منذ أن صدرت لعبة فاسموفوبيا  Phasmophobia عام 2020 لم تحقق نجاحها لأنها مجرد لعبة رعب، بل لأنها قدمت تجربة مختلفة تماماً عن المعتاد، ففي معظم ألعاب الرعب يكون اللاعب ضحية تحاول النجاة، أما هنا فهو يدخل المنزل المسكون بإرادته، مزوداً بمجموعة من الأجهزة التي يدعي باحثو الظواهر الخارقة استخدامها في الواقع لكشف الأشباح وتحديد هويتها.

وقد جعل هذا الأسلوب اللعبة واحدة من أشهر ألعاب الرعب التعاونية في العالم، وأثار فضول كثيرين حول سؤال مهم: هل تستند هذه الأجهزة والطرق إلى ممارسات حقيقية، أم أنها مجرد اختراع من خيال المطورين ؟

لعبة جعلتك تحقق مع الأشباح

تبدأ المهمة عادة بتلقي بلاغ عن منزل أو مدرسة أو مستشفى مهجور يُعتقد أنه مسكون، يدخل اللاعب مع فريقه مزوداً بكاميرات، وأجهزة استشعار ودفتر ملاحظات ومصابيح ومعدات أخرى، ثم يحاول جمع أدلة تسمح بتحديد نوع الشبح الموجود.

لا يعتمد الفوز على القضاء على الوحش كما في معظم الألعاب، بل على التفكير الهادئ، وجمع الأدلة، وربطها معاً للوصول إلى الاستنتاج الصحيح، مع محاولة النجاة إذا قرر الشبح مهاجمة الفريق.

هذه الفكرة جعلت اللعبة أقرب إلى محاكاة لتحقيقات ما وراء الطبيعة منها إلى لعبة رعب تقليدية.

أداة كشف المجالات المغناطيسية

من أول الأجهزة التي يحصل عليها اللاعب جهاز جهاز قياس المجالات المغناطيسية EMF Reader، وهو ربما أشهر قطعة معدات في اللعبة.

في الواقع، يقيس هذا الجهاز المجالات الكهرومغناطيسية الناتجة عن الأسلاك الكهربائية أو الأجهزة الإلكترونية أو مصادر الطاقة المختلفة.

لكن منذ سبعينيات القرن الماضي بدأ بعض باحثي الظواهر الخارقة يعتقدون أن ظهور ارتفاعات مفاجئة في المجال الكهرومغناطيسي قد يكون مؤشراً على وجود كيان غير مرئي، ولذلك أصبح الجهاز من أشهر أدوات ما يعرف بـ"صيد الأشباح".

رغم ذلك، لا توجد حتى اليوم أدلة علمية تثبت أن الأشباح تنتج حقولاً كهرومغناطيسية، ويرى العلماء أن معظم القراءات يمكن تفسيرها بمصادر كهربائية عادية أو بتداخلات في البيئة المحيطة.

أما في اللعبة، فإن الوصول إلى المستوى الخامس من القراءة يعد دليلاً قوياً على نوع معين من الأشباح.

أداة صندوق الأرواح

من أكثر الأدوات إثارة للجدل جهاز صندوق الأرواح Spirit Box ، يقوم هذا الجهاز بالانتقال بسرعة بين موجات الراديو، ويعتقد بعض المشتغلين بالباراسيكولوجي أن الأرواح تستطيع استغلال الضوضاء الناتجة لتكوين كلمات أو عبارات مفهومة.

يعرف هذا الأسلوب باسم ظاهرة الصوت الإلكتروني  Electronic Voice Phenomena (EVP)، وقد انتشر في آلاف مقاطع الفيديو على الإنترنت.

لكن الدراسات العلمية لم تثبت صحة هذه الظاهرة، ويعتقد علماء النفس أن كثيراً مما يسمعه الناس يعود إلى ظاهرة تعرف باسم الباريدوليا السمعية، حيث يحاول الدماغ إيجاد كلمات وأنماط داخل أصوات عشوائية.

أما في اللعبة، فإن صندوق الأرواح يجيب فعلاً عن أسئلة اللاعب إذا كان الشبح من الأنواع التي تستخدم هذه الوسيلة.

البقع الباردة

يحمل اللاعب أيضاً ميزان حرارة يبحث به عن غرف تنخفض حرارتها بشكل غير طبيعي ، ويرجع ذلك إلى اعتقاد واسع الانتشار بين محققي الأشباح بأن وجود كيان غير مرئي قد يؤدي إلى ظهور ما يسمى البقع الباردة أو الانخفاض المفاجئ في درجة الحرارة.

