الاماكن لا تنسى... أنها تتذكّر.

تتذكّر كل شيء،

وتعيد بثّ الأحداث القديمة، لا كذكرى، بل كواقع مُعلّق يتكرر من جديد وإن كان ذلك بطريقة غير منتظمة ، ورغم عشوائيته الظاهرة، هناك دائمًا إحساس بأن هناك قوة غامضة، أشبه بيد غير مرئية تُرتّب هذا البث.

أحيانًا، يسمع صوتًا ينادي، أو خطوات خافتة تشقّ أرضية غرفة. يُخيّل أن ظلًا أسود مرّ بطرف العين، ثم يسيطر ذلك الإحساس الخفيف، لكنه ثابت: هذا المكان يتذكّر.

لا شيء يحدث صدفة. حتى صرير الأبواب، اهتزاز الأشياء، كلها ليست عشوائية. بل صدى لحركة كانت تحدث كل يوم، تخصّ شخصًا عاش هنا.

الذكريات، حين تكون ثقيلة، تترك أثرًا لا يُمحى. هي لا تُخزّن فقط، بل تُمتص، كما تمتص الجدران دخان السجائر. ومع الوقت، لا تعود الجدران صامتة، بل مشبعة بما حدث، مُحمّلة بأنفاس من رحلوا، وصدمات من عاشوا هنا. ولأن بعض الذكريات تُجرح، لا تُحفظ فحسب، فإن المكان يظل يصرخ بها، كلما سنحت له فرصة... أما نحن، فنسمّيها مجرد "مشاعر غريبة". لكنها ليست كذلك. لأن الذكرى، بالنسبة للمكان، ليست ماضي...

بل حدث لم ينتهِ بعد.

ربما لهذا السبب، لم أعد أرى النافذة المقابلة كجزء من شقة عادية، بل كجرح.

نافذة في المبنى المقابل لبيتنا، تجرح شرفتنا منذ سنوات. لا تتغيّر، لا تُغلق. تحدّق إليّ بثبات، تنتظر شيئًا... أو تتحداني أن أكتشفه.. فبدأت ألاحظ أن ألوان الغرفة خلفها لا تتغير، مهما تغيّر سكانها. يتبدل الأثاث، يختلف التصميم، تتغيّر الزوايا... لكن اللون يبقى بنّي فاتح يكسو الجدران، وإطار سقف داكن، وباب يغرق في نفس القتامة.

الشقة تفرض ذوقها على من يسكنها، تملي طابعها الخاص، كما لو أن للمكان إرادة، يختار بها ساكنيه.

أذكر أول ساكن رأيته، كان يملك دولابًا ضخمًا بلون يطابق بنّي الغرفة، وضوء أبيض حاد يغمر المساحة، يزيدها كآبة، كما لو كانت الغرفة مخصّصة لحفظ ذكرى واحدة، لا تُنسى. كنا أطفالًا آنذاك، وسمّيناها "شقة العفاريت". لم تكن مسكونة بقدر ما كانت مهجورة أغلب العام، ونافذتها دائمًا مفتوحة... في انتظار لا يكلّ.

ولسنوات، مرّ كل ذلك دون أن ألتفت.

ظننتها شقة تُباع وتُشترى، يتبدّل سكانها كل فترة، وتنتهي الحكاية.

لكن شيئًا ما بدأ يتكرّر..

لاحظتُ أن باب الغرفة يظلّ مغلقًا طوال ساعات النهار، وما إن تغرب الشمس حتى يُفتح الباب وتُضاء الأنوار، فيبقى على هذا الحال حتى مطلع الصباح. وقد راودني فضول غامض دفعني ذات مرة إلى مراقبة الأمر؛ علّني أرى من يفتح الباب ويشعل المصابيح. جلستُ على الكرسي في الشرفة أترقّب بصبر مشوب بالرهبة، لكن النعاس غلبني، فأغمضتُ عينيّ بضع دقائق فقط. وحين أفقتُ، لم أعرف إن كان أحد السكان قد قام بالفعل بذلك، أم أنّ الباب والأنوار يتحركان من تلقاء نفسيهما، وربما... ربما ما جعلني ألاحظ، هو هذا الملل الذي أصبح ظلًا لا يفارقني. منذ بدأت أعمل من المنزل، تحوّل كل يوم إلى نسخة باهتة من الذي قبله. أصبحت أبحث عن أي تفصيلة تُشعرني أن شيئًا ما ما زال يتغير. ومن بين كل شيء حولي، لم يجذبني سوى تلك النافذة. صرت أقف في الشرفة كل مساء، أراقب المارة، السيارات، والنافذة. أقف لنصف ساعة أو أكثر، لا يحدث شيء، لكنني لا أتحرّك. أراهن على لحظة قد لا تأتي. كما لو كان داخلي ينتظر شيئًا، لا أعرف ما هو، لكنه هناك. خُيّل إليّ ذات مرة، أن الزجاج لم يكن موجودًا. كأن أحدهم ركّبه للتو. نظرت جيدًا، فلم أجد أثرًا للتغيير، ومع ذلك، لم يختفِ الشعور.

