في الليلة التي خرج فيها سليم من جسده، عاد شخص آخر إلى البيت في الصباح.

لم يكن سليم يبحث عن المتعة ولا عن جولة في العوالم الخفية،  كان يريد أن يجد أخاه مازن، ولو لدقيقة واحدة، لأن الموت ترك بينهما جملة لم تكتمل وسراً ظل ينمو في صدره حتى أصبح أثقل من صاحبه.

قبل ثلاث سنوات، سقطت سيارتهما من طريق جبلي، خرج سليم بكسور وندبة طويلة في كتفه، أما مازن فعُثر عليه ميتاً خلف المقود. قالت الشرطة إن السرعة كانت السبب، واحتضنت الأم ابنها الناجي وهي تردد:

-  الحمد لله أنك لم تكن تقود.

لم يصحح سليم خطأها.

كان هو السائق تلك الليلة.

بعد الحادث، وبينما كانت السيارة مقلوبة والدم يغطي وجهه، زحف من مقعده مذعوراً وحاول إيقاظ أخيه، وحين وصلت فرق الإنقاذ، كان جسد مازن قد انزلق نحو جهة السائق، فبدا المشهد واضحاً للجميع، لم يختلق سليم رواية، لكنه ترك الرواية الخاطئة تعيش مكان الحقيقة.

ومنذ ذلك اليوم، صار يسمع صوت أخيه كلما اقترب من النوم :

" لماذا تركتني أُدفن بذنبك ؟ "

بدأ الأمر بكتب عن تجارب الخروج من الجسد، ثم تسجيلات غامضة ومنتديات يتحدث أصحابها بثقة عن الحبل الفضي والأجساد الخفية وطبقات العالم غير المرئي،  حذف سليم من ذاكرته كل التحذيرات، واحتفظ بوعد واحد: يستطيع الخارج من جسده أن يصل إلى الموتى إذا عرف الطريق.

حاول أشهراً طويلة، كان يشعر أحياناً بأنه يهبط داخل السرير، أو بأن الغرفة تتسع حتى تغدو جدرانها بعيدة، لكنه ما إن يلمح السقف من زاوية غريبة حتى يرتعب ويعود إلى جسده بعنف.

وفي الذكرى الثالثة للحادث نجح.

استيقظ، أو ظن أنه استيقظ، فوجد نفسه واقفاً قرب السرير، رأى جسده ممدداً أمامه، ووجهه ساكناً على نحو لم يره إلا في وجوه الموتى. امتد من منتصف صدره خيط مضيء، رفيع كخيط العنكبوت، يصل بينه وبين الجسد.

لم يشعر سليم بالخوف، كان مأخوذاً بخفة لم يعرفها من قبل؛ لا ألم في كتفه، ولا ثقل في ضميره، ولا حاجة إلى التنفس.

اقترب من الباب فمر عبره.

كان البيت هو نفسه، لكنه بدا منزوع الحياة، الأثاث رمادي والظلال أكثر كثافة من الأشياء التي تصنعها وفي آخر الممر لمح هيئة طويلة واقفة عند مدخل غرفة نومه.

كانت سوداء، لا لأن الضوء لم يصل إليها، بل لأنها بدت محترقة، جلدها متشقق وداخل الشقوق جمر خافت، لم يكن لها وجه واضح، باستثناء عينين تشبهان ثقبين في خشب متفحم.

قال سليم :

- من أنت ؟

لم يحرك الكيان فمه، لكنه سمع الإجابة داخل رأسه بصوته هو:

-  أنا الذي بقي حين خرجت.

اندفع الكيان نحو الغرفة ، حاول سليم اللحاق بها إلا أن شيئاً أمسك ذراعه، كانت أصابع سوداء أخرى قد خرجت من الجدار، تكاثرت الأيدي حوله، تشده إلى عمق الممر، بينما انحنت الهيئة المحترقة فوق جسده.

صرخ سليم وعاد يجر الحبل الفضي بكل قوته.

لكن جسده فتح عينيه قبله.

جلس على السرير، أدار رأسه ببطء، ونظر مباشرة إلى سليم المعلق قرب السقف،  ثم ابتسم.

كانت ابتسامته، لكنها خالية من كل ما يجعلها بشرية.

دخل الكيان فيه كما يدخل الدخان في ثوب معلق، ارتجف الجسد مرة واحدة، ثم وقف واتجه إلى المرآة، تأمل وجه سليم، لمس الندبة على كتفه، وجرب صوته:

-  أنا الذي بقي حين خرجت.

حاول سليم أن يعود، فاصطدم بجسده كما يصطدم طائر بزجاج نافذة، لم يعد الجسد فارغاً.

كان الباب قد أُغلق من الداخل.