ورغم أن بعض الأشخاص يبلغون بالفعل عن الإحساس ببرودة مفاجئة أثناء التجارب الغريبة، فإن العلماء يشيرون إلى أن السبب غالباً يكون تيارات هوائية خفية، أو اختلافات طبيعية في توزيع الحرارة داخل المباني القديمة.

كاميرات الرؤية الليلية ورصد الأجسام الطائرة

تستخدم اللعبة كاميرات خاصة يمكنها رؤية ما يعرف بـ أضواء الأشباح الطائرة Ghost Orbs وهي نقاط ضوئية صغيرة تتحرك في الهواء.

وفي عالم التحقيقات الخارقة، يدور جدل طويل حول هذه الظاهرة، إذ يرى المؤمنون أنها دليل على وجود الأرواح، بينما يعتقد المصورون وخبراء البصريات أنها غالباً ليست أكثر من غبار قريب من العدسة، أو قطرات رطوبة، أو حشرات صغيرة تعكس ضوء الأشعة تحت الحمراء ، ولهذا تعد "الأوربس" من أكثر الأدلة إثارة للانقسام بين المؤمنين والمشككين.

الكتاب الذي تكتب فيه الأشباح

قد يضع اللاعب دفتراً على الأرض منتظراً أن تظهر عليه كلمات أو رسومات غامضة ، وتستند هذه الفكرة إلى تقارير متفرقة في أدبيات الروحانيات تزعم أن كيانات مجهولة تستطيع الكتابة أو الرسم تلقائياً، وهي امتداد لفكرة الكتابة التلقائية Automatic Writing التي ظهرت في جلسات تحضير الأرواح خلال القرن التاسع عشر.

لكن علماء النفس يفسرون معظم هذه الحالات بظاهرة التأثير الأيديوحركي، حيث يقوم الشخص نفسه بحركات دقيقة لا يدركها، أو بتأثير التوقع والإيحاء.

هل توجد فعلاً أنواع مختلفة من الأشباح ؟

في اللعبة توجد عشرات الأنواع، ولكل منها صفات وسلوكيات مختلفة، مثل سرعة الحركة، وطريقة الصيد، ونوعية الأدلة التي تتركها.

أما في التراث الشعبي، فالأمر أكثر تعقيداً؛ إذ تختلف تصنيفات الكيانات من ثقافة إلى أخرى، ففي الغرب نجد الأشباح، والأرواح الهائمة، والبولترغايست (ظاهرة الأشباح الضاجة)  والكيانات الشيطانية، بينما تتحدث ثقافات أخرى عن الجن أو الأرواح الحارسة أو الكائنات المرتبطة بأماكن معينة.

ولا يوجد نظام علمي معتمد يصنف هذه الكيانات، بل هي تصنيفات نشأت داخل الفولكلور والمعتقدات الشعبية.

لماذا تبدو اللعبة واقعية إلى هذا الحد ؟

يكمن سر نجاح  فاسموفوبيا Phasmophobia في أنها لم تخترع معظم أدواتها من الصفر بل استعارتها من عالم التحقيقات الخارقة الحقيقي، ثم أعادت تنظيمها داخل نظام لعب متماسك.

فاللاعب يشعر بأنه يشارك في تحقيق ميداني حقيقي، لأن أسماء الأجهزة، وطريقة استخدامها، وحتى المصطلحات المتداولة، مأخوذة من عالم معروف بين هواة صيد الأشباح.

لكن اللعبة تضيف عنصراً خيالياً أساسياً: فهي تفترض أن الأشباح تستجيب دائماً بطريقة يمكن التنبؤ بها، وأن الأدلة تقود في النهاية إلى إجابة صحيحة، أما في الواقع فإن التحقيقات في الظواهر الخارقة نادراً ما تصل إلى نتائج حاسمة، وغالباً ما تبقى التفسيرات محل جدل بين المؤمنين والمشككين.

بين الترفيه والإيمان

ربما يكون أعظم إنجاز حققته لعبة  Phasmophobia أنها أعادت إحياء اهتمام ملايين اللاعبين بموضوع قديم قدم الحضارة الإنسانية: هل يمكن التواصل مع الأرواح  ؟ وهل توجد بالفعل أماكن تسكنها كيانات غير مرئية ؟

اللعبة لا تقدم إجابة، لكنها تدعو اللاعب إلى خوض تجربة يشعر فيها وكأنه محقق في عالم ما وراء الطبيعة، مستنداً إلى أدوات مستوحاة من ممارسات حقيقية، وإن كانت فعاليتها لم تثبت علمياً.

ولهذا تبقى لعبة Phasmophobia أكثر من مجرد لعبة رعب؛ إنها نافذة على عالم تتداخل فيه الأساطير، والباراسيكولوجي، والتقنيات الحديثة، والفضول الإنساني الذي لم يتوقف يوماً عن البحث عما قد يختبئ في الظلام.