ماذا لو امتلكت وسيلة تجعل أي شخص تحبه يقع في غرامك، دون أن تترك له حرية الاختيار ؟  قد تبدو الفكرة مغرية لمن يعاني حباً من طرف واحد، لكنها تخفي سؤالاً مرعباً: هل يمكن أن يبقى الحب حباً إذا فُرض بالقوة، حتى لو كانت تلك القوة خارقة للطبيعة ؟ ينطلق فيلم الرعب الأمريكي Obsession أي "الهوس"  من هذا السؤال، ليقدم حكاية تمزج الرعب النفسي بالسحر والأمنيات الملعونة، مستعيداً أفكاراً نجد جذورها في الأدب المرعب والمعتقدات الشعبية القديمة.

قصة الفيلم: أمنية واحدة تغير كل شيء

تدور الأحداث حول شاب خجول يُدعى "بير" Bear، يعمل في متجر للموسيقى ويخفي مشاعر حب عميقة تجاه صديقته "نيكي" Nikki ورغم علاقتهما القريبة، يعجز عن مصارحتها بحقيقة مشاعره، خوفاً من الرفض أو خسارة صداقتها.

ذات يوم، يعثر في متجر للمنتجات الروحانية على غرض غريب يُباع باسم One Wish Willow  أي "غصن الصفصاف ذي الأمنية الواحدة"، وتقوم فكرته على تحقيق أمنية واحدة لمن يكسر الغصن وهو يتمنى شيئاً.

يتعامل بير مع الأمر في البداية بوصفه لعبة مسلية، لكنه يقرر تجربتها عندما يفشل مجدداً في الاعتراف بحبه، فيتمنى أن تحبه نيكي أكثر من أي شخص آخر في العالم.

وسرعان ما يحدث المستحيل، تتحول نيكي فجأة إلى امرأة شديدة التعلق به، تغمره بالاهتمام والرغبة في البقاء إلى جانبه. غير أن سعادته الأولى لا تدوم، إذ يتصاعد تعلقها إلى مستوى مخيف من الغيرة والتملك، وتبدأ تصرفاتها في تجاوز حدود السلوك الطبيعي.

شيئاً فشيئاً، يدرك بير أنه لم يحصل على الحب الذي تخيله، بل على نسخة مشوهة منه، وأن أمنيته سلبت نيكي إرادتها وحولتها إلى مصدر خطر، والأسوأ أن التراجع عن الأمنية ليس بالأمر السهل.

من هنا يتحول الفيلم من قصة حب غير متبادل إلى كابوس عن السيطرة والهوس والعواقب التي قد تترتب على التدخل في إرادة إنسان آخر.

مخلب القرد: الأصل الأدبي لفكرة الأمنية الملعونة

رغم أن الفيلم يقدم غصن الصفصاف بوصفه أداة غامضة جديدة، فإن فكرته الأساسية تعود إلى تقليد معروف في أدب الرعب، ومن أبرز أمثلته القصة القصيرة  The Monkey's Paw أي مخلب القرد التي نشرها الكاتب البريطاني دبليو دبليو جاكوبس عام 1902.

تروي القصة حكاية عائلة تحصل على مخلب قرد محنط يُقال إنه يمتلك القدرة على تحقيق ثلاث أمنيات، لكن الأمنيات تتحقق بطرق مأساوية، وكأن قوة خفية تتعمد تحويل رغبات أصحابها إلى عقوبات، يتمنى الأب الحصول على مئتي جنيه إسترليني، ثم تتلقى العائلة المبلغ نفسه تعويضاً عن وفاة ابنها في حادث عمل، وعندما تتمنى الأم عودته إلى الحياة، تصبح الأمنية الثانية أكثر رعباً من الأولى.

تكمن الفكرة في أن القوى التي تحقق الأمنيات لا تلتزم بالضرورة بنوايا الإنسان، بل قد تستجيب لكلماته بطريقة لا يتوقعها، وهذا بالضبط ما يحدث في فيلم Obsession؛ فـ "بير" لا يتمنى أن تحبه نيكي حباً متوازناً، بل أن تحبه أكثر من أي شخص آخر، تتحقق كلماته بحرفيتها، حتى وإن كان الثمن تحطيم شخصيتها وتحويل مشاعرها إلى هوس قاتل.

والصلة ليست مجرد تشابه نقدي، فقد كشف المخرج كاري باركر أن مشاهدة حلقة من مسلسل الرسوم المتحركة "عائلة سيمبسون"  The Simpsons بعنوان Treehouse of Horror II الصادرة عام 1991 والمستوحاة من "مخلب القرد" ساعدته على تطوير فكرته وتحويلها إلى فيلم عن أمنية تنقلب على صاحبها.