***

في الصباح، استيقظت مريم على رائحة القهوة.

وجدت زوجها في المطبخ يحضر الفطور، كان يحلق ذقنه كل يوم، لكنه تركها في ذلك الصباح، وارتدى قميصاً أسود لم يلبسه منذ جنازة مازن.

قالت مبتسمة:

-  لم تنم ؟

أجابها:

-  سليم نام جيداً.

توقفت عن سكب الحليب، ثم ضحكت ظناً منها أنه يمزح.

كان سليم الحقيقي يقف بجوارها ويصرخ:

— مريم، هذا ليس أنا !

لكنه لم يصنع صوتاً، مرّت يده عبر كتفها كما يمر الضوء خلال الماء، وعندما ابتعد الجسد عن المطبخ، انشدّ الحبل الفضي في صدره، فجره وراءه، أدرك أنه صار أسيراً لمن سرق حياته؛ لا يستطيع الابتعاد عنه أكثر من بضعة أمتار، ولا يستطيع العودة إليه.

في الأيام الأولى بدا البديل أفضل من سليم.

ذهب إلى عمله مبكراً، تحدث بثقة، اشترى لمريم الزهور، واتصل بأمه بعد شهور من الجفاء، حتى ابنته يارا قالت إن أباها أصبح أكثر مرحاً.

لكن سليم لاحظ أن الضحكات تأتي متأخرة نصف ثانية، كأن الذي في جسده يختارها من قائمة محفوظة، ولم يكن يأكل إلا اللحم شديد الاحتراق، أما في الليل فكان يقف أمام المرآة طويلاً، يحدق في انعكاسه.

ذات ليلة سأله سليم :

-  ماذا تريد ؟

أجاب البديل وهو لا يزال ينظر في المرآة:

-  كل ما لم تجرؤ أنت على أخذه.

ظهرت خلف الجسد في المرآة هيئة سوداء، لكنها لم تعد غريبة، عرف سليم انحناءة كتفيها وطريقة ميلان الرأس حين تسخر، لقد رآها طوال حياته في اللحظة التي تسبق كل فكرة قاسية، وفي الرغبة الخاطفة في إيذاء من يحب ثم التراجع عنها.

قال:

-  أنت قريني.

ابتسم الجسد.

-  كنتَ تدعوني "ضميرك الأسود"، و"غضبك المكبوت"، و"أفكاراً لا تعنيها"، كثرة الأسماء لا تغير صاحبها.

-  اخرج من جسدي.

-  أنت الذي خرج.

***

لم يحتج القرين إلى اختراع أكاذيب كي يدمر حياة سليم، كان يعرف أن الحقيقة، إذا قيلت بلا رحمة، أشد فتكاً من الكذب.

قال لمديره أنه يحتقره منذ سنوات، فضُرب اسمه من قائمة الترقية، أخبر صديقه الوحيد أنه زاره في مرضه فقط ليمنح نفسه شعوراً بالتفوق، ثم عاد إلى البيت وأخبر مريم عن كل امرأة تخيلها وكل مرة تمنى فيها لو لم يتزوج، وكل كلمة اعتذار قالها من دون أن يعنيها.

لم يكن يكذب مرة واحدة؛ كان ينتقي من الحقيقة أكثر أجزائها سُمّية ، ومع كل علاقة يحطمها كان الحبل الفضي يبهت أكثر.

فهم سليم أن الحبل لا يربطه بالجسد وحده، بل بالعالم أيضاً: بالأشخاص الذين ما زالوا ينادونه بحب، وبالأماكن التي تحتفظ بأثره، وبالذكريات التي تؤكد أنه عاش هنا يوماً، كان القرين يقطع تلك الروابط واحدة تلو الأخرى، حتى يصبح الجسد الشيء الوحيد الباقي له. وعندها يكفي أن يقطع الجسد نفسه لينتهي كل شيء.

زارتهم الأم يوم الجمعة تحمل طعاماً كان سليم يحبه، جلست قربه ومسحت شعره كما كانت تفعل وهو طفل، بينما وقف سليم الحقيقي عند قدميها عاجزاً عن لمس يدها.

قالت:

-  رأيت مازن في المنام، كان يقف على الطريق نفسه لكنه لم يكن غاضباً.

ساد صمت طويل.

ثم قال القرين :

-  لم يكن مازن يقود السيارة.

سقطت الملعقة من يد الأم.

اقترب سليم صارخاً:

-  لا، ليس هكذا ! دعني أنا أخبرها !

لكن القرين تابع بهدوء:

-  أنا كنت أقود، وتركتكم تلعنونه في سركم لأنه أسرع، تركتك تتساءلين لماذا لم ينتبه إلى المنعطف، وقفت عند قبره وطلبت منه أن يسامحني، ثم عدت إلى البيت واستمررت في الكذب.

