ليست كل أفلام الرعب تخيفنا بالوحوش والأشباح، فبعضها يزرع الخوف بطريقة أكثر هدوءاً وعمقاً؛ بأن يجعلنا نشك في طبيعة الواقع نفسه. هذا ما فعله فيلم Lost Highway أي "الطريق المفقود" الصادر عام 1997 للمخرج ديفيد لينش والذي تحول خلال العقود الماضية إلى واحد من أكثر الأعمال السينمائية غموضاً وإثارة للنقاش.
وحتى اليوم، لا يزال المشاهدون والنقاد يختلفون حول سؤال بسيط ظاهرياً: هل ما يحدث على الشاشة مجرد انهيار نفسي، أم أن هناك بالفعل قوة خارقة تتلاعب بالبطل ؟
ولعل هذا التردد بين التفسير النفسي والتفسير الماورائي هو ما منح الفيلم مكانته الخاصة، وجعله مادة مثالية لكل من يهتم بالأسرار والظواهر الغامضة.
طريق ضائع... وهوية تضيع معه
تبدأ القصة بعازف الساكسفون فريد ماديسون الذي يعيش مع زوجته في منزل هادئ، قبل أن تبدأ سلسلة من الأحداث المقلقة، تصل إلى منزله أشرطة فيديو مجهولة تُظهر المنزل من الخارج، ثم من الداخل، وكأن شخصاً اقتحمه وصور كل زاوية فيه أثناء نومهما.
بعد ذلك يلتقي في حفلة رجلاً شديد الغرابة يخبره بهدوء أنه موجود في منزله في هذه اللحظة نفسها، ثم يناوله هاتفاً ليتصل بالمنزل، فيسمع فريد صوت الرجل يجيبه من هناك بالفعل.
لاحقاً يُتهم فريد بقتل زوجته، وبينما ينتظر تنفيذ الحكم يحدث أمر يستحيل تفسيره: يختفي من زنزانته، ويظهر مكانه شاب آخر يدعى بيت دايتون، لا يعرف أحد كيف دخل السجن ولا لماذا أصبح هناك.
من هذه اللحظة يفقد الفيلم أي التزام بالمنطق التقليدي، وتتحول الهوية والزمن والذاكرة إلى عناصر سائلة لا تخضع لقوانين العالم الواقعي.
الرجل الغامض
إذا كان للفيلم رمز واحد بقي عالقاً في ذاكرة المشاهدين، فهو شخصية الرجل الغامض Mystery Man ، وجهه الشاحب وابتسامته الجامدة وطريقته الهادئة في الحديث تجعل حضوره مزعجاً حتى قبل أن يقوم بأي فعل، لكنه لا يبدو مجرد إنسان غريب بل كائن يعرف أشياء لا ينبغي لأحد أن يعرفها، ويظهر في أماكن يستحيل أن يكون فيها، وكأنه خارج قوانين المكان والزمان.
في المشهد الأشهر، يقول لـ فريد: "أنا في منزلك الآن."
وحين يطلب منه الاتصال بالمنزل، يأتيه الصوت نفسه من الطرف الآخر.
هذا المشهد وحده كان كافياً ليولد عشرات النظريات حول طبيعة الرجل الغامض.
هل كان كياناً ماورائياً ؟
يرى كثير من محبي الفيلم أن الرجل الغامض ليس شخصاً عادياً، بل كيان يتجاوز الواقع.
البعض شبهه بالشيطان في التراث المسيحي، لا لأنه يظهر بقرون أو هيئة مرعبة، بل لأنه يعرف الخفايا ويكشف الذنوب ويبدو قادراً على تجاوز الحدود الطبيعية.
ويرى آخرون أنه يمثل "الموت"، أو قدراً لا يستطيع الإنسان الهرب منه مهما حاول تغيير هويته أو ماضيه.
وهناك من ذهب أبعد من ذلك، فاعتبره كائناً بين الأبعاد، أو تجسيداً لوعي كوني يراقب الشخصيات ويتدخل في مصائرها.
الفيلم لا يؤكد أياً من هذه الفرضيات، لكنه أيضاً لا ينفيها، وهو ما أبقى الباب مفتوحاً أمام كل هذه التأويلات.
الوجود في مكانين في وقت واحد
أحد أكثر عناصر الفيلم إثارة هو فكرة وجود الرجل الغامض في مكانين في اللحظة نفسها.
في الأدبيات الدينية والصوفية توجد ظاهرة تعرف باسم الوجود المزدوج أو Bilocation، وهي الاعتقاد بأن شخصاً واحداً يمكن أن يظهر في موقعين مختلفين في الوقت ذاته، وقد نسبت هذه الظاهرة في بعض التقاليد إلى عدد من القديسين والمتصوفة، كما تظهر أيضاً في قصص روحية من ثقافات متعددة.
لكن فيلم Lost Highway يقدم الفكرة بصورة أكثر إزعاجاً، إذ تتحول من "كرامة" روحية إلى حضور يبعث على الخوف، وكأن الشخصية تواجه كائناً لا يخضع لقوانين الفيزياء.
ولا يعني ذلك أن الفيلم يستند إلى هذه المعتقدات مباشرة، لكنه يوظف فكرة مألوفة في التراث الروحي ليصنع منها حالة من الرعب الوجودي.
عندما تصبح الهوية سجناً
هناك تفسير آخر يرى أن الفيلم لا يتحدث عن كائنات خارقة إطلاقاً، بل عن الإنسان عندما يعجز عن مواجهة الحقيقة.
وفق هذا الرأي، فإن تحول فريد إلى بيت ليس حدثاً حقيقياً، بل هروب نفسي كامل من الشعور بالذنب، وهو ما يشبه بعض اضطرابات الانفصال التي قد يبني فيها العقل واقعاً بديلاً يصعب التمييز بينه وبين الحقيقة.
ومن هذا المنظور يصبح الرجل الغامض مجرد تجسيد للضمير، أو للجزء المظلم من النفس الذي يرفض أن يختفي مهما حاول الإنسان دفنه.
هذه القراءة تحظى بتأييد عدد كبير من النقاد، لكنها لا تفسر جميع تفاصيل الفيلم، وهو ما أبقى الغموض قائماً.
الزمن الذي يدور في حلقة مغلقة
لا يسير الزمن في الفيلم بخط مستقيم ، الأحداث تبدو وكأنها تبدأ من نهايتها، ثم تعود لتلتهم بدايتها، حتى يشعر المشاهد أنه يدور داخل حلقة لا يمكن كسرها.
هذه البنية الدائرية جعلت بعض الباحثين يقارنون الفيلم بأفكار فلسفية قديمة ترى أن الزمن ليس نهراً يتدفق إلى الأمام، بل دائرة تتكرر فيها الأحداث بأشكال مختلفة، بينما وجد آخرون تشابهاً مع منطق الأحلام، حيث يمكن للأسباب أن تأتي بعد نتائجها دون أن يشعر الحالم بأي تناقض.
لماذا ما زال الفيلم يحير الناس ؟
تمر سنوات طويلة على كثير من الأفلام ثم تستقر معانيها ويصبح تفسيرها واضحاً، أما هذا الفيلم فقد حدث له العكس تماماً.
كل جيل جديد من المشاهدين يخرج بنظريات مختلفة. بعضهم يراه قصة عن الذنب، وبعضهم يراه رحلة في اللاوعي، وآخرون يعتقدون أنه يصف تدخلاً لقوة غير بشرية في حياة الإنسان.
واللافت أن ديفيد لينش نفسه رفض طوال حياته تقريباً أن يقدم تفسيراً نهائياً لأعماله، معتبراً أن الفيلم ينبغي أن يبقى تجربة يعيشها المشاهد، لا لغزاً له إجابة رسمية.
بين العلم والماورائيات
يصعب إدراج الفيلم ضمن تصنيف واحد ، فعلم النفس يجد فيه مادة غنية لدراسة الهوية والذاكرة وآليات الدفاع النفسي، بينما يجد عشاق الماورائيات فيه إشارات إلى كيانات غامضة، والزمن الدائري، والوجود في مكانين، والحدود الهشة بين الحلم واليقظة.
ولعل سر بقاء الفيلم حياً حتى اليوم أنه لا يجبر المشاهد على اختيار تفسير واحد، بل يتركه واقفاً عند تلك المنطقة الرمادية التي يلتقي فيها العقل بالأسطورة، والواقع بالكوابيس.
وربما لهذا السبب، وبعد ما يقارب ثلاثة عقود من صدوره، لا يزال Lost Highway واحداً من أكثر الأفلام قدرة على إثارة سؤال لا يملك أحد إجابته: عندما يتصدع الواقع أمام أعيننا... هل نكون قد دخلنا عالم الماورائيات، أم أننا ننظر فقط إلى أعماق العقل البشري ؟