لم تكن سلمى تخاف المقابر ، كانت تقول إن الموتى أقل إيذاءً من الأحياء، وإن القبور، مهما بدت موحشة في الليل، لا تخرج منها يد لتؤذي عابراً، لذلك لم تتردد في تلك الليلة، في سلوك الطريق المختصر المحاذي لمقبرة البلدة القديمة.
كانت عائدة من منزل خالتها في الطرف الآخر من البلدة، تأخر الوقت، وأغلقت المتاجر أبوابها، ولم يبقَ في الأزقة إلا ضوء أصفر يتدلى من بعض الشرفات، ونباح كلاب بعيدة لا يُعرف إن كانت تتشاجر أم تحذر من شيء لا يراه الناس.
كان الطريق الأطول يلتف حول التلة ويستغرق نصف ساعة، أما ممر المقبرة فلا يحتاج إلى أكثر من عشر دقائق، ولم تكن سلمى، بطبعها، ممن يسمحون لحكايات الجدات بتغيير طريقهم.
عندما بلغت السور الحجري، شعرت بحرارة الليل تلتصق بعنقها، نزعت مشبك شعرها، فانحدر شعرها الأسود على كتفيها، ثم أخرجت من حقيبتها زجاجة صغيرة كانت لا تفارقها.
كان العطر قديماً، في قارورة زرقاء وجدتها بين أغراض جدتها بعد وفاتها، لم تعرف اسمه، لكن رائحته كانت مزيجاً من المسك والياسمين وخشب رطب يشبه رائحة البيوت المهجورة بعد المطر.
قالت لها أمها مرة:
— لا تضعي هذا العطر، رائحته ثقيلة.
لكن سلمى أحبته تحديداً لهذا السبب، كانت تشعر أنه يترك أثراً في المكان بعد رحيلها، كأن جزءاً منها يرفض أن يغادر ، رشّت منه على عنقها، ثم تابعت سيرها.
لم يحدث شيء غير مألوف، لم ترَ شبحاً بين القبور ولم تسمع من يناديها باسمها، ومع ذلك، قبل أن تبلغ نهاية السور، أحست فجأة بأن وقع خطواتها لم يعد وحيداً ، كلما وطئت قدمها التراب، أعقبها صوت أخف، كأن شخصاً يسير خلفها ويحاول تقليد إيقاعها.
توقفت.
توقف الصوت.
التفتت، فلم تجد إلا الطريق الخالي وصفوف شواهد القبور خلف السياج، تحركت أغصان السرو ببطء، رغم أن الهواء كان ساكناً، وخرجت من بين القبور رائحة تراب بارد امتزجت بعطرها.
ابتسمت لنفسها في حرج، وأسرعت نحو البيت.
لم تلاحظ الظل الذي انفصل عن السور ومشى خلفها.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظت أمها على صوت المكنسة في الفناء.
كانت سلمى تنظف البلاط قبل طلوع الشمس، بثوب النوم وشعرها منسدل على وجهها، تحركت ببطء وانتظام كأنها تؤدي عملاً حفظه جسدها بينما بقي عقلها غائباً في مكان آخر.
قالت الأم:
— سلمى ؟ منذ متى تستيقظين في هذا الوقت ؟
لم تجب.
اقتربت منها ولمست كتفها، فتوقفت المكنسة فجأة، رفعت سلمى رأسها وكانت عيناها نصف مغمضتين.
— اتركيه ينام، قالت بصوت خافت.
تراجعت الأم.
— من الذي ينام ؟
حدقت سلمى فيها لحظة ، ثم رمشت كمن أفاق من حلم.
— ماذا ؟
لم تتذكر أنها استيقظت أو نظفت الفناء.
في الأيام التالية، ازدادت ساعات نومها، لكنها لم تكن تستيقظ مرتاحة، كانت تجلس إلى المائدة ورأسها يكاد يسقط فوق الطبق، أو تقف أمام النافذة طويلاً تحدق في الجهة التي تقع فيها المقبرة.
أحياناً، كانت تتمتم بكلمات لا يفهمها أحد، وأحياناً أخرى كانت تجيب عن سؤال لم يُطرح.
ذات مساء، دخل أخوها عبيد غرفتها من دون أن يطرق الباب، فوجدها جالسة أمام المرآة تمشط شعرها في الظلام.
قال مازحاً:
— هل انقطعت الكهرباء عن غرفتك وحدها ؟
التفتت إليه ببطء.
لم يكن وجهها غاضباً، لكن نظرتها جعلته يتوقف عن الابتسام.
قالت:
— لا يحب أن تدخل هكذا.
— من ؟
وضعت المشط على الطاولة.
— صاحب الرائحة.
ظن عبيد أنها تسخر منه، تناول زجاجة العطر الزرقاء من أمامها وقال:
— هذه ؟ سأرميها، ورائحتها الكئيبة أيضاً.
انقضّت عليه قبل أن يكمل جملته.
