأن روسانا طلبت أن تكون معه بمفردها. داخل الغرفة، بدأت طقوس غريبة لا تشبه أي ممارسة طبية معروفة، إذ قامت بتشكيل هرم من صحيفة إيطالية ووضعته فوق رأسه، ثم أخذت تدور حول السرير بحركات متتابعة، وتلمس جسده بين الحين والآخر، بينما يصدر عنها صوت أشبه بالنشيج، ويغمرها عرق غزير، وعيناها متسعتان على نحو لافت.

استمرت هذه الحالة لدقائق بدت طويلة، قبل أن يعم الصمت فجأة. وعندما فتح القس عينيه، قيل إنه انفجر بالبكاء، مردداً أنه نال الشفاء  وأن “  الموت نُزع منه”. هذه الواقعة، سواء صحت أم لا، كانت كفيلة بإشعال الجدل حول الطفلة، وتحويلها في نظر البعض إلى ظاهرة خارقة، وفي نظر آخرين إلى مصدر خطر يجب إيقافه.

ومع تصاعد الضجة، بدأت الصحافة – وفق الرواية – في إطلاق أوصاف لافتة عليها، أبرزها “الفتاة الفرعونية”، في إشارة إلى ارتباطها المزعوم بالحضارة المصرية القديمة، وهو وصف يعكس بوضوح كيف تم تأطير حالتها ضمن تصور غامض يمزج بين القدرات الخارقة وأسرار الفراعنة.

الإبعاد عن البلاد

تذهب القصة أبعد من ذلك حين تزعم أن السلطات الإيطالية في عهد الزعيم الفاشي بنيتو موسوليني اعتبرت هذه الظواهر تهديداً أو انحرافاً بدعوى مماسة السحر الأسود ، مما أدى إلى ترحيل العائلة خارج البلاد. وبينما يصعب التحقق من صحة هذه التفاصيل، فإنها تشكل جزءاً أساسياً من البناء الدرامي للرواية التي ستقودنا لاحقاً إلى مصر، حيث تبدأ المرحلة الأكثر إثارة وغموضاً.

الليلة التي سبقت الغموض

استقرت العائلة في فندق شبرد  Shepheard's Hotel، ذلك الفندق العريق الذي كان في تلك الحقبة ملتقى للنخب والمسافرين الأوروبيين. في تلك الليلة، بدا أن شيئاً ما قد تغير في سلوك الطفلة، إذ تذكر الروايات أنها أبدت إصراراً غريباً على زيارة الأهرامات، وكأن هناك قوة خفية تدفعها نحو ذلك المكان تحديداً.

لم يكن طلبها عادياً، بل بدا أشبه بنداء داخلي لا يمكن تجاهله، وهو ما دفع العائلة إلى الاستجابة لرغبتها دون أن تدرك أن هذه الرحلة ستكون الأخيرة التي تُرى فيها ابنتهم.

في صباح اليوم التالي، توجهت العائلة إلى منطقة الجيزة، حيث وقف الهرم الأكبر شامخاً كما كان عبر آلاف السنين، شاهداً على حضارة غارقة في الأسرار. هناك، بدأت الطفلة في تسلق الهرم بخطوات واثقة، لم يبدُ عليها الخوف أو التردد، بل ظهرت وكأنها تعرف طريقها جيداً، رغم صعوبة الصعود.

ومع تقدمها، توقف مرافِقوها عند نقطة معينة، بينما واصلت هي الصعود وحدها. كانت تلك اللحظة الفاصلة، إذ يقال إنها استمرت في التسلق حتى ابتعدت عن الأنظار، ثم اختفت فجأة دون أن يُسمع لها صوت أو يُرى لها أثر. لم يكن هناك سقوط يمكن تتبعه، ولا صرخة تشير إلى خطر، بل مجرد غياب مفاجئ أربك كل من كان حاضراً.

الحلم الذي تكرر… والاختفاء المزدوج

لم تتوقف غرابة القصة عند هذا الحد، بل تضيف الرواية تفصيلاً آخر يزيدها تعقيداً. ففي الليلة نفسها، يُقال إن والدي الطفلة استيقظا من نومهما مذعورين بعد أن رأى كل منهما حلماً متطابقاً، ظهرت فيه ابنتهما وهي تسقط من الهرم قبل أن تختفي داخل ضوء غامض.

