لم يكن الطريق إلى القرية يمر بمحاذاة النهر، لكن يونس أخطأ المنعطف عند الغسق، فانتهى به الطريق إلى ضفة هادئة تحفّها أعواد القصب الطويلة، كانت الشمس تميل نحو الأفق، تلقي ضوءاً ذهبياً خافتاً على سطح الماء، وهناك، بين القصب وعند حافة النهر، رآها.
كانت تقف وسط الماء حتى ركبتيها، بثوب خمري يلتصق بهدوء بجسدها، وشعر أسود طويل تتخلله أزهار حمراء. لم تكن ترتجف رغم برودة الجو، ولم يبدُ عليها أنها ضائعة.
استدارت نحوه ببطء وقالت:
- تأخرت.
توقف يونس في مكانه.
- هل تعرفينني ؟
ابتسمت، ولم تجب.
كان في وجهها شيء يصعب مقاومته؛ ليس جمالاً فقط، بل ذلك الإحساس الغريب بأنها تعرف عنه أشياء لم يخبر بها أحداً.
تقدمت خطوة في الماء، فانتشرت دوائر صغيرة حول ساقيها، ثم مدت يدها نحوه.
- اقترب... لن أبقيك طويلاً.
كان عقله يطلب منه العودة إلى السيارة، لكن جسده تحرك نحوها.
خطوة...ثم أخرى.
وصل الماء إلى حذائه.
توقف وسألها:
- من أنتِ ؟
قالت بصوت يكاد يختلط بحفيف القصب:
- ألا تتذكرني ؟
وفجأة، حين التقت عيناه بعينيها، انفتحت في ذاكرته صورة قديمة.
كان طفلاً في التاسعة من عمره، عند هذه الضفة نفسها، حين أخرجته أمه من الماء بعدما كاد يغرق. وتذكر شيئاً آخر لم يخبر به أحداً قط: قبل أن يفقد وعيه تحت الماء، رأى فتاة تمسك بيده.
الوجه نفسه.
العينان نفسيهما.
حتى الأزهار الحمراء في شعرها.
لم تتغير ملامحها منذ خمسة وعشرين عاماً.
تراجع يونس مذعوراً.
اختفت ابتسامتها.
- كنت صغيراً حينها... لم أستطع الاحتفاظ بك.
ثم مدت يدها إليه من جديد.
- أما الآن، فأنت تستطيع أن تأتي بإرادتك.
كان عليه أن يهرب.
كان يعرف ذلك.
ومع ذلك تقدم.
دخل الماء حتى بلغ ركبتيه، ثم واصل السير نحوها كأن شيئاً خفياً يسحبه من صدره. وحين أصبح أمامها مباشرة، رفعت المرأة كفيها إلى عنقه.
شعر ببرودة أصابعها على جلده.
اقترب وجهها من وجهه.
همس يونس للمرة الأخيرة:
- هل تعرفينني ؟
لم تجبه.
قبّلته.
وللحظة بدا كل شيء ساكناً؛ النهر والقصب وحتى الهواء.
ثم حاول يونس التراجع.
لكن قدميه لم تتحركا.
نظر إلى الأسفل، وشعر بالماء يلتف حول ساقيه كقبضة. ارتفع حول جسده على نحو مستحيل، سريعاً وثقيلاً، حتى بلغ صدره ثم عنقه.
فتح فمه ليصرخ، فاندفع الماء إلى داخله.
قاوم، تخبط، وحاول رفع رأسه إلى السطح.
وحين تمكن أخيراً من فتح عينيه، وجد نفسه وحيداً وسط النهر، يشهق ويقاوم تياراً لم يكن موجوداً قبل لحظات.
رفع رأسه بصعوبة ونظر نحو الضفة.
كانت المرأة تخرج من الماء بخطوات هادئة.
وما إن وطئت اليابسة حتى بدا ثوبها جافاً، واختفت الأزهار الحمراء من شعرها، وكأن حملاً ثقيلاً سقط عنها بعد انتظار طويل.
صرخ خلفها وحاول اللحاق بها، لكن ساقيه بقيتا ثابتتين في الماء.
كان النهر يمسك به.
التفتت إليه للمرة الأخيرة.
لم تعد في عينيها تلك النظرة المغوية، بل راحة غريبة؛ راحة إنسان انتهى أخيراً من عقوبة طال أمدها.
قال يونس بصوت متقطع:
- ماذا فعلتِ بي ؟
ابتسمت.
- الشيء نفسه الذي فعله بي الرجل الذي سبقك.
ثم أدارت له ظهرها ومضت بين القصب نحو الطريق، بخطوات امرأة تستعيد العالم بعد غياب طويل.
اختفت عن نظره.
حاول يونس الصراخ، لكن صوته لم يتجاوز سطح الماء.
عندها هدأ النهر فجأة.
نظر إلى الأسفل.
على صفحة الماء رأى انعكاساً يحدق فيه.
لكنه لم يكن وجهه كما هو الآن.
كان وجهه في التاسعة من عمره.
الوجه نفسه الذي رآه النهر يوم جاء إليه للمرة الأولى.
وفهم أخيراً.
في ذلك اليوم البعيد لم تكن المرأة تحاول إنقاذه من الغرق.
كانت قد اختارته.
لكن طفلاً مذعوراً لا يستطيع أن يمنحها ما تحتاج إليه، ولا أن يأتي إليها بإرادته.
لذلك تركته يعود إلى أمه.
تركته يعيش.
يكبر.
وينسى.
حتى يأتي اليوم الذي يقف فيه أمامها من تلقاء نفسه، ويمد خطوته الأخيرة إلى الماء.
نظر يونس نحو الضفة التي اختفت خلفها المرأة.
ثم إلى النهر الذي لم يعد يسمح له بالحركة.
وأدرك أن انتظارها انتهى.
أما انتظاره هو...
فقد بدأ للتو.