تخيل أن مجموعة من الناس اجتمعت حول فكرة واحدة، ومنحتها اسماً ورمزاً وطقوساً وقصة تتكرر جيلاً بعد جيل، في البداية يعرف الجميع أنهم هم الذين صنعوا هذه الهوية، لكن شيئاً غريباً يحدث مع مرور الوقت،  يبدأ الأعضاء في الحديث عنها كما لو كانت موجودة قبلهم وكأن لها حضوراً وإرادة وذاكرة خاصة بها، تصبح الجماعة أحياناً مستعدة لاتخاذ قرارات أو تقديم تضحيات أو تغيير سلوكها حفاظاً على ذلك "الشيء" الذي لم يكن في الأصل سوى فكرة.

في بعض تيارات الباطنية الغربية يُطلق على هذا الشيء اسم الإيغريغور Egregore وهو مفهوم يقع في منطقة رمادية بين السحر وعلم النفس والاجتماع،  فبالنسبة إلى المؤمنين به، قد يكون كياناً غير مادي حقيقياً يتغذى على أفكار البشر ومشاعرهم وطقوسهم، أما إذا نظرنا إليه بعيداً عن التصورات الخارقة فقد نجده وصفاً غريباً لكن ذكياً للطريقة التي تستطيع بها الجماعات صناعة هوية تصبح لاحقاً أقوى من أفرادها.

فهل يستطيع البشر حقاً صناعة "كائن" من الأفكار؟ وإذا لم يكن هذا الكائن موجوداً خارج أذهانهم، فكيف يستطيع التأثير فيهم بهذه القوة ؟

من "الساهرين" إلى الكيان الجمعي

ترجع جذور كلمة إيغريغور Egregore إلى لفظ يوناني ارتبط بمعنى "الساهرين" أو Watchers وهو الاسم الذي ظهر في تقاليد دينية قديمة، وخصوصاً في الأدبيات المرتبطة بـ سفر أخنوخ للإشارة إلى كائنات ملائكية تراقب البشر، لكن ذلك المعنى القديم يختلف جذرياً عن المعنى الذي اكتسبته الكلمة لاحقاً داخل المدارس الباطنية الأوروبية.

خلال القرن التاسع عشر بدأت الكلمة تظهر في الكتابات الأدبية والسحرية الفرنسية، ثم استخدمها عدد من المفكرين والباطنيين بمعانٍ متعددة، ومع مرور الوقت ابتعد الإيغريغور عن صورة الكائن الذي يأتي من عالم آخر، وأصبح شيئاً يولد من البشر أنفسهم: حصيلة نفسية أو روحية تتكون عندما تركز جماعة بصورة مستمرة على فكرة أو رمز أو غاية مشتركة.

كانت تلك نقلة مثيرة في الفكرة،  لم يعد السؤال: ما الكيانات التي تحيط بالإنسان ؟ 

بل أصبح: ما الكيانات التي يستطيع الإنسان أن يصنعها دون أن يدرك ؟

كيف يولد الإيغريغور ؟

وفق التصور الباطني، لا يظهر الإيغريغور فجأة،  يبدأ غالباً من جماعة يجمع أفرادها هدف أو اعتقاد قوي، ثم تنشأ حول هذا الهدف هوية مشتركة،  قد يظهر شعار، اسم، مجموعة من الرموز، رواية عن أصل الجماعة، شخصيات مقدسة بالنسبة إليها، اجتماعات دورية أو طقوس تتكرر بصورة منتظمة ، كل ذلك يوجه انتباه الأفراد نحو المركز نفسه.

ومع تكرار هذه الممارسات تصبح الجماعة بالنسبة إلى أفرادها أكثر من مجرد مجموعة من الأشخاص، يكتسب تاريخها قيمة خاصة، ويصبح للرموز وقع عاطفي وقد يشعر الفرد عند دخوله مكان الاجتماع أو مشاهدة الشعار بأنه دخل مجالاً مختلفاً عن حياته اليومية.

في التفسير السحري، يقال إن تلك المشاعر والأفكار تتراكم حتى تشكل كياناً مستقلاً نسبياً يستمد قوته من أفراد الجماعة، أما في القراءة النفسية، فإن ما يتشكل ليس روحاً بالضرورة بل شبكة قوية من التوقعات والقيم والذكريات والانفعالات المشتركة.