صفعته أمه.

لم يرمش.

قالت بصوت مكسور :

-  كان يجب أن تموت أنت.

في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمها، انطفأ جزء من الحبل الفضي، وسقط سليم على ركبتيه.

أما القرين فابتسم.

لقد سمع تلك الجملة في عقلها آلاف المرات، لكنه كان ينتظر أن تمنحها صوتاً.

***

غادرت مريم المنزل مع يارا في اليوم التالي، أخذت الأم صورة مازن ورفضت الرد على الاتصالات، خسر سليم عمله، وأصبح جسده وحيداً كما أراده القرين.

لم يبقَ في الحبل إلا خيط من الضوء يرتجف عند الصدر.في منتصف الليل، قاد القرين السيارة نحو الطريق الجبلي القديم، كان المطر يهطل كما هطل ليلة الحادث، جلس سليم في المقعد المجاور، مجروراً بحبله، بينما راحت قطرات الماء تمر عبر وجهه بلا إحساس.

قال:

-  إذا قتلت الجسد ستموت أنت أيضاً.

أجابه القرين :

-  أنا لم أولد فيه كي أموت معه، كنت قبلك وسأبقى بعدك، الجسد بالنسبة إليّ غرفة مستعارة، أما أنت فإذا انقطع حبلك فلن تجد باباً آخر.

وصل إلى المنعطف الذي مات عنده مازن، وأوقف السيارة قرب الحاجز المحطم، خرج ثم سار نحو حافة الوادي.

وقف عند النقطة التي انحرفت منها السيارة إلى الوادي.

كانت لا تزال هناك، في الأسفل؛ هيكلاً صدئاً استقر بين الصخور، نبتت الأعشاب خلال نوافذه المحطمة، تعرف سليم إلى السقف المنبعج وإلى الباب الذي زحف منه، ثم وقعت عيناه على الجهة التي بقي فيها مازن.

انكمش من الألم، كأن السنوات الثلاث لم تمر.

أمال القرين رأسه إلى الأمام

-  تركته هناك، وعدت إلى البيت.

-  ابتعد عن الحافة.

حرك القرين قدم الجسد حتى تدحرجت حجارة صغيرة تحت حذائه، تبعها سليم بعينيه وهي ترتطم بالصخر، مرة بعد أخرى، قبل أن تختفي قرب السيارة.

- هذه المرة لن يعود أحد.

نظر سليم إلى الحبل الممتد من صدره إلى صدر الجسد، إذا تهشم جسده في الأسفل، انقطع ما يبقيه في عالم الأحياء، لن يكون خروجاً يستطيع الرجوع منه؛ سيجد نفسه في البرزخ، وقد ترك حياته لهذا الكيان لينهيها.

مال الجسد نحو الفراغ.

اندفع سليم إليه ،محاولاً دفعه إلى الخلف، لكن ذراعيه اخترقتا كتفيه، استدار أمام وجهه وصرخ، فرأى فمه هو يبتسم له.

أمسك الحبل الفضي ولفّه حول كفيه وشدّ بكل ما فيه من قوة، اشتعل الألم في صدره، غير أنه لم يفلته، ارتعش كتف الجسد، وتراجعت قدمه نصف خطوة عن الحافة.

اختفت الابتسامة.

حاول القرين التقدم ثانية، شدّ سليم، فانثنت ركبة الجسد وسقطت على التراب، صار كل منهما ينازع الآخر حركة واحدة؛ القرين يدفعه نحو الوادي، وسليم يجذبه إلى الطريق.

التفت الجسد نحوه بعينين حاقدتين.

- ما دمت مربوطاً به، لن تدعني وشأني.

تراجع عن الحافة خطوات، وأسند الجسد إلى صخرة، ظن سليم أنه عدل عن السقوط، حتى رأى الرأس يتدلى، ودخاناً أسود ينسل من الفم والأنف.

تكاثف القرين أمامه بهيئته المحترقة.

-  سأقطعك عنه أولاً.

وثب على سليم، فألقاه إلى الخلف وأطبق على الحبل بكلتا يديه، التوت خيوط الفضة بين أصابعه وسرى في سليم ألم جعله يعجز حتى عن الصراخ.

تشبث بمعصمي الكيان، تصارعا فوق الأرض، تتداخل أطرافهما وتنفصل، بينما ظل الحبل مشدوداً وبين الجسد الساكن.

ثم لمح سليم وجهه المستند إلى الصخرة.

عيناه مغمضتان، صدره يرتفع ببطء.

لقد خرج القرين.

