لم يبدأ الأمر بإيمان، بل بضجر.
كانوا ستة شبان في أواخر العشرينيات، جمعتهم مدينة لا تنام إلا لتبيع أكثر، يعملون في شركات مختلفة، يتقاضون رواتب لا بأس بها، يسافرون حين تسمح الإجازات، ويجلسون في المقاهي التي تشبه بعضها حتى في رائحة القهوة، كانت حياتهم، من الخارج، مرتبة وناجحة، لكنهم كانوا يشعرون بأن شيئاً أساسياً قد سُحب منها.
قال آدم ذات ليلة، وهم جالسون في شقته المرتفعة المطلة على أبراج المدينة :
- نحن نعيش لكي نستهلك، ونستهلك لكي ننسى أننا لا نعرف لماذا نعيش.
ضحكوا أول الأمر، ثم لم يضحك أحد.
كان آدم أكثرهم قراءة في التصوف والديانات القديمة، أما طارق فكان مولعاً بالسحر الغربي، وليان درست علم النفس قبل أن تعمل في التسويق، بينما كان رائد، وهو مبرمج هادئ، مفتوناً بفكرة أن الوعي قد يكون أوسع من الدماغ، أما نادر وميرا فكانا يبحثان فقط عن شيء يكسر تلك الطبقة السميكة من الاعتياد التي غطت حياتهما.
بدأوا يجتمعون مساء كل خميس.
قرأوا كتباً عن استحضار الأرواح، وعن الكيانات الحارسة وعن الآلهة المنسية وعن شياطين وردت أسماؤها في مخطوطات لم يكن أحد منهم يؤمن بها تماماً، جربوا التأمل، الكتابة الآلية، النظر إلى المرايا في الظلام، وسجلوا أحلامهم في دفتر واحد أسموه "السجل".
لم يحدث شيء ، وهذا ما زادهم إصراراً.
***
بعد أشهر، قال طارق ذات ليلة:
- ربما مشكلتنا أننا نبحث عن سيد موجود أصلاً.
حدقوا فيه ، ثم فتح أمامهم كتاباً قديماً وأشار إلى فقرة عن الكيانات التي تنشأ من العقل الجمعي.
- ماذا لو صنعنا نحن كياننا ؟
ابتسم آدم ابتسامة لم ترق لليان.
- نصنع إلهاً ؟
- لا، في البداية على الأقل.
تلك العبارة ظلت عالقة في ذاكرتها زمناً طويلاً.
قرروا أن الكيان يجب ألا يشبه أي إله أو روح معروفة، لا يريدونه أن يحمل اسماً من كتاب ولا تاريخاً سابقاً ولا سلطة جاءت من معتقد آخر، أرادوه أن يكون ابنهم وحدهم، مولوداً من فراغهم المشترك.
كتب كل واحد منهم على ورقة الصفة التي يتمناها في "السيد" الذي لم يوجد بعد.
القوة ، المعرفة ، الحماية ، الثراء ، العدالة ، والتحرر من الخوف.
مزجوا الصفات الست في تصور واحد ثم اختاروا له اسماً لا يعني شيئاً في أي لغة يعرفونها:
أوهرام.
رسم رائد رمزاً هندسياً بسيطاً يمثل الاسم، دائرة مفتوحة من الأعلى، وفي وسطها خط أسود ينتهي بنقطة.
قال نادر وهو يتأمله :
- يبدو كعين.
قالت ميرا :
- بل كفم.
لم يكن لأي منهما سبب لقول ذلك.
***
بدأت الاجتماعات تأخذ طابعاً آخر، أغلقوا الهواتف وأطفأوا الأنوار وجلسوا حول الرمز يكررون اسم أوهرام بصوت منخفض ثم يصمتون دقائق طويلة، محاولين تخيله.
في البداية اختلفوا في شكله.
آدم رآه طويلاً بلا وجه.
ميرا تخيلته بوجه جميل لا يمكن تحديد جنسه.
طارق أراده هيئة مظلمة لها قرنان، فرفض الآخرون.
لكن بعد أسابيع وقع أمر لم يعرف أحد كيف يفسره.
طلب آدم منهم أن يرسم كل واحد أوهرام كما رآه في ذهنه، من دون أن يري الآخرين رسمه.
وضعوا الأوراق الست على الأرض.
ساد صمت طويل.
خمسة منهم رسموا الشيء نفسه تقريباً.