المفارقة تبدأ عندما تتحول اللغة من "نحن نريد" إلى شيء أقرب إلى "هذا ما تريده الجماعة" أو "هذه هي روح المنظمة"، عندها تظهر فكرة وكأنها امتلكت صوتاً مستقلاً.

غوتوس GOTOS : كائن أخوية زحل

من أكثر الأمثلة وضوحاً على محاولة صناعة إيغريغور بصورة مقصودة ما ظهر داخل أخوية زحل Fraternitas Saturni وهي جماعة باطنية ألمانية ازدهرت في النصف الأول من القرن العشرين.

داخل هذه الجماعة ظهر كيان رمزي عُرف باسم غوتوس GOTOS،  لم يكن المقصود به شخصاً تاريخياً أو روح ميت، بل شيئاً يجسد القوة الجمعية للأخوية نفسها، اعتبر بعض أعضائها أن ممارساتهم وطقوسهم وأفكارهم المشتركة تغذي هذا الكيان حتى أصبح يمثل لديهم خلاصة الإرادة الروحية للجماعة.

ومع الوقت لم يبق غوتوس فكرة مجردة، مع مرور الوقت أصبحت  له هيئة بشرية محددة وصنعت تماثيل تمثله، وتحدث بعض الأعضاء عن رؤيته أو الشعور بحضوره أثناء تجاربهم الباطنية.

لكن اللافت أن الغرض منه لم يكن تحقيق أمنيات سطحية، بل تمثيل الصفات التي أرادت الجماعة ترسيخها في أعضائها مثل الانضباط وقوة الإرادة والسيطرة على النفس والثبات،  كان أشبه بصورة مثالية لما ينبغي أن يصبح عليه الفرد.

وهنا تتجلى إحدى الوظائف الأكثر إثارة للإيغريغور، الجماعة تصنع نموذجاً رمزياً للقوة التي تريد امتلاكها ثم تعود إلى هذا النموذج كلما احتاج أفرادها إلى الشعور بالقوة.

هل كان غوتوس كياناً مستقلاً بالفعل ؟ لا يوجد ما يثبت ذلك، لكن أثره النفسي داخل الجماعة كان واقعياً بما يكفي كي يُعامل وكأنه موجود.

إيليس:  عندما تحول الرمز إلى شخصية

في عصر الإنترنت ظهرت نسخة أكثر حداثة وغرابة من الفكرة داخل بعض مجتمعات Chaos Magick،  ففي أوائل القرن الحادي والعشرين انتشر رمز معروف باسم  Linking Sigil بين أعضاء شبكة باطنية تسمى DKMU.

كان الهدف من الرمز في البداية بسيطاً نسبياً وفق تصورهم: ربط الأشخاص والأماكن والممارسات المختلفة داخل شبكة رمزية واحدة، بدأ الأعضاء برسمه في أماكن متعددة ومشاركة صوره وتجاربهم المتعلقة به.

لكن مع انتشار الرمز بدأ الحديث عنه يتغير ، شيئاً فشيئاً ظهرت شخصية سميت إيليس Ellis وهو اسم مشتق من نطق الحرفين LS، لم تعد الشبكة مجرد رمز بل بدأ بعض المشاركين يتحدثون عنها كما لو أن وراءها حضوراً أنثوياً مستقلاً، ظهرت لها صفات وحكايات وألقاب وروى بعضهم أحلاماً وتزامنات وتجارب نسبوها إليها ، وهكذا يمكن القول إن ما بدأ كرمز تحول، داخل مخيلة جماعة من الناس، إلى شخصية.

تبدو القصة حديثة إلى درجة أنها تذكر بما يحدث مع "الميمات" على الإنترنت؛ فكرة صغيرة ينشئها شخص، ثم يعيد آلاف الأشخاص إنتاجها وتعديلها حتى تصبح لها حياة مستقلة ثقافياً، لم يعد أحد يملكها بصورة كاملة، ومع ذلك تواصل الانتشار والتأثير.