وعندما توجها إلى غرفتها في الفندق، فوجئا بأنها غير موجودة، وكأنها لم تعد إلى هناك أصلاً. هذا التداخل بين حادثة الاختفاء في موقع الأهرام وما يُفترض أنه حدث في الفندق خلق ما يمكن وصفه بـ “الاختفاء المزدوج”، وهو عنصر سردي بالغ القوة، لكنه في الوقت ذاته يثير قدراً كبيراً من الشك.

القصة التي انتشرت… بلا أصل واضح

مع مرور الزمن، بدأت هذه الحكاية في الظهور داخل بعض الكتب والمقالات، وكان من أبرز من أشار إليها الكاتب أنيس منصور، الذي ذكر حادثة فتاة غامضة جاءت إلى مصر ثم اختفت في ظروف غير مفهومة. كما تم تداول إشارات إلى مقالات إيطالية مزعومة تناولت القصة، إلا أن هذه الإشارات بقيت دون توثيق واضح أو مصادر يمكن الرجوع إليها.

وهنا يبدأ التحول من القصة إلى التحقيق، إذ يصبح السؤال المطروح ليس ما الذي حدث، بل هل حدث شيء أصلاً؟

التحقيق

غياب القصة من الأرشيفات

عند محاولة تتبع القصة في الأرشيفات التاريخية، سواء في الصحف الإيطالية الكبرى أو في الصحافة المصرية التي كانت نشطة في تلك الفترة، لا يظهر أي أثر لخبر اختفاء طفلة أجنبية في ظروف كهذه. هذا الغياب لا يقتصر على مصدر واحد، بل يمتد عبر مختلف السجلات المتاحة، وهو ما يضعف من احتمالية وقوع الحادثة كما رُويت.

إن حادثة بهذا الحجم، تتعلق بطفلة أوروبية في بلد أجنبي، كان من المفترض أن تثير اهتماماً إعلامياً واسعاً، لا سيما في ظل السياق السياسي والإداري لتلك المرحلة، إلا أن الصمت الكامل في الوثائق يثير تساؤلات جدية حول مصداقية الرواية.

موسوليني… عنصر درامي أكثر منه تاريخي

تُعد الإشارة إلى تدخل Benito Mussolini في القصة من أكثر عناصرها إثارة، لكنها في الوقت ذاته من أضعفها من حيث التوثيق. فالسجلات المعروفة عن تلك الحقبة لا تشير إلى حالات ترحيل لعائلات بسبب ممارسات غامضة أو مزاعم تتعلق بالسحر، كما أن غياب أي دليل رسمي يعزز فكرة أن هذا الجزء أُضيف لاحقاً لإضفاء طابع درامي على القصة.

اختفاء كهذا… كان سيهز القاهرة

عند النظر إلى طبيعة المجتمع في القاهرة خلال الثلاثينيات، وإلى وجود نفوذ أجنبي وإدارة منظمة، يصبح من الصعب تصور أن حادثة اختفاء لطفلة أجنبية تمر دون تحقيق رسمي أو تغطية إعلامية. كان من الطبيعي أن تتحول مثل هذه الواقعة إلى قضية رأي عام، لكن غياب أي إشارة إليها يوحي بأن القصة لم تكن معروفة في وقتها، بل ظهرت لاحقاً في سياق مختلف.

سرد غير منطقي لحادثة الاختفاء

عند التدقيق في تفاصيل الرواية، يظهر تناقض واضح يضعف من مصداقيتها، من المفروض أن الطفلة اختفت عند الهرم نهاراً، ثم يُقال إنه لم يتم العثور عليها في غرفتها بالفندق ليلاً، وكأنها كانت في مكانين مختلفين في التسلسل ذاته. هذا التداخل الزمني لا يمكن تفسيره واقعياً، ويشير على الأرجح إلى أن القصة خضعت لإعادة صياغة أو تضخيم لاحق أضاف إليها عناصر درامية على حساب المنطق.