جسد نحيل شديد الطول، كتفان ضيقتان، ورأس أكبر قليلاً من الطبيعي، لم يكن له فم، أما العينان فكانتا دائرتين سوداوين وفي منتصف الجبهة شق رأسي صغير.
ليان وحدها لم ترسم شيئاً.
كتبت جملة :
"هو لا يريد وجهاً بعد."
رفعت رأسها مذعورة.
- أنا لا أعرف لماذا كتبت هذا.
ضحك طارق.
لكن ضحكته لم تستمر طويلاً.
***
في الأسبوع التالي، وجدوا على الزجاج المغلق لنافذة غرفة الاجتماع خطاً رأسياً أسود يشبه الرمز الذي رسمه رائد.
من الداخل.
قال آدم إن أحدهم يمزح.
حلف الجميع أنهم لم يفعلوا.
بعدها بيومين، تلقى نادر اتصالاً من شركة كان قد تقدم للعمل لديها قبل أشهر ونسي أمرها، عرضوا عليه راتباً يقارب ضعف راتبه الحالي.
في الأسبوع نفسه، باعت ميرا لوحة رسمتها قبل سنوات بمبلغ لم تتوقعه، بعد أن شاهدها جامع أعمال فنية صدفة على حساب قديم لها.
ثم فاز رائد بعقد برمجي كبير جاءه عبر شخص لم يكن يعرفه.
أما طارق، الذي كان غارقاً في الديون فقد أعاد إليه قريب بعيد مبلغاً قال إنه كان مديناً به لوالده المتوفى.
***
قال طارق في الاجتماع التالي :
- ستقولون لي إنها مصادفات ؟
لم يجب أحد.
وضع على الطاولة شيئاً ملفوفاً بقماش.
نزعه.
كان تمثالاً أسود صغيراً بطول ذراع تقريباً.
الكتفان الضيقتان ، الرأس الكبير ، العينان السوداوان والشق في الجبهة.
تراجعت ليان خطوة.
- لماذا صنعته ؟
قال طارق :
- لأنه يستحق جسداً.
اعترضت عليه بشدة، قالت إنهم يذهبون بعيداً وإن التجربة بدأت باعتبارها دراسة للعقل الجمعي، لا عبادة.
نظر إليها آدم بهدوء.
- ومَن قال إن العبادة ليست مجرد طريقة أخرى لتغذية الفكرة ؟
وُضع التمثال في زاوية الغرفة.
ثم انتقل، خلال أسابيع قليلة، إلى وسطها.
لم يعد أحد يتذكر من اقترح ذلك.
بدأوا يتركون أمامه أشياء صغيرة، عملات، خواتم، أوراقاً كتبوا عليها أمنيات، أكواباً من النبيذ، زهوراً سوداء وجدتها ميرا في متجر غريب.
ثم جاء أول قربان حي.
لم يكن بشرياً.
قال طارق إن أوهرام طلب منه شيئاً "يتنفس".
رفضت ليان.
سألته كيف طلب.
قال إنه رآه في المنام.
اختلفوا طويلاً، لكن آدم أيد طارق.
في الليلة التالية، وضعوا أمام التمثال طائراً أسود ميتاً اشتراه نادر من سوق للحيوانات بعد أن وجده نافقاً.
قالوا لأنفسهم إنهم لم يقتلوا شيئاً.
كان ذلك كافياً ليشعروا بأن الخط لم يُكسر بعد.
بعد أسبوع، حصل آدم على ترقية لم يكن مرشحاً لها.
قال وهو ينظر إلى التمثال:
- إنه يسمعنا.
منذ تلك الليلة، أصبح أوهرام "الذات" وليس "الفكرة".
وتغيرت حياتهم بسرعة مخيفة.
ارتفعت دخولهم، انفتحت أمامهم فرص لم يسعوا إليها وبدأت المصادفات تخدمهم بطريقة جعلتهم يخجلون من الشك فيها، كانوا يفكرون في شخص فيتصل، يريدون عقداً فيصلهم، يحتاجون مالاً فيظهر من مصدر غير متوقع.
حتى ليان، الأكثر مقاومة، بدأت تشعر بأن وجوداً ما يحيط بهم.
لكن شيئاً آخر بدأ يحدث.
لم تعد أمنياتهم تتحقق كما طلبوها بل كما لو أن قوة أخرى تعيد تفسيرها.