لم يرَ أحد كيف وصلت يدها إلى السكين الموضوعة بجوار طبق الفاكهة، كل ما تذكره عبيد أنها دفعته نحو الجدار بقوة لم يتوقعها، وأن النصل توقف على بعد أصابع من عنقه عندما أمسك الأب والعم بذراعها.
احتاج الرجلان معاً إلى جهد كبير لانتزاع السكين منها.
كانت تصرخ بصوت أجش لا يشبه صوتها :
— أعيدوا إليّ ما يخصني !
ثم انهارت على الأرض وغرقت في نوم عميق.
عندما استيقظت، لم تتذكر شيئاً.
***
أخذها والدها إلى طبيب في المدينة، أُجريت لها الفحوص، وسُئلت عن نومها وطعامها وما إذا كانت تمر بضغوط نفسية، وصف الطبيب علاجاً أولياً وطلب مراقبتها، لكن حالتها ازدادت سوءاً.
بدأت تستيقظ ليلاً وتسير في الممرات، وفي إحدى المرات وجدتها أمها واقفة أمام الغرفة التي كانت تخص جدتها الراحلة.
ظلت الغرفة مغلقة منذ الوفاة، لم يدخلها أحد إلا لتنظيفها وبقي فيها السرير الخشبي والخزانة القديمة وبعض الملابس المطوية كما تركتها الجدة.
كانت سلمى تلصق أذنها بالباب.
سألتها أمها:
— ماذا تفعلين هنا ؟
وضعت سلمى إصبعها على شفتيها، ثم همست :
— إنه يضحك تحت السرير.
صرخت الأم، فاستيقظ أهل البيت، وحين أضاءوا الممر، وجدوا سلمى نائمة أمام الباب، وكأنها لم تقف قط.
بعد أسابيع من الخوف والإنهاك، اقترحت إحدى قريباتهم أن يستعينوا بالشيخ ظافر، وهو رجل مسن يعيش في قرية جبلية قريبة، عُرف عنه التعامل مع حالات لم يجد أصحابها لها تفسيراً واضحاً.
رفض الأب في البداية، كان مدرس علوم ولم يكن مستعداً لأن ينسب مرض ابنته إلى الجن أو الأرواح، لكن العلم الذي آمن به لم يمنعه من الخوف ولا من محاولة فتح أي باب حين أُغلقت الأبواب الأخرى.
وصل الشيخ ظافر بعد الغروب، لم يحمل معه بخوراً ولا تمائم، ولم يطلب ذبح طائر أو إشعال نار، جلس قبالة سلمى، وسألها بعض الأسئلة البسيطة.
لم تجبه.
كانت مسترخية في المقعد، ورأسها مائل إلى أحد الجانبين، كأنها تسمع شخصاً يهمس في أذنها.
تأملها طويلاً، ثم قال :
— لا أريدك أن تنهضي، أريدك فقط أن تتخيلي أنك تقفين عند باب البيت.
تحركت شفتاها :
— أنا عند الباب.
— ادخلي.
تنفست ببطء.
— دخلت.
— اذهبي إلى غرفتك، هل يوجد أحد هناك ؟
صمتت قليلاً ثم قالت:
— لا.
— غرفة والديك ؟
— فارغة.
— غرفة أخيك ؟
ارتجفت أصابعها.
— لا يوجد أحد.
ساد الصمت، كان أفراد الأسرة واقفين حولها، يراقبون وجهها الشاحب، لم يُسمع في البيت إلا صوت عقارب الساعة.
قال الشيخ :
— الآن اذهبي إلى غرفة جدتك.
في اللحظة نفسها، انبعثت رائحة العطر القديم في الغرفة.
التفتت الأم نحو الطاولة، لكن القارورة الزرقاء لم تكن هناك، كانت قد أخفتها منذ حادثة السكين داخل صندوق مقفل.
تغير تنفس سلمى، وراحت عيناها تتحركان بسرعة تحت جفنيها.
— وصلت، همست.
— افتحي الباب.
— لا أريد.
— لماذا ؟
ابتلعت ريقها.
— لأنه يعرف أنني هنا.
قال الشيخ بصوت هادئ :
— افتحي الباب وانظري أمامك، هل ترين أحداً ؟
— لا.
— عند النافذة ؟
— لا.
— خلف الخزانة ؟
— لا.
توقف الشيخ لحظة، ثم قال:
— انظري تحت السرير.
تجمد جسد سلمى.
تراجعت قدماها فوق الأرض، مع أنها ما زالت جالسة، انفتح فمها، لكن صوتها لم يخرج، ثم أطلقت صرخة جعلت زجاج النوافذ يرتجف.
— لا ! لا أريد أن أراه !
أمسكت أمها بذراعها، فأشار الشيخ إليها أن تتركها.
— ماذا ترين يا سلمى ؟
كانت الدموع تسيل من عينيها المغمضتين.
— رجل… تحت السرير.