يا للملل... كم هو بارع في تحويل الفضول إلى طقس يومي، طقس لا يُكسر.

وقد كان فعلًا. تحوّلت مراقبة النافذة إلى طقس يومي لا أستطيع كسره. بدأت أحدّث إحدى صديقاتي عنها، وأشاركها أفكاري كأنني أروي لها مسلسلًا بطيئًا، لا يحدث فيه شيء، لكنه يوشك أن ينفجر في أي لحظة. كنا ننتقل في حديثنا بين "ماذا لو؟" و"مجرد خرافات". وفي أحد الأيام، تمادينا في التخمين، فاقترحت هي، ضاحكةً في البداية، أن أحدًا ما قُتل في تلك الشقة. قتيلٌ بالسم، في تلك الغرفة بالذات، حيث النافذة ذات الفم الذي لا يُغلق أبدًا... نافذة تشبه تمساحًا في قاع النهر، صامتة، لكنها تبتلع كل ما يقترب منها. ومن يومها، ظلّت الفكرة ترافقني: ربما روح ذلك القتيل لا تزال هناك. عالقة. ربما هو السبب في أن كل ساكن لا يمكث طويلًا، فالشرّ يرفض وجود أحد غيره، يزعجهم، يطاردهم بصمته، حتى يفرّوا، تاركين الغرفة خلفهم، خالية، تجوبها الرياح... والشبح.

فكرة طفولية، لكنها بدت الأقرب إلى المنطق، أو ربما الإجابة على سؤال لا أعرف من أين أبدأ في طرحه، ولا من أوجه له السؤال. ربما وجدت في هذه الفكرة ملجأ لعقلي، يهدئه ويخفف عنه هوس النافذة التي أعيش بالقرب منها ما يقرب من الثلاثين عامًا.

في إحدى المرات، ضحكت من نفسي وأنا أنظر إلى النافذة، أبحر في ظلامها، وأظن في داخلي أن شيئًا ما هناك ينظر إليّ بالمقابل. في البداية، كان الأمر مضحكًا، لكن مع تكرار هذه اللحظات، بدأ الغموض يتسلل إليّ.

تذكرت مقولة نيتشه عن التحديق في الهاوية، فأدركت أن الغرق في هذا الجنون لن ينفعني بشيء. قلت لنفسي، وكأنني أفيق من غفلة: "كفى عبثًا. هذه النافذة قد تثير جنونك، والحنين لأكاذيب الطفولة يدفعك لخلق خرافات لا وجود لها".

وبالرغم أنني أخاف الظلام، إلا أن فيه شيئًا يجذبني دائمًا. فضول لا أفهم مصدره، لكنه يمنحني إحساسًا غريبًا يصعب وصفه... حين أمرّ بمكان مهجور، أو أعبر بجوار ركن مظلم أعرف أنه مهمل، لا تطؤه أقدام، ينتابني شعور لا يشبه الخوف العادي. هو أقرب ما يكون إلى الإحساس الذي يأتيني عندما أسمع خبر وفاة أحدهم... لا حزن، بل صمت داخلي كثيف، يشبه لحظة ما بعد الموت. ليس موت الآخرين، بل موتي أنا. شعور يشبه أول خطوة نخطوها نحو القبر، تلك اللحظة التي تتجرد فيها من كل شيء، ويصبح كل ما حولك خامدًا، لكنه حاضر بقوة جارفة. الغريب أن هذا الإحساس، رغم ثقله، يمنحني شيئًا من الراحة. كأنني أستسلم لشيء أعمق من الخوف، شيء مألوف رغم غرابته. هو ألم خافت، لكنه يوقظ شيئًا ما بداخلي. شعور لاذع، لا يسكن القلب، بل يستقر في منتصف بطني... ليس وجعًا تمامًا، بل خوف من نوع آخر. خوف يشبه حضنًا باردًا لكنه مألوف.