ومن هنا يصبح سؤال الإيغريغور مناسباً لعصر الإنترنت أكثر مما قد نتصور: هل يمكن أن تتحول فكرة مشتركة إلى شيء يتصرف اجتماعياً كما لو كان كائناً حياً ؟

فيليب:  الشبح الذي لم يعش قط

من أكثر التجارب إثارة في هذا السياق تجربة أجريت في تورنتو خلال سبعينيات القرن العشرين، قرر أعضاء مجموعة مهتمة بالظواهر النفسية الخارقة أن يخترعوا شخصاً لم يوجد في التاريخ قط.

أطلقوا عليه اسم فيليب آيليسفورد Philip Aylesford ورسموا له صورة وكتبوا سيرة كاملة عن حياته، جعلوه أرستقراطياً إنجليزياً من القرن السابع عشر ومنحوه زواجاً تعيساً وعلاقة عاطفية مأساوية ونهاية درامية ، كان أفراد المجموعة جميعاً يعرفون أن فيليب شخصية خيالية ، ومع ذلك بدأوا يعقدون جلسات يحاولون خلالها "التواصل" معه.

في البداية لم يحدث شيء يذكر، لكن بعد أن أصبحت الأجواء أكثر استرخاء وأقل رسمية بدأت الطاولة تتحرك وتصدر طرقات وتم تفسير بعض تلك الطرقات على أنها إجابات من فيليب،  وبمرور الوقت أصبحت للشخصية استجابات وقصة يشارك أعضاء المجموعة في المحافظة عليها.

هنا توجد مشكلة مثيرة: إذا كان الجميع يعلم أن الرجل لم يوجد أصلاً، فمن الذي كانوا يتواصلون معه ؟

التفسيرات الباراسيكولوجية رأت في التجربة احتمالاً لوجود تأثير نفسي جماعي أو نوع من التحريك النفسي، أما التفسير الأكثر تحفظاً فيشير إلى ما يعرف بـ التأثير الحركي الإيحائي Ideomotor Effect حيث يستطيع الإنسان أن يقوم بحركات صغيرة وغير واعية استجابة لتوقعاته وأفكاره كما يحدث أحياناً مع ألواح الويجا والبندول ، ومع ذلك تبقى التجربة نموذجاً جذاباً لكيفية تمكن مجموعة من البشر من منح شخصية مختلقة إحساساً متزايداً بالاستقلال.

لم يكن فيليب إيغريغوراً بالمعنى التاريخي الدقيق، لكنه يكاد يكون تجربة مصغرة لما تتحدث عنه الفكرة: جماعة تصنع شخصية، ثم تبدأ الشخصية في الرد عليها ، إقرأ المزيد عن هذه  التجربة في مقال كيف تصنع شبحاً ؟

الإيغريغور لا يحتاج دائماً إلى وجه

ليس ضرورياً، بحسب هذا التصور، أن يظهر الإيغريغور في صورة رجل أو امرأة أو كائن غريب، فقد يكون "روح" منظمة كاملة ، بعض مدارس الباطنية الغربية تحدثت عن أن الجماعات القديمة، خصوصاً الجمعيات السرية والأوامر الروحية، تكتسب مع الزمن حضوراً نفسياً خاصاً بها،  الإنسان الذي ينضم إليها لا يدخل مجرد شبكة اجتماعية بل يدخل إلى تاريخ ورموز وتقاليد صنعتها أجيال سبقته ، قد يشعر العضو عندها أن الجماعة تعرف أكثر مما يعرفه أفرادها، وأنها تمتلك "ذاكرة" مستقلة عن أي عضو بعينه.

ومن هذه الزاوية يمكن أن يصبح الإيغريغور أقرب إلى شخصية المؤسسة نفسها، يموت الأشخاص ويأتي غيرهم لكن الهوية تبقى، تتغير الوجوه بينما تستمر اللغة والرموز والقواعد والتوقعات.

وربما لهذا السبب تحدث بعض الباطنيين عن إيغريغورات للمدن أو الأمم أو المؤسسات أو الحركات الدينية والسياسية، وليس فقط للجماعات السحرية ، لكن في هذه الحالات يصبح الخط الفاصل بين المعتقد الباطني وعلم الاجتماع رفيعاً للغاية.