أرخى سليم قبضته فجأة، فاندفع خصمه إلى الخلف بقوة الشدّ،  استغل اللحظة وألقى بنفسه على امتداد الحبل نحو الجسد.

أمسك القرين به قبل أن يبلغه، شعر بأصابعه تغوص في كتفه وتجره بعيداً عن وجهه الذي لم يعد يفصله عنه سوى ذراع.

مد سليم يديه إلى صدره المادي، تشبث بموضع اتصال الحبل وجذب نفسه إليه فيما كانت القبضة خلفه تتمزق إلى دخان.

دخل مع شهقة مؤلمة.

فتح عينيه على المطر، وضربت أنفاسه حلقه كأنها أول هواء يتنفسه، عاد القرين من خلفه، لكن الجسد لم يعد شاغراً؛ تقلص حضوره تحت ضغط وعي صاحبه حتى استقر في عتمته القديمة، عاجزاً عن انتزاع الحركة منه.

رفع سليم يده ببطء، وقربها من وجهه،  فتح أصابعه ثم أغلقها.

سمع في داخله:

-  لن أتركك.

استند إلى الصخرة ونهض، مبعداً قدميه عن المنحدر.

- لكنك ستأتي حيث أذهب أنا.

تداخلت أصواتهما داخل الرأس الواحد، أراه القرين كل ما أخفاه عن نفسه: غيرته من مازن، وراحته السرية لأنه صار الابن الوحيد، وغضبه من أمه، وملله من مريم، وخوفه من ابنته لأنها تحبه أكثر مما يستحق.

قال القرين :

-  أنا حقيقتك.

أجابه سليم:

-  أنت جزء منها.

-  أنا كل ما تفكر فيه حين لا يراك أحد.

-  والفكرة ليست فعلاً ، والرغبة ليست قدراً، والصوت الذي يسكنني ليس صاحبي.

لم يطرده سليم إلى الخارج، بل أعاده إلى الموضع الذي خرج منه: إلى الزاوية المظلمة من نفسه، حيث يمكن سماعه من دون طاعته.

***

لم يستعد سليم حياته كما كانت؛ فبعض الأشياء إذا انكسرت لا تعود إلى شكلها الأول، خضع للتحقيق في الحادث، وخسر عمله، واحتاجت أمه سنوات كي تنظر في وجهه من دون أن ترى مازن ميتاً خلف المقود.

بقيت مريم، لا لأنها نسيت، بل لأنها أرادت أن تعرف الرجل الذي عاد بعدما سقطت عنه أكاذيبه، وكبرت يارا وهي تعرف أن أباها ارتكب خطأ فادحاً، ثم اختار أخيراً أن يعيش داخل عواقبه.

أما القرين فلم يرحل.

كان سليم يسمعه عندما يغضب، أو يخاف، أو يقف أمام المرآة في غرفة مظلمة، أحياناً يرى التشققات السوداء تظهر لحظة تحت جلده، ويسمع الصوت القديم يقول:

"دعني أتولى الأمر... أنا أعرف كيف أحميك منهم."

فيجيبه:

-  أعرفك.

وكان الاسم، أو الاعتراف به، يعيده إلى مكانه.

مرت الأعوام،  شاب شعر سليم، وماتت أمه، وغادرت يارا البيت، وظلت مريم إلى جواره حتى غلبها المرض، وعندما بلغ الثمانين، استلقى في سريره محاطاً بصور الأشخاص الذين آذاهم وأحبهم، والذين أحبوه رغم معرفتهم بما فعله.

رأى الحبل الفضي للمرة الأخيرة.

لم يعد مشدوداً نحو جسده، بل امتد إلى مكان بعيد مضيء، وقف مازن عند نهايته ينتظر، كما رآه قرب الوادي قبل عقود.

وفي زاوية الغرفة جلس القرين.

لم يكن قد شاخ يوماً واحداً.

قال سليم:

- ظننت أنك سترحل معي.

أجابه بصوته الشاب:

-  أنا من الجن،  أعماركم تمر بي كما تمر الفصول بالشجر، كنت وسواسك قبل أن تعرف اسمي، وسأبقى بعد أن يُنسى اسمك.

-  لمن ستذهب ؟

نظر القرين إلى يارا، التي كانت تبكي قرب السرير، ثم إلى حفيد سليم الصغير النائم في حضنها.

ابتسم.

-  الإنسان لا يورث أبناءه لون عينيه فقط.

انقطع الحبل.

شعر سليم، للمرة الأولى، أنه خرج من جسده من دون خوف، لأن هذه المرة لم يكن هناك جسد ينبغي أن يعود إليه.

مضى نحو أخيه.

أما القرين فبقي في الغرفة، ينتظر أن يستيقظ الطفل.

تمت