تمنى نادر أن يتخلص من مديره الذي يكرهه، فتعرض الرجل لحادث أقعده أشهراً.
اشتكت ميرا من جار يزعجها ليلاً، فانتقل الرجل فجأة بعد وفاة أخيه في مدينة أخرى.
قال طارق ذات ليلة مازحاً إنه يتمنى ألا يرى شخصاً بعينه مرة أخرى.
بعد ثلاثة أيام اختفى ذلك الشخص من حياته تماماً.
لم يسألوا كيف.
كان الخوف يطرق الباب، لكن الثراء الذي بدأ يتدفق عليهم كان أعلى صوتاً.
اشترى آدم منزلاً جديداً.
ترك رائد وظيفته وأسّس شركته الخاصة.
أصبحت ميرا معروفة في الوسط الفني.
أما طارق فكان الأكثر تغيراً، صار يرتدي قلادة تحمل رمز أوهرام ويتحدث عنه بعبارات لم يعد فيها شيء من المزاح.
- السيد يعرف.
- السيد أعطى.
- السيد سيقرر.
وعندما اعترضت ليان، قال لها:
- نحن صنعناه، نعم. لكن الطفل لا يبقى طفلاً إلى الأبد.
كانت تلك أول مرة تشعر فيها بأنها تريد الهرب.
وفي الليلة التالية جاءها الحلم.
وجدت نفسها واقفة في غرفة الاجتماعات، لكن الجدران اختفت، حولها كان ظلام بلا نهاية، في الوسط وقف أوهرام.
لم يعد تمثالاً صغيراً.
كان بطول بناء.
لم يكن له فم، لكن صوته جاء من داخل صدرها.
أنتم لم تصنعوني.
تراجعت.
أنتم فقط صنعتم لي شكلاً.
استيقظت وهي تصرخ.
في الصباح وجدت الرمز الأسود مرسوماً على باطن معصمها.
لم يكن حبراً.
حاولت غسله حتى نزف جلدها.
لم يختف.
ذهبت إلى اجتماع الخميس وقالت إنها ستغادر الجماعة.
ساد الصمت.
نظر آدم إلى الآخرين ثم قال:
- لا يمكنكِ.
- أستطيع.
- أوهرام لا يسمح.
ضحكت بعصبية.
- هل تسمعون أنفسكم ؟ نحن اخترعنا الاسم ! رائد رسم الرمز ! أنا كتبت نصف القصة !
رفع رائد عينيه إليها، وكان وجهه شاحباً.
- لم أرسم الرمز.
سكت الجميع.
قالت ميرا:
- ماذا تعني؟
فتح رائد حاسوبه، وأراهم ملفاً قديماً مؤرخاً قبل أول اجتماع لهم بأشهر، كان يحتوي على عشرات الخربشات التي رسمها بصورة آلية أثناء مكالمات العمل.
الدائرة المفتوحة.
الخط الأسود.
النقطة.
رمز أوهرام.
قال:
- كنت أرسمه قبل أن نفكر في أي شيء.
في تلك الليلة لم ينفصلوا بهدوء.
اتهم بعضهم بعضاً بالكذب، وصرخت ليان في آدم، وحطم نادر كوباً على الأرض، أما طارق فبقي جالساً أمام التمثال، يبتسم.
ثم صدر صوت.
طرقة واحدة من داخل التمثال.
توقف الجميع.
طرقتان.
ثلاث.
بدأ رأس التمثال يدور ببطء.
لم يكن ذلك ممكناً، كان قطعة واحدة من الحجر المصبوب.
ارتفع وجهه نحوهم.
وانفتح الشق الصغير في جبهته.
كانت تحته عين.
عين بشرية رطبة.
صرخت ميرا.
أطفئت الأنوار.
وفي الظلام سمعوا طارق يقول :
— لقد اكتمل.
عندما عادت الإضاءة، كان طارق راكعاً أمام التمثال.
وكانت يده تنزف.
رسم بدمه حول القاعدة دائرة جديدة.
قال آدم :
- ماذا فعلت ؟
ابتسم طارق.
- أعطيته حقه.
منذ تلك الليلة بدأت الأوامر.
لم تعد تأتي في الأحلام فقط.
تظهر كلمات على شاشات الهواتف ثم تختفي، يسمعون أصواتاً داخل السيارات، يستيقظ أحدهم ليجد رسالة كتبها بخط يده ولا يذكر أنه كتبها .