بماذا يُفترض أن يساعد الإيغريغور ؟

يرى المؤمنون بالفكرة أن الإيغريغور قد يعمل كخزان للقوة الجمعية،  فالفرد الذي يشعر بالضعف يمكن، وفق تصورهم، أن يستمد الثبات من ارتباطه بالكيان الذي يمثل مجموع الجماعة، وقد ينسبون إليه الحماية أو الإلهام أو الإرشاد أو تعزيز نجاح الطقوس والمشروعات التي تعمل الجماعة من أجلها.

لكن أكثر وظائفه أهمية ربما ليست خارقة على الإطلاق ، حين ينضم الإنسان إلى جماعة قوية الهوية يصبح أكثر استعداداً للتضحية من أجلها والاستمرار في العمل ومقاومة الخوف وتحمل الصعوبات، وقد يشعر بأنه لا يعمل وحده بل يحمل خلفه تاريخاً كاملاً من الأشخاص الذين شاركوه الفكرة نفسها.

في الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، نظمت الكاتبة والباطنية البريطانية ديون فورتشون Dion Fortune سلسلة من التأملات والتصورات الجماعية بين أتباعها، كانت تعتقد أن مجموعة من الأفراد تستطيع التأثير في "العقل الجمعي" للشعب البريطاني، وتعزيز الشجاعة والثبات في مواجهة الخوف.

لا يوجد دليل على أن تلك الممارسات أنتجت قوة خارقة، لكنها تكشف بوضوح عن الوظيفة التي أرادت فورتشون تحقيقها: تحويل الأفراد المتفرقين إلى إرادة واحدة.

وهذا بالضبط ما يفعله الإيغريغور، سواء اعتبرناه كائناً روحياً أو مجرد آلية نفسية.

الوجه الآخر للإيغريغور

إذا كان من الممكن صنع إيغريغور يساعد الجماعة، فمن الممكن أيضاً ـ داخل المعتقد نفسه ـ أن يتحول إلى عبء عليها ، فكل كيان جمعي يحتاج إلى أن يستمر، وإذا كانت قوته تأتي من انتباه البشر وخوفهم وولائهم وتكرارهم للطقوس فقد يصبح الحفاظ عليه هدفاً بحد ذاته ، عندها لا تعود المؤسسة موجودة لخدمة أعضائها، بل يصبح الأعضاء موجودين لخدمة المؤسسة.

هذه الفكرة ليست غريبة حتى خارج عالم السحر،  كم من منظمة بدأت لتحقيق هدف واضح، ثم أصبحت بعد عقود منشغلة أساساً بحماية بقائها ؟ وكم من حركة استمرت بعد أن تغيرت الظروف التي أدت إلى ظهورها ؟ وكم من إنسان فعل شيئاً يرفضه شخصياً لكنه يعتقد أن "الجماعة تتطلبه" ؟

في اللغة الباطنية قد يقال إن الإيغريغور أصبح يسيطر على صانعيه ، وفي علم الاجتماع يمكن ببساطة القول إن المؤسسة اكتسبت ثقافة وضغطاً اجتماعياً أقوى من أفرادها ، لكن تبقى النتيجة في كلتا الحالتين متشابهة بشكل لافت.

التولبا والإيغريغور : فكرتان تبدوان متشابهتان

قد يبدو الإيغريغور قريباً جداً من مفهوم تولبا Tulpa وخصوصاً في صورته الغربية الحديثة التي تتحدث عن شخصية يصنعها الإنسان عبر التخيل والتركيز حتى يشعر بأنها أصبحت مستقلة عنه ، لكن الفارق الأساسي يكمن في مصدرها.

التولبا ترتبط غالباً بعقل فرد واحد، بينما الإيغريغور يولد من جماعة، التولبا قد تتحول إلى رفيق أو شخصية يتفاعل معها صاحبها بينما يمثل الإيغريغور هوية جماعية كاملة ويستمد استمراره من عدة أشخاص ، يمكن اختصار الفرق بهذه الصورة: التولبا كيان تصنعه فكرة فردية؛ الإيغريغور كيان تصنعه قصة مشتركة.