ذلك الشعور يجرني لئلا أبرح مكاني، أحدق بلا انقطاع في النافذة...

ها أنا الآن أعدّ الساعات، والوقت يزحف ببطء، والساعة تدق الحادية عشر مساءً. في انتظار شيء ما أن يحدث، رغم أنني لا أعرف ما هو بالضبط.

أقرر أخيرًا أن أهرب قليلًا، أفتح التلفاز وأشاهد فيلمًا يحاول أن يشغلني عن صمت الليل الثقيل. لكن الغفوة تغلبني، وأستيقظ بعد ساعات؛ عقارب الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل الآن. كم أعشق هذا الصمت، ذلك الفراغ الذي يمنحني شعورًا زائفًا بأن العالم ملكي وحدي للحظات.

لحظة...

.....

شيئًا ما قد تغيّر. طاقة المكان تكتسب وزنًا جديدًا كلما اقتربت من الشرفة، شيء لا يُرى لكنه يُحس.

النافذة ...!

كيف يمكن أن يكون هناك نافذة ثانية ؟! لا أحد يمكنه أن يضيفها بين ليلة وضحاها..

ربما أتوهم، وربما أثقلت عينيّ ساعات السهر "نعم، إنها فقط إرهاق العينين... يجب أن أذهب للنوم."

ذلك الإرهاق كان نتيجة يوم طويل، مليء بالأعمال التي لم أتمكن من إنجازها كلها.

قررت أن أضيء ضوء السهرة الهادئ لأسترخي، ثم أغفو في نوم عميق. أضبط المنبه على موعد عملي، لكن لا أتذكر ما أكلت اليوم. ربما العدّ للخراف سيساعدني على النوم، يقولون إنها طريقة تُفيد الأطفال، فلأجربها..

...واحد... اثنان... ثلاثة

لكن فجأة، خطرت لي صورة النافذة... تلك النافذة الغريبة التي لم ألحظها من قبل..

أربع... خمس...

صوت عقارب الساعة يزداد وضوحًا، والمشهد يسيطر على ذهني..

ستة... أو ربما سبعة ؟

لم أعد أفرق بين العدّ والخيال.

النافذتان الآن، تتلألآن أمام عيني، لا أستطيع تجاهلهما، ولا أستطيع تجاهل قلبي الذي بدأ يخفق بسرعة..

أظنني سأتعلم كيف أتيه في منامي، وأحوك حلمًا بيديّ، عمدًا، كي أفرّ من التفكير في تلك النافذة... وما يتوارى خلفها. لكن النوم نفسه بات يفرّ من جفوني، كأنه يخشى مصيره إذا تسلل إلى عقلي.

كيف لشيء باسط ذراعيه، لا يستر من نفسه شيئًا، أن يفيض بهذا الكم من الغموض ؟

وكيف لفكرة عابرة، أن تصبح إعصارًا يشقّ طبقات وعيك، ويبتلع ظلالك الداخلية ؟

أي سحر هذا، حين تُبنى بيوت الخوف في أغوار الروح بخيوط من خيالك وحده ؟

لكن، أين ذلك الباب الذي يفصل بين الخيال والحقيقة ؟

وهل ثمة باب أصلًا ؟

أم أن الفاصل أكثر هشاشة من أن يُرى، وأقرب إلى الوهم منه إلى الحدود ؟

وهل هناك حقًا فاصل يمكنك أن تميّز به بين الواقع ونسج خيالك ؟

أشعر أن جمجمتي تهتز من شدة الصداع، لا أستطيع التفكير بشكل سليم، وربما أيضًا لا أستطيع الرؤية بوضوح، أعتقد أن هذا يفسر رؤيتي نافذتين بدل واحدة. نعم، أظن أن هذا هو السبب.

أستلقي على السرير وأغلق عينيّ مرة أخرى، على أمل أن يتسلل النوم خفية إلى جفوني هذه المرة، وربما يجرؤ على البقاء لفترة أطول.

مرت نصف ