في غابة ساكنة يقف مسافر وحيد بينما تحدّق إليه مخلوقات صغيرة من بين الأشجار، وفي مستنقع آخر يخرج كائن نحيل متغضّن الجلد من الوحل كأنه جزء من الأرض نفسها، أما داخل البيت الريفي فقد يجلس مخلوق كثيف الشعر قرب سرير طفل نائم، فيما تتسلل أرواح أخرى بين الحقول والبحيرات والحظائر.
هذه ليست مشاهد من فيلم رعب حديث، بل من العالم الفني الغريب الذي بناه الفنان البيلاروسي فاليري سلاوك Valery Slauk أحد أبرز رسامي الغرافيك والكتب في بيلاروسيا، والذي قضى جانباً مهماً من مسيرته وهو يمنح شياطين وأرواح وكائنات الفلكلور البيلاروسي والسلافي أشكالاً يمكن رؤيتها بعد أن ظلت قروناً تعيش أساساً في الحكايات والخرافات.
وعند النظر إلى أعماله، يصعب أحياناً تحديد أين ينتهي التراث الشعبي وأين تبدأ مخيلة الفنان.
من هو فاليري سلاوك ؟
ولد فاليري بتروفيتش سلاوك عام 1947 في منطقة فيتيبسك في بيلاروسيا، وتخرج سنة 1977 في المعهد الحكومي البيلاروسي للمسرح والفنون قبل أن يصبح لاحقاً أستاذاً للغرافيك في أكاديمية الفنون البيلاروسية، عمل بصورة أساسية في فن الكتاب والغرافيك، مستخدماً الرسم بالقلم والحفر الطباعي، أو الأوفورت Etching وهي التقنية التي أصبحت من أبرز سمات أعماله، وتحفظ أعماله في المتحف الوطني للفنون في بيلاروسيا، إلى جانب مجموعات ومتاحف في دول أوروبية أخرى.
والمفارقة أن طريقه إلى الفن لم يكن مباشراً؛ فقد درس في البداية ليصبح فنياً ميكانيكياً، وعمل فترة في وظائف بعيدة عن الفن، قبل أن تدفعه موهبته في الرسم إلى دخول المعهد الفني، إلا أن بذرة عالمه المستقبلي ربما بدأت قبل ذلك بكثير.
ففي طفولته لم تكن أسرته قادرة على شراء الكثير من الكتب، وكان يحصل عليها من مكتبة المدرسة أو من معارفه، ومن الكتب التي ظلت راسخة في ذاكرته حكايات الأخوين غريم المصوّرة برسوم غوستاف دوريه Gustave Doré، وقد قال إنه كان يتأمل نقوش دوريه حتى قبل أن يتعلم القراءة جيداً، ويحاول أن يخمّن الحكايات من الصور وحدها.
ربما لهذا السبب أصبحت الصورة عند سلاوك لاحقاً أكثر من مجرد توضيح للنص؛ إنها طريقة لإعطاء الأسطورة حياة مستقلة.
حين وجد الفنان عالم الأرواح
بدأ التحول الحقيقي عندما أُسند إليه رسم كتب تتعلق بالحكايات والفلكلور البيلاروسي، ثم عُرض عليه العمل على موسوعة من جزأين عن التراث الشعبي.
هناك وجد أمامه عالماً يكاد لا ينتهي من الكائنات: أرواح المنازل والغابات، سكان المستنقعات، شياطين الحقول، أرواح الماء، الساحرات، المستذئبون، مصاصو الدماء، العفاريت والكائنات الليلية.
ويتذكر سلاوك أن بعض المسؤولين اعترضوا على وجود ما وصفوه بـ "الشياطين" على غلاف الموسوعة، معتبرين أن الفلكلور يجب أن يظهر بصورة أكثر إشراقاً، لكنه أصر على موقفه؛ فبالنسبة إليه لم يكن رسم الشمس أو الزخارف الجميلة كافياً لتمثيل الفلكلور، بينما شخصيات مثل روح المنزل Domovik وروح الغابة Lesovik تبدو له أكثر حياة وحضوراً.
وقال في مقابلة حديثة ما معناه إن ما ابتكره الشعب لا يمكن محوه من التاريخ، حتى لو بدت تلك المخلوقات غريبة أو مخيفة للأجيال الحديثة ، ومن هنا أصبحت الميثولوجيا البيلاروسية والسلافية أحد المحاور الأساسية في أعماله.
ليست كلها «شياطين»
كلمة «شياطين» هنا تحتاج إلى بعض الحذر فعالم الفلكلور السلافي القديم لم يكن مقسماً ببساطة إلى قوى خير وقوى شر، كانت الطبيعة نفسها مأهولة، فالمخيلة الشعبية محملة بكيانات لكل منها موطن وسلوك خاص: شيء يعيش تحت سقف المنزل، وآخر وراء الأشجار، وثالث في الماء، ورابع داخل المستنقع ، بعضها قد يساعد الإنسان، وبعضها يعبث به، وبعضها يعاقبه إذا تجاوز حدوداً معينة.
ومع انتشار المسيحية لم تختف هذه التصورات تماماً، بل امتزجت بمرور الزمن مع مفاهيم الأرواح الشريرة والشياطين، ولذلك يبدو عالم الأساطير البيلاروسية كمزيج بين المعتقدات الوثنية القديمة والخرافات الريفية والحكايات الشعبية والتصورات المسيحية اللاحقة.
وسلاوك يرسم هذا العالم كله تقريباً دون أن يحاول تحويله إلى منظومة دينية واضحة ، فمخلوقاته ليست دائماً شريرة، لكنها نادراً ما تكون مطمئنة.
موسوعة بصرية للكيانات الغريبة
بلغ هذا المشروع الفني ذروته في الكتاب الشهير العالم المسحور Чароўны свет – Charouny Svet وهو كتاب عن الأساطير والحكايات البيلاروسية صدر عام 2008 مزوداً بعدد كبير من رسومات سلاوك، ثم صدرت منه لاحقاً نسخة باللغة الإنجليزية.
ويبدو الكتاب أشبه بـ موسوعة للكائنات العجيبة Bestiary.
فنلتقي مثلاً بـ روح المستنقع بالوتنيك Balotnik وفوديانيك Vodyanikو روح المياه Domovik، ساكن المنزل الخفي؛ وZlydni، مخلوقات ترتبط بالفقر والمصائب؛ وStriga؛ و Hapun؛ و Valasen؛ وBaba Yaga إضافة إلى الساحرات والمستذئبين ومصاصي الدماء وشخصيات أخرى أقل شهرة خارج أوروبا الشرقية.
ولولا رسومات سلاوك لبقي الكثير من هذه الأسماء بالنسبة إلى القارئ الحديث مجرد أوصاف قصيرة في كتب الفلكلور.
لقد أعطاها الفنان وجوهاً.
كيف يبدو الشيطان إذا وُلد في مستنقع ؟
الجانب الأكثر إثارة في فن سلاوك هو الطريقة التي يصنع بها هيئة الكائن فهو لا يتخيله عادةً مثل الوحوش الهوليوودية، ولا يمنحه عضلات ضخمة وأنياباً مبالغاً فيها، بل يتساءل بصورة ضمنية: لو عاش هذا الكائن فعلاً في هذا المكان، فكيف كان سيبدو ؟
روح المستنقع تشبه المستنقع ، جلدها رطب ومتغضن، أطرافها طويلة، وألوانها تندمج مع الطين والأعشاب والمياه الراكدة أما روح الغابة فقد تبدو كأن لحاء الأشجار تحول إلى جلد، والجذور إلى أصابع، والطحالب إلى شعر ، وكائنات البيوت غالباً ما تحمل شيئاً من ملامح الفلاحين المسنين: لحى وشعر منكوش وملابس ريفية وأحذية بسيطة وأجساد صغيرة ملتوية ، وهنا تكمن قوة رسوماته: الخيالي ينمو من الواقعي.
لا نشعر أن الوحش هبط من كوكب آخر؛ بل نشعر أنه ظل طوال الوقت مختبئاً خلف الشجرة التي يمر بجوارها الفلاح كل مساء.
بين الرعب والسخرية
مع ذلك، لا يمكن وصف أعمال سلاوك بأنها "فن رعب" بالمعنى المباشر ، فبعض مخلوقاته مخيف، وبعضها قبيح، وبعضها يبدو مضحكاً أو حتى أليفاً، ويستخدم الفنان أحياناً شيئاً من الكاريكاتير والمبالغة التشريحية: أنوف طويلة، سيقان نحيلة، ظهور منحنية وابتسامات ساخرة ، وهذه إحدى الخصائص التي تميز الديمونولوجيا الشعبية عن وحوش الرعب الحديثة.
فالشيطان الشعبي قد يكون مرعباً، لكنه قد يكون أيضاً أحمق، جشعاً، كسولاً أو سهل الخداع. وفي كثير من الحكايات الشعبية يستطيع الإنسان الإفلات منه بالحيلة.
لذلك نجد في أعمال سلاوك شيئاً غريباً: قد تنظر إلى مخلوق قادم من العالم الآخر، ومع ذلك تشعر بأنه يمتلك شخصية بشرية مألوفة.
الغضب والطمع والكسل والخوف والفضول والمكر كلها موجودة على وجوه تلك الكائنات وكأن الأسطورة تستخدم الوحش لتتحدث عن الإنسان.
عندما تصبح الطبيعة نفسها مسكونة
وربما أجمل ما في لوحات سلاوك أن الكائن ليس دائماً مركز الصورة، فالغابة والمستنقع والحقل والبيت القديم لا تعمل لديه كخلفيات فقط، بل كجزء من الأسطورة نفسها.
الأشجار ملتوية، الماء ساكن أكثر مما ينبغي ، الأفق بعيد ومفتوح والكائن الغريب قد يحتل زاوية صغيرة من المشهد.
هذه العلاقة بين البيئة والمخلوق تعكس شيئاً عميقاً في الفلكلور القديم: الإنسان لم يكن ينظر إلى الطبيعة باعتبارها مادة صامتة، بل باعتبارها مكاناً مأهولاً بإرادات خفية.
الغابة يمكن أن تضللك ، النهر يمكن أن يأخذك ، المنزل يمكن أن يغضب منك والمستنقع ربما كان يخفي شيئاً يراقب خطواتك.
وفي المجتمعات التي عاشت قروناً قرب الغابات الكثيفة والمستنقعات الواسعة في بيلاروسيا وأوروبا الشرقية، لم يكن من الصعب أن تولد مثل هذه التصورات.
هل كل هذه الكائنات قديمة فعلاً ؟
ليس كل ما يوصف اليوم بأنه "ميثولوجيا سلافية قديمة" موثقاً بالدرجة نفسها، فقد أشار باحثون في الفلكلور البيلاروسي إلى أن بعض كتّاب القرن التاسع عشر ربما بالغوا في أوصاف بعض الآلهة والكائنات، أو حتى ابتكروا شخصيات ثم قُدمت لاحقاً على أنها معتقدات شعبية أصلية.
ومن أشهر الحالات المثيرة للجدل بعض الشخصيات التي نقلها الكاتب والإثنوغرافي بافل شبيليفسكي Pavel Shpilevsky ويشير باحثون إلى أن كائنات مثل غارتسوكي Gartsuki التي وصفها بأنها أرواح مرتبطة بالإله بيرون، لا تظهر بصورة مستقلة في المادة الإثنوغرافية التي جُمعت لاحقاً.
واللافت أن سلاوك نفسه كان يبحث بتأنٍ في الأوصاف الفلكلورية قبل رسم الشخصيات؛ لكن الفنان لا يستطيع دائماً معرفة أين ينتهي التراث الشفهي وأين تبدأ إضافات المؤلفين والجامعين السابقين.
وبذلك تتحول لوحاته دون قصد إلى طبقة جديدة من الأسطورة: رواية قديمة، دوّنها باحث، ثم قرأها فنان، فرسم منها مخلوقاً أصبح شكله بدوره جزءاً من المخيلة الشعبية الحديثة.
الفنان الذي صنع ذاكرة بصرية للأسطورة
وهنا ربما تكمن أهمية فاليري سلاوك الحقيقية ، فهو لم يخترع معظم هذه الكائنات، لكنه فعل شيئاً لا يقل أهمية: جعلنا نعرف كيف يمكن أن تبدو ، قبل الصورة هناك كلمة: «روح المستنقع» ، بعد سلاوك هناك وجه وجسد وعينان ويدان وطريقة للجلوس فوق الماء.
وهكذا ساهمت رسومه في صناعة هوية بصرية حديثة للفلكلور البيلاروسي، بل إن بعض مشاريعه الفنية تحولت لاحقاً إلى مجسمات ومعارض ثلاثية الأبعاد، حيث استخدمت رسوماته أساساً لإعادة بناء شخصيات الأساطير وكأنها خرجت من صفحات الكتب إلى العالم الحقيقي ، ولا عجب أن يُنظر إليه اليوم بوصفه واحداً من أكثر الفنانين ارتباطاً بتصوير عالم الكائنات الأسطورية في بلاده.
عالَم يقف على حافة الواقع
ربما لا تكمن رهبة أعمال سلاوك في شكل وحوشه بقدر ما تكمن في قابليتها للتصديق داخل عالمها ، إنها لا تقول لنا إن شياطين المستنقعات وأرواح الغابات موجودة فعلاً، لكنها تنجح في إعادة بناء العالم الذي كان أجداد سكان تلك المناطق يتخيلونها فيه.
فبعد آخر بيت تبدأ الغابة، وبعد الغابة يأتي المستنقع، وبعد غروب الشمس لا يعود الإنسان وحده تماماً ، ومن خلال خطوط القلم والحفر والألوان الخافتة، استطاع فاليري سلاوك أن يفتح نافذة على ذلك الزمن؛ زمن كانت فيه الأصوات القادمة من الأشجار تحتاج إلى تفسير، وكانت الظلال على سطح الماء قد تتحول إلى روح، وكان لكل مكان تقريباً ساكن غير مرئي.
ولهذا يمكن النظر إلى أعماله على أنها أكثر من مجرد رسومات للحكايات ، إنها محاولة لاستعادة المخيلة الخفية لشعب كامل، وتحويل ما عاش قروناً في القصص والخوف والهمس حول المواقد إلى صور واضحة أمام أعيننا.
وبينما نعرف أن تلك الكائنات تنتمي إلى الأسطورة، يترك لنا سلاوك سؤالاً صغيراً مزعجاً بعد كل لوحة:
لو كانت تلك القصص صحيحة يوماً… أليست هذه تقريباً هي الهيئة التي كنا نتوقع أن نراها ؟