لم تكن ليلى من النساء اللواتي يخَفن البيوت القديمة ، على العكس كان في الأمكنة العتيقة ما يطمئنها على نحو غريب…الجدران السميكة، الخشب الذي يصدر أنينه الخافت ليلاً، النوافذ العالية التي تحتفظ ببرودة الظل حتى في عزّ الصيف، والرائحة الباهتة التي تتركها السنوات فوق الأثاث كما يترك الغبار يده فوق المرايا ، لذلك حين وصلت إلى البيت الذي ورثته عن خالتها الوحيدة، لم تشعر بالخوف ، فقط بشيء يشبه التردد.
كان البيت في طرف المدينة، عند منطقة نسيتها الخرائط الحديثة كما تُنسى الندوب القديمة تحت الثياب. بيتٌ صامت، ثقيل، بدا من الخارج كأنه يراقب الطريق الضيق المؤدي إليه بصبرٍ لا يليق بالحجارة.
خالتها ماتت فيه وحدها، كما عاشت معظم حياتها: بلا زوج، بلا أبناء، وبكثير من الصمت الذي لم يفهمه أحد.
في الداخل، لم يكن المكان مهملاً بقدر ما كان… متروكاً على حاله، كما لو أن أحداً غادره منذ لحظة فقط وسيعود.
الستائر بلون الغبار، الخشب المعتّق، المزهريات الفارغة، والمرايا التي تعكس الغرف ببرودة لا تُطمئن.
كان في البيت شيء يصعب تسميته.
ليس تهديداً واضحاً… بل ذلك الإحساس الخافت بأن المكان يعرف عنك أكثر مما ينبغي.
قالت لها الجارة العجوز في أول مساء، وهي تناولها مفتاح الباب الخارجي:
— " لا تفتحي الباب إذا سمعتِ الطرق بعد منتصف الليل. "
ابتسمت ليلى مجاملة.
وظنتها واحدة من خرافات البيوت القديمة، تلك التي يختلقها الجيران ليمنحوا العتمة قصة.
لكنها، في الليلة الأولى، عند الثانية تماماً…
سمعت الطرق.
طرقة واحدة.
ثم صمت.
ثم طرقتان متباعدتان، كأن أحداً يعرف تماماً كيف يوقظ أعصاب الإنسان دون أن يوقظ البيت كله.
كانت مستلقية على السرير، نصف غارقة في النوم، فرفعت رأسها ببطء.
حبست أنفاسها.
ثم جاءها الصوت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يأتِ من باب الشقة الخارجي.
بل من باب الغرفة نفسها.
نهضت، وشعرت ببرودة تتسلق ساقيها من الأرضية الخشبية.
تقدمت خطوة… ثم أخرى…
ولمّا صارت على بعد ذراع من الباب، انقطع الطرق فجأة.
وحدث شيء أسوأ.
فاحت رائحة غريبة في الغرفة.
ليست عفناً، ولا بخوراً، ولا عطراً معروفاً.
بل رائحة دافئة، داكنة، مربكة… كرائحة حضورٍ ذكوريّ خرج من العتمة، ممزوجة بدخان قديم وخشبٍ محترق بخفة.
تراجعت فوراً.
وفي اللحظة ذاتها، سمعت صوتاً خلفها.
صوت رجل، منخفض، ناعماً على نحو غير طبيعي:
— "أخيراً… سمعتِني."
التفتت بعنف.
لم يكن هناك أحد.
لكن المرآة المقابلة للسرير كانت تعكس شيئاً لم يكن في الغرفة.
ظلاً.
ظلّ رجل يقف خلفها.
طويلاً، مستقيم القامة، يضع يديه خلف ظهره كأنه في انتظارها منذ زمن.
لم ترَ وجهه بوضوح، فقط الخطوط: عنق واضح، كتفان عريضان، وشيء في الوقفة… شيء يحمل يقيناً متعالياً، كأنه لا يطلب الإذن بالدخول إلى أي مكان.
استدارت نحو الفراغ خلفها.
لا أحد.
وعندما التفتت ثانية إلى المرآة… كان قد اختفى.
في الصباح، أقنعت نفسها أن الأمر كان إرهاقاً.
لقد أنهت مؤخراً علاقة استمرت ثلاث سنوات، وخسرت بعدها عملها في دار النشر التي أفنت شبابها فيها، ثم جاءت هذه الورثة المفاجئة لتنتشلها من الإفلاس وتلقي بها في بيت كئيب لا تعرف تاريخه حقاً.