الصفصاف في الفلكلور: شجرة تسكنها الأرواح

يمنح اختيار غصن الصفصاف للفيلم صلة مثيرة بموروث شعبي أقدم، وإن لم يثبت أن المخرج اعتمد عليه مباشرة، ففي بعض مناطق بولندا، ارتبطت أشجار الصفصاف القديمة، ولا سيما المجوفة والمتعفنة منها، بالأرواح الشريرة والكائنات الشيطانية التي يُعتقد أنها تختبئ داخل جذوعها، ومن أشهر شخصيات هذا الفلكلور كائن يُعرف باسم روكيتا Rokita وهو شيطان أو روح خبيثة يرتبط بالمستنقعات وأشجار الصفصاف، وفي بعض الروايات الشعبية، يظهر بوصفه كائناً يمكن للإنسان أن يساومه للحصول على منفعة مقابل ثمن روحي باهظ، وقد وثقت دراسات إثنوغرافية بولندية المعتقد الشعبي القائل إن الأرواح الشريرة تسكن أشجار الصفصاف، وهو اعتقاد ظل حاضراً في الأمثال والتقاليد المحلية ،ولا يقتصر ارتباط الصفصاف بعالم الأرواح على أوروبا، ففي التراث الياباني، ظهرت هذه الشجرة مراراً في حكايات الأشباح، وارتبطت أحياناً بالحد الفاصل بين عالم الأحياء وعالم الموتى.

وهكذا يبدو غصن الصفصاف في الفيلم ملائماً على المستوى الرمزي، فهو يستدعي، ولو دون قصد موثق من صُنّاع الفيلم، تاريخاً من التصورات التي جعلت الأشجار موطناً لقوى غير مرئية، لكن من المهم التمييز بين هذا التراث وبين أداة الفيلم نفسها؛ فلا توجد أدلة موثوقة على وجود طقس تاريخي مطابق لغصن One Wish Willow قادر على تحقيق أمنية بمجرد كسره.

سحر المحبة: محاولة إخضاع الإرادة عبر التاريخ

إذا كانت "الأمنية الملعونة" تمثل أحد جذور الفيلم الأدبية، فإن فكرته الأكثر إثارة للقلق تجد نظيراً في ما عُرف تاريخياً باسم سحر المحبة أو تعويذات جلب الحبيب، وقد عُرفت هذه الممارسات في ثقافات متعددة، وكان الهدف المزعوم لبعضها إثارة مشاعر شخص تجاه آخر، ليس من خلال التقارب الطبيعي، بل عن طريق قوة سحرية يُعتقد أنها تستطيع التأثير في إرادته.

ومن أبرز الأدلة التاريخية على وجود هذه المعتقدات مجموعة البرديات السحرية اليونانية المصرية Greek Magical Papyri التي تضم نصوصاً تتضمن تعاويذ لجلب المحبوب وربطه عاطفياً بمن يمارس السحر، وتحتفظ المكتبة البريطانية بنماذج من هذه النصوص، ومنها بردية تعود على الأرجح إلى مصر في القرن الرابع الميلادي، وتتضمن تعاويذ كان يُعتقد أنها تستحضر الحب أو تُجبر الشخص المستهدف على التوجه إلى صاحب التعويذة، بل إن بعضها يتصور معاناة المحبوب إلى أن يستجيب للرغبة المفروضة عليه.

وهنا تتضح صلة عميقة بالفيلم: فالمشكلة ليست في أن بير أراد أن يكون محبوباً، بل في أنه حاول فرض الحب على إنسانة أخرى، متجاوزاً إرادتها ومشاعرها الحقيقية، وتمثل هذه البرديات وثائق تاريخية حقيقية على انتشار الاعتقاد بسحر المحبة، لكنها لا تقدم دليلاً علمياً على قدرة تلك الطقوس على التحكم في مشاعر البشر.

بين الحب والتملك

قد يبدو غصن الصفصاف العنصر المرعب في Obsession، لكن الفيلم يطرح احتمالاً أكثر إزعاجاً: أن مصدر الشر الحقيقي ليس الأداة السحرية، بل الرغبة التي دفعت صاحبها إلى استخدامها.

فـ "بير" لا يستشير نيكي ولا يحاول تقبل احتمال رفضها، بل يسعى إلى تغيير مشاعرها دون علمها، وحين تتحقق أمنيته، يجد نفسه أمام امرأة تبدو عاشقة له، لكنها فقدت حرية الاختيار التي تجعل الحب فعلاً إنسانياً متبادلاً ، وتتجلى المفارقة في أن نيكي، رغم سلوكها المخيف، ليست مجرد شريرة في القصة، بل ضحية أيضاً؛ إذ تعرضت إرادتها للتشويه بفعل رغبة شخص آخر.

بهذا المعنى، لا يقدم الفيلم حكاية تقليدية عن مسّ شيطاني أو تعويذة حب فاشلة فحسب، بل يعيد طرح سؤال قديم صاحب الأساطير والأمنيات السحرية عبر القرون:

إذا امتلك الإنسان القدرة على تحقيق كل ما يريد، فهل ستكون رغباته نفسها هي مصدر هلاكه ؟

ربما تكون رسالة الفيلم الأكثر إزعاجاً أن الأمنيات لا تحتاج دائماً إلى شيطان كي تصبح خطيرة، فقد يكفي أن تنبع من رغبة أنانية لا تعترف بحرية الآخرين.