ومع ذلك فإن كليهما يطرح السؤال نفسه: هل يستطيع الإنسان أن يخلق شيئاً في ذهنه ثم يفقد السيطرة الكاملة عليه ؟

حين يصبح الإيغريغور معبوداً 

في بعض التيارات الباطنية لم يبقَ الإيغريغور مجرد رمز للعقل الجمعي، بل مُنح اسماً وهيئة، وصُنعت له تماثيل أو صور رمزية، وقد تُوجَّه إليه طقوس أو طلبات كما لو كان كياناً مستقلاً، وهنا تقترب الممارسة من مفهوم العبادة أكثر من كونها مجرد تأمل رمزي.ومن منظور العقيدة الإسلامية، فإن صرف الدعاء أو الاستغاثة أو النذر أو الاعتقاد بقدرة غيبية مستقلة لكيان مصنوع أو متخيل يدخل في باب الشرك بالله، بغض النظر عن كون ذلك الكيان موجوداً حقيقة أم مجرد نتاج نفسي جماعي، لذلك فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بفكرة "صناعة كيان" بل بما يفعله الإنسان بعد أن يمنحه اسماً وسلطة ثم يبدأ في معاملته كقوة فوق بشرية.

عندما يقترب السحر من علم النفس

هناك ظواهر معروفة في علم النفس الاجتماعي تجعل الإيغريغور مثيراً حتى لمن لا يؤمن بأي تفسير خارق.

تحدث عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم عن ظاهرة أطلق عليها لاحقاً اسم الفوران الجمعي Collective Effervescence، فعندما يجتمع عدد كبير من البشر حول هدف مشترك ويتشاركون المشاعر والحركات والرموز، تظهر حالة نفسية لا يشعر بها الفرد عادة عندما يكون وحيداً.

نراها في الحشود والمهرجانات والمباريات والتجمعات الدينية والاحتفالات الكبرى، قد يشعر الشخص فجأة بطاقة وحماسة وانتماء أقوى بكثير مما يستطيع تفسيره باعتباره شعوراً فردياً فقط.

وتؤكد دراسات علم النفس الاجتماعي أن التزامن بين الناس والمشاعر المشتركة والهوية الجمعية تستطيع زيادة التماسك والانتماء والاستعداد للتعاون والتضحية ، أي أن الجماعة تستطيع بالفعل صناعة "قوة" تغير سلوك أفرادها ، الاختلاف يبدأ فقط عند تفسير ماهية هذه القوة.

يرى عالم النفس فيها نتيجة طبيعية لتفاعل العقول البشرية، بينما قد يراها الباطني شيئاً تجاوز أصحابه وأصبح كياناً قائماً بذاته.

الكيان الذي قد نعيش بداخله دون أن نراه

ربما لا توجد حاجة إلى تصور مخلوق غير مرئي يطفو فوق أعضاء جماعة ما كي نفهم سر جاذبية الإيغريغور، فالإنسان يستطيع بالفعل صناعة شيء لم يكن موجوداً قبل أن يجتمع مع الآخرين: هوية لها اسم وشعار وقواعد وذاكرة وتاريخ ومشاعر، وبعد سنوات يمكن لهذه الهوية أن تبقى رغم موت مؤسسيها وتستقبل أعضاء لم يقابلوهم قط وتدفعهم إلى التصرف وفق مبادئ وضعت قبل ولادتهم.

نحن نصنع الشركات والحركات والأمم والجمعيات والمؤسسات، ثم نقول إن لها "شخصية" و"روحاً" و "إرادة" ، ربما تكون هذه مجرد استعارات وربما رأى الباطنيون في تلك الظاهرة شيئاً آخر وسموه "الإيغريغور".

لكن السؤال الأكثر إثارة ليس إن كان كائناً خارقاً يعيش خارج عقول البشر، بل ماذا يحدث عندما تصبح فكرة مشتركة قوية إلى درجة أن أصحابها يبدأون في الإصغاء إليها كما لو كانت كائناً حياً ؟

عندها يصبح من الصعب معرفة من يصنع من:

هل نحن الذين نصنع الإيغريغور... أم أنه يصنعنا بعد أن يولد ؟