الإنسان، حين يتصدع من الداخل، يرى أحياناً ما ليس موجوداً.
هكذا قالت لنفسها.
لكنها حين فتحت أحد أدراج خالتها بعد الظهر، وجدت شيئاً جعل تفسير "الإرهاق" يبدو سخيفاً.
كان هناك دفتر جلدي أسود، مشدود بحزام نحاسي صدئ، وبين صفحاته أوراق صفراء مكتوبة بخط نسائي أنيق ومضطرب في آن.
فتحت الصفحة الأولى.
"إذا بدأ يطرق الباب، فلا تجيبي النداء بصوتك."
توقفت أنفاسها وقلبت الصفحة.
"هو لا يدخل البيت… بل يدخل من الوحدة."
ثم:
"أخطر ما فيه أنه لا يأتيكِ كوحش.
يأتيكِ كالرجل الذي يراكِ تماماً."
أغلقت الدفتر بعنف، كأن الكلمات نفسها كانت تنظر إليها.
في المساء، لم تستطع مقاومة العودة إليه.
جلست على الأرض قرب المصباح، وراحت تقرأ.
كانت الصفحات تتحدث عن كيان قديم، لا اسم ثابتاً له، ولا شكلاً واحداً.
في بعض السطور تسميه خالتها "الزائر"، وفي أخرى "ابن النار الصامتة"، وفي صفحات متأخرة، حين صار الخط مرتجفاً ومتكسراً، اكتفت بحرف واحد فقط: هـ
كتبت خالتها أنه لا يظهر إلا للنساء اللواتي يمررن بـ"شرخ داخلي" — فقد، خيانة، عزلة، أو جوع عاطفي عميق.
لا يقتحم.
لا يكسر الأقفال.
بل يظل قرب الروح حتى تتشقق وحدها.
وكان أكثر ما أرعب ليلى جملة واحدة كُتبت في الهامش، وكأنها أضيفت لاحقاً تحت وطأة ذعر شخصي:
" لا تصدقي دفء صوته ... النار لا تحرق دائماً من اللمسة الأولى."
في الليلة الثالثة، لم تنتظر الطرق.
كانت جالسة في السرير، الضوء خافت، والدفتر في حضنها، عندما انطفأت المصابيح كلها دفعة واحدة.
ليس كعطل كهربائي عادي.
بل كأن البيت نفسه أخذ شهيقاً عميقاً… ثم أطفأ عينيه.
تجمدت.
ثم جاءها صوته من الظلام.
هذه المرة واضحاً، قريباً جداً:
— "أنتِ تقرئين عني بطريقة جارحة."
ارتعشت أصابعها.
— " من… من هناك؟ "
ضحك ضحكة قصيرة، خافتة، فيها شيء من التسلية الحزينة.
— "سؤال يليق بالبشر. كأن الأسماء تمنحكم الأمان."
لم تره في البداية.
ثم بدأت العتمة نفسها تتجمع عند طرف الغرفة، كأن الظل يتكاثف حتى يصير هيئة.
ظهر أولاً خط الفك ... ثم العينان.
وكانتا أكثر ما أربكها ، لم تكونا حمراوين كما في القصص، ولا متوحشتين بل عينين عميقتين على نحو يكاد يكون إنسانياً أكثر من اللازم.
ذلك النوع من العيون الذي يوحي بأنه رأى سقوط إمبراطوريات، وولادة خطايا، وبكاء نساء كثيرات في الغرف المغلقة.
خرج من الظل ببطء.
كان يرتدي الأسود، لكن السواد بدا عليه كامتداد طبيعي له، لا كثوب.
طويل، متناسق، بوجه حاد الوسامة على نحو غير مريح، كأن الجمال نفسه إذا بالغ في دقته يتحول إلى تهديد.
قالت بصوت جاف:
— "أنت لست حقيقياً."
مال برأسه قليلاً، كأن العبارة راقته.
— "ومع ذلك… أنتِ ترتجفين."
لم تستطع الرد.
اقترب خطوة.
ثم أخرى.
وكان الأمر الأكثر رعباً أن ليلى لم تشعر فقط بالخوف.
شعرت بشيء آخر، شيء خجلت منه في اللحظة نفسها التي أحسته فيها.
ذلك الإحساس الخطير الذي يسبق السقوط ... حين يدرك الجسد ما لا يجرؤ العقل على تسميته.
توقف على بعد شبرين منها.
— "هل أخبركِ ما الذي ورثتِه حقاً من خالتك ؟"
همست:
— "ابتعد."