حين تتحول القصة المنشورة إلى "حقيقة زائفة"

رغم أن قصة روسانا كارملليني لم تأت من فراغ، بل وردت في مصادر تبدو للوهلة الأولى موثوقة، فإن التحقق الدقيق يكشف مفارقة مهمة. فقد جرى نشر تفاصيل القصة في جريدة أخبار اليوم بتاريخ 30 سبتمبر 1973، كما أشار إليها الكاتب أنيس منصور في كتابه أرواح وأشباح، بل وتُنسب أيضاً إلى مقال إيطالي مزعوم بعنوان “الطفلة الفرعونية” في La Gazzetta di Milano عام 1938.

لكن وجود القصة في هذه المصادر لا يعني بالضرورة أنها حادثة واقعية. فالمشكلة الأساسية تكمن في أن هذه الروايات ظهرت متأخرة زمنياً أو دون سند أرشيفي يمكن التحقق منه، ما يرجح أنها ليست توثيقاً لحدث حقيقي، بل إعادة سرد لقصة أقدم، أو حتى صياغة لاحقة لأسطورة تم تناقلها شفهيًا ثم تدوينها.

في الواقع، تاريخ الصحافة والكتب -  خصوصاً تلك التي تتناول الغرائب والظواهر الخارقة -  مليء بأمثلة لقصص جرى نشرها على أنها حوادث حقيقية، ثم تبين لاحقاً أنها مبالغات أو حكايات لا أصل لها. فالنشر بحد ذاته لا يُعد دليلاً على الصحة، بل قد يكون مجرد وسيلة لنقل قصة جذابة أو مثيرة، بغض النظر عن دقتها.

وهنا تحديداً تكمن خطورة مثل هذه الروايات، إذ تتحول مع الزمن، ومع تكرار نشرها في مصادر مختلفة، إلى ما يشبه "الحقيقة المقبولة"، رغم أنها لم تستند منذ البداية إلى دليل موثق. وهكذا، فإن قصة روسانا لا تبدو كحادثة تاريخية جرى توثيقها، بل كـ أسطورة حضرية اكتسبت مصداقيتها من كثرة تداولها، لا من صحة وقوعها.

لماذا نصدق مثل هذه القصص ؟

تكمن قوة هذه القصة في بنيتها السردية التي تستند إلى عناصر مألوفة في الأدب الغامض، حيث تظهر شخصية الطفل ذو القدرات غير المفهومة، وهو نمط تكرر في العديد من الحكايات التي تمزج بين الغموض والخوارق. كما تلعب الخلفية المصرية دوراً محورياً، إذ لطالما ارتبطت الأهرامات في المخيلة الغربية بأسرار قديمة وقوى خفية، وهو ما يجعل أي قصة تدور في هذا السياق أكثر قابلية للتصديق.

ولا يمكن تجاهل دور النهاية المفتوحة، حيث يظل الاختفاء بلا تفسير، مما يترك مساحة واسعة للتأويل والتخمين، وهي سمة أساسية في القصص التي تستمر في التداول عبر الزمن. ومع إعادة سرد القصة في فترات لاحقة، خصوصاً مع انتشار الإنترنت، أصبحت جزءاً من ما يُعرف بالأساطير الحضرية التي تكتسب مصداقية مع كثرة تكرارها، لا مع توفر الأدلة عليها.

بين الأسطورة والواقع

عند جمع خيوط القصة ومقارنتها بالواقع التاريخي، يتضح أن رواية اختفاء روسانا كارملليني تفتقر إلى الأساس الوثائقي الذي يدعم حدوثها. كل ما نملكه هو سرد متأخر، متخم بالتفاصيل الدرامية، لكنه يفتقد إلى الشواهد المعاصرة.

ورغم ذلك، تبقى هذه القصة مثالاً واضحاً على كيفية تشكل الأساطير الحديثة، حيث يمتزج الخيال بعناصر واقعية، فتولد حكاية تبدو ممكنة، بل ومقنعة أحياناً، رغم أنها قد لا تكون حدثت فعلاً.

ومع أن التحقيق يقودنا إلى التشكيك، فإن سحر القصة لا يزول بسهولة، فبعض الحكايات لا تعيش لأنها حقيقية، بل لأنها تلامس ذلك الجزء فينا الذي يريد أن يصدق أن هناك شيئاً… لا يمكن تفسيره.