— ماذا يفعل ؟
— يبتسم.
— هل تعرفينه ؟
هزت رأسها بعنف.
— لكنه يعرفني.
ثم تغير وجهها فجأة، هدأت ملامحها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غريبة، بطيئة، لا تشبه ابتسامتها.
حين تكلمت، خرج الصوت غليظاً ومتعباً:
— هي التي دعتني.
اقترب الشيخ قليلاً.
— من أنت ؟
ضحكت سلمى.
— مرّت بي ورائحتها تملأ الطريق، فتحت شعرها عند بيتي ثم أخذت الرائحة معها، ظننت أنها جاءت من أجلي.
قال الأب، وقد شحب وجهه:
— أي بيت ؟
أدارت سلمى رأسها نحوه، مع أن عينيها بقيتا مغمضتين.
— البيت الذي وضعتم فوقه حجراً وكتبتم عليه اسماً.
لم يجرؤ أحد على السؤال أكثر.
قال الشيخ:
— لماذا تبعتها ؟
أجابت:
— لأنها تشبه من انتظرتها طويلاً، ولأن العطر كان لها.
التفتت الأم نحو باب غرفة الجدة.
كان العطر بالفعل من أغراض أمها الراحلة، لكنها لم تعرف قط من أين جاء أو من أهداه إليها.
سأل الشيخ :
— وماذا تريد من سلمى ؟
اتسعت ابتسامتها.
— أن تمشي معي في الطريق نفسه، هذه المرة لن تعود إلى البيت.
انتفضت الأم، وارتفع صوت بكائها، أما الشيخ فبقي ساكناً وقال بصرامة:
— ليست لك.
تقلص وجه سلمى كأن ألماً حاداً اخترقه، بدأت تتلوى في المقعد وتخرج من حنجرتها أصوات مكتومة، أمسك الرجال بكتفيها لكنها دفعتهم عنها بقوة حتى سقط أحدهم أرضاً.
ارتفعت رائحة العطر أكثر، حتى أصبحت خانقة.
ثم، في لحظة واحدة، انفتح باب غرفة الجدة في آخر الممر.
كان الباب مقفلاً بالمفتاح.
نظر الجميع نحوه.
ومن ظلمة الغرفة، صدر صوت احتكاك بطيء تحت السرير، كأن شيئاً يزحف فوق الأرض الخشبية.
صرخت سلمى للمرة الأخيرة، ثم ارتخى جسدها بين يدي أبيها.
واختفت الرائحة.
***
فتحت عينيها بعد دقائق.
نظرت إلى الوجوه المحيطة بها بخوف واستغراب، ثم سألت أمها لماذا يبكي الجميع.
لم تتذكر زيارة الشيخ، ولا الغرفة، ولا الرجل الجالس تحت السرير، وكانت آخر ذكرى واضحة لديها هي سيرها بمحاذاة المقبرة، حين ظنت أنها سمعت خطوات تتبعها.
تحسنت حالتها بعد ذلك، عادت إلى حياتها ولم تتكرر نوبات الغضب أو السير أثناء النوم، أما والدها الذي رفض أن يفسر ما حدث تفسيراً خارقاً، فقد بقي يقول إن العلاج الذي وصفه الطبيب لها بدأ أخيراً يعطي مفعوله وإن الخوف الجماعي قادر على صنع أشياء تبدو مستحيلة.
في صباح اليوم التالي، فتحوا غرفة الجدة.
لم يجدوا أحداً فيها.
لكن الغبار تحت السرير كان يحمل أثراً غريباً: خطين طويلين متوازيين، كأن جسداً ثقيلاً جُرّ من هناك باتجاه الباب.
أما زجاجة العطر، فلم يعثروا عليها داخل الصندوق المقفل.
ظنوا أنها ضاعت، إلى أن مرّ حارس المقبرة بعد أسبوع بمنزل الأسرة، كان يحمل القارورة الزرقاء بين أصابعه.
قال إنه وجدها فوق قبر قديم بمحاذاة الطريق، وإن اسم صاحبه تآكل معظمه بفعل الزمن، ولم يبقَ من اسم صاحبه سوى حروف مبتورة:
عبد البـ...
تأمل الأب النقش طويلاً وقال:
— ربما كان اسمه عبد الباري.
لكن الأم، وقد شحب وجهها، تمتمت:
— أو عبد الباقي.
لم يجبها أحد، غير أن الرائحة التي فاحت في الغرفة تلك الليلة جعلتهم يخشون أن يكون للرجل من اسمه نصيب.
لم تعد سلمى تسلك ذلك الطريق، حتى في وضح النهار.لكنها، في بعض الليالي، تستيقظ قبيل الفجر على رائحة المسك والياسمين تتسلل إلى غرفتها، وحين تفتح عينيها لا ترى أحداً.
فقط تسمع، من تحت السرير، ضحكة خافتة لرجل صبور…ما زال ينتظرها.