لكنه لم يبتعد.
خفض رأسه قليلاً، حتى صار صوته يلامس وجهها أكثر مما تسمعه أذناها.
— "وحدةً طويلة… لم تجد من يفهمها.... وخوفاً كانت تتغذى عليه كي أبقى ، ثم أتيت أنتِ… أجمل منها حزناً."
صفعته أو حاولت.
إذ أمسكت يده معصمها في الهواء بسهولة مروعة، لا بعنف، بل بثبات مطلق.
وثمة شيء في لمسته جعل تياراً بارداً ساخناً يمرّ في ذراعها كلها.
نظر إلى يدها المعلقة بينهما، ثم إليها.
— "أخيراً… لمستِني."
وكانت تلك الجملة، لسبب لا تعرفه، أشد إثارة لاضطرابها من أي تهديد.
سحبت يدها بعنف هذه المرة، فتركها.
ثم تراجع خطوة، كما لو أنه لا يريد أن يكسر شيئاً لم ينضج بعد.
— "سأعود غداً."
— "لا تعد."
ابتسم ابتسامة صغيرة، واثقة، موجعة.
— " حين تقول امرأة هذا… لا يكون الخطر في المعنى. بل في النبرة. "
ثم اختفى.
لا دخان، لا نار، لا مؤثرات من الأساطير الرديئة.
فقط… لم يعد هناك.
وبقيت الرائحة.
تلك الرائحة الدافئة الداكن ... كأن الليل نفسه مرّ بجسدها ثم ترك ظله عليها.
في الأيام التالية، بدأت ليلى تفقد قدرتها على التمييز بين اليقظة والحلم.
كانت تراه أحياناً في انعكاس نوافذ المحال.
يقف خلفها وسط الزحام، هادئاً، مراقباً.
وحين تلتفت لا تجد أحداً.
وتسمعه أحياناً في اللحظة السابقة للنوم، حين يصبح الوعي طرياً هشاً، فيهمس باسمها كما لو كان يخرجه من مكان عميق في صدره، لا من فمه.
لكن ما أخافها حقاً… أنه لم يكن يكتفي بإخافتها.
بل كان يعرفها.
في ظهوره الرابع، وجدته جالساً على الكرسي قرب المكتبة، كأنه صاحب البيت.
قال دون مقدمة:
— "أنتِ لا تبكين على الرجل الذي ترككِ."
حدقت فيه بصمت.
— " أنتِ تبكين لأنكِ كنتِ مستعدة أن تصدقيه. وهذا ما أهانك."
تجمدت.
كيف عرف ؟
تابع، وصوته هادئ كأنه يقرأ من داخلها:
— "ومن قبله أبوك ... وعدكِ أن يبقى، ثم مات في أكثر أيامكِ احتياجاً له."
— "اصمت."
— "ومن قبلهما جميعاً… أنتِ متعبة من أن تكوني المرأة التي تبدو قوية بما يكفي كي لا ينقذها أحد."
نهضت فجأة.
— "اخرج !"
وقف هو أيضاً.
وكانت المسافة بينهما صغيرة جداً.
قال بصوت منخفض، مختلف هذه المرة، أقل لعباً وأكثر صدقاً:
— " لو أردتُ أذيتكِ لفعلت منذ الليلة الأولى."
ثم أضاف، بعد صمت قصير:
— " أنا لا آتي لأنكِ ضعيفة يا ليلى ... أنا آتي لأنكِ تنادين منكسرةً، حتى حين لا تنطقين."
وللمرة الأولى، رأت شيئاً لم تتوقعه في عينيه.
لم يكن جوعاً فقط.
بل… حنيناً.
وهنا بدأ خوفها الحقيقي.
لأن الوحش، ما دام وحشاً صرفاً، يمكن مقاومته.
أما إذا حمل في داخله كسراً يشبه كسرك… فالمقاومة تصبح أكثر تعقيداً من الرغبة نفسها.
فتشت أكثر في أوراق خالتها.
واكتشفت ما لم تكن تريد اكتشافه.
لم يكن "الزائر" مجرد كيان عابر.
كان رباطاً.
شيئاً بدأ منذ أجيال، مع امرأة من نسلهنّ الأول، ويعود في كل مرة إلى امرأة من العائلة حين تبلغ عزلتها درجة معينة.
وكانت هناك فقرة شبه ممزقة تقول:
" إنه لا يأخذ الروح دفعة واحدة ... بل يجعلها تفضّله على العالم."
وفي الصفحة الأخيرة، وجدت اعترافاً لم يكن ينبغي أن تقرأه:
" قاومته سنوات ثم خفت اليوم الذي لا يعود فيه."
أغلقت الدفتر ويديها ترتجفان.
لم تعد القضية أن كياناً شيطانياً يزورها.
بل أن النساء قبلها… لم ينجون منه لأنهن ربما لم يردن النجاة كاملة.
عاد في تلك الليلة، لكن ليلى لم تكن خائفة كما ينبغي.
وهذا ما أخافها.
كان المطر يضرب النوافذ، والبيت غارقاً في زرقة البرق الخافتة.
وقف عند الشرفة المفتوحة، يراقب السماء كأنه يشتاق إلى شيء فيها.
قالت من خلفه:
— "هل ما كتبته خالتي صحيح ؟"
لم يلتفت.
— " أي جزء ؟ البشر يكتبون كثيراً حين يخافون."
— " أنك تجعل المرأة تفضلك على العالم."
التفت ببطء.
وفي نظرته هذه المرة لم يكن هناك تهكم.
بل تعب قديم.
— " العالم نفسه هو من يسلّمها إليّ."
اقتربت منه.
كانت هذه أول مرة تتحرك نحوه بإرادتها.
— "وماذا تريد مني ؟"
أجاب بعد صمت:
— " أن تريَني كما أنا… ولو لمرة واحدة."
— "وما أنت ؟ "
نظر إليها طويلاً ، ثم قال:
— "شيء عوقب لأنه أحبّ ما لا يحق له أن يحب."
كان يمكن أن تضحك أن تعتبرها حيلة أخرى من حيل الإغواء.
لكن صوته لم يكن صوت ممثل بارع.
كان صوت كائن أنهكه الزمن إلى حد أن الحقيقة لم تعد تمنحه أي ميزة.
تقدمت أكثر.
حتى لم يعد بينهما إلا نَفَس واحد.
سألته همساً:
— "هل كل ما فيك كذب ؟"
خفض بصره إلى شفتيها، ثم عاد إلى عينيها.
— " كل ما فيّ قد يكون كذباً…إلا ما يحدث لي حين تنظرين إليّ هكذا."
وشيء ما في داخلها انهار عند تلك الجملة.
لم تقبّله بدافع الاستسلام.
ولا بدافع الحب.
ولا حتى بدافع الفضول وحده.
بل لأنها، للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعرت بأنها مرئية بالكامل.
بشقوقها، بجوعها، بخوفها من أن تُترك، وبذلك الجزء السري منها الذي كان يريد أن يُلتهم… فقط كي يتوقف عن الشعور بالفراغ.
وحين التقت شفتاهما، لم يكن في الأمر عنف ولا افتراس.
بل بطء خطير.
بطء رجل يعرف أن بعض الأبواب لا تُكسر… بل تُفتح على مهل، حتى تظنّ صاحبتها أنها من أدارت المقبض.
لكن في عمق تلك القبلة كان هناك شيء آخر.
حزن.
حزن كثيف، قديم، مرّ من فمه إلى روحها كأنه ذكرى لا تخصها.
ابتعدت عنه أولاً.
وكانت تلهث.
— "ماذا فعلت بي ؟"
نظر إليها نظرة طويلة، مؤلمة على نحو لم تفهمه إلا بعد لحظة.
ثم قال:
— " الشيء الوحيد الذي لم أكن أريد فعله."
قالت بتوتر :
— " ما معنى هذا ؟"
وحين رفع يده، رأت العلامة.
خط أسود دقيق بدأ يظهر تحت عظمة ترقوتها، كأنه أثر حبر حيّ ينبض تحت الجلد.
فتراجعت ، وقال بصوت خافت:
— "الرابطة بدأت."
أجابت :
— "أزلها !"
وفي تلك اللحظة فقط، بدا عليه الذعر.
ذعر حقيقي.
اقترب منها بسرعة، لا كصياد، بل كرجل اكتشف أنه قاد من يحب إلى حافة هاوية لم يكن يريدها.
— " اسمعيني. إن اكتملت الرابطة، ستبقين قادرة على رؤيتي دائماً… لكنكِ ستفقدين شيئاً من العالم البشري في كل مرة أعود فيها."
— " أنت خدعتني."
أغمض عينيه للحظة.
— "نعم."
ثم فتحهما وأضاف:
— " لكن ليس في الشيء الذي كنت أخشاه على نفسي."