في البداية كانت الأوامر بسيطة.
لا تتفرقوا ، اجتمعوا.
ثم أصبحت أكثر قسوة.
اقطعوا علاقتكم بمن يشكك فيكم.
أعطوني ما تحبون.
أثبتوا ولاءكم.
حاول نادر الانسحاب.
بعد يومين خسر عقده الأكبر، وجُمّدت حساباته بسبب خطأ مصرفي، واحترق جزء من شقته نتيجة تماس كهربائي.
عاد في الخميس التالي باكياً.
ركع أمام التمثال دون أن يطلب منه أحد.
وفي الشهر التالي ماتت ميرا.
قال تقرير الشرطة إنها سقطت من شرفة منزلها.
لكن ليان كانت تعرف أنها قبل موتها بساعات أرسلت إليها رسالة واحدة:
"طلب مني أن أعطيه أكثر شيء أخاف فقدانه، فهمت متأخرة أنه يقصدني أنا".
حاولت ليان حرق التمثال.
انتظرت حتى غادر الآخرون، صبت عليه الوقود وأشعلت النار.
احترقت الستائر والسجادة والجدار.
أما التمثال فبقي في مكانه.
وفي وسط النار سمعت لأول مرة صوت أوهرام خارج رأسها.
لم يكن جهورياً ولا شيطانياً.
قال:
- لماذا تريدين قتلي ؟
بكت وهي تتراجع.
- لأننا صنعناك.
ضحك.
- إذن اقتلوا أنفسكم.
هربت.
لم تعد إلى الجماعة.
غيرت منزلها، أغلقت حساباتها، تركت عملها، وسافرت إلى مدينة بعيدة، قطعت الاتصال بالآخرين جميعاً.
مرت أشهر.
ثم بدأت الأشياء التي أعطاها أوهرام تتراجع.
اختفى المال ، تعثرت المشاريع ، انهارت العلاقات.
أما آدم فأصيب بانهيار عصبي بعد أن ظل أياماً يردد أن "السيد صامت".
انتحر نادر ، واختفى طارق.
لم تعثر الشرطة عليه قط.
كانت ليان آخرهم ، اعتقدت أنها نجت.
حتى جاء مساء وجدت فيه طرداً صغيراً أمام باب شقتها.
لم يكن عليه اسم مرسل.
فتحته ، وفي الداخل كان تمثال أوهرام.
نفس التمثال الذي تركته يحترق.
لكن شيئاً تغير فيه.
صار له ستة خطوط صغيرة محفورة حول قاعدته.
خمسة منها كانت مشطوبة.
والسادس لم يكن كذلك.
اهتز هاتفها.
ظهرت رسالة من رقم بلا أرقام.
لم يبقَ غيرك.
أسقطت الهاتف.
ثم ظهرت رسالة أخرى:
هل تظنين أنني كنت أريد عبادتكم ؟
تجمدت.
كنت أريدكم أن تعبدوني كي تصنعوا لي باباً.
سمعت طرقاً على باب الشقة.
لم تتحرك.
الطرقة الثانية جاءت من خزانة الملابس.
الثالثة من تحت سريرها.
ثم بدأ شيء ضخم يخطو في الممر خارج الغرفة.
خطوة.
ثم أخرى.
ارتجت الأكواب فوق الطاولة.
وفي المرآة المقابلة رأت خلفها جسداً طويلاً جداً، منحنياً كي يتسع لسقف الغرفة.
لم تلتفت.
كانت عيناه دائرتين سوداوتين.
أما الشق في جبهته فكان مفتوحاً.
ومن داخله نظرت إليها عينها هي.
قال الصوت:
- كنتم تبحثون عن سيد يتبناكم.
بدأت تبكي.
- سامحنا.
اقترب أكثر ثم فعلها ، وانطفأت الأنوار.
***
في صباح اليوم التالي، وجد صاحب المبنى شقتها فارغة.
لم تكن هناك آثار اقتحام، ولا جثة، ولا دم.
فقط تمثال أسود صغير في منتصف الغرفة.
وبجواره دفتر مفتوح على الصفحة الأخيرة.
كانت هناك جملة كتبت بخط ليان:
" ظننا أننا خلقنا إلهاً من أفكارنا، لم نفهم إلا في النهاية أننا لم نخلق شيئاً… لقد كنا فقط الأفكار التي احتاجها هو كي يولد الذي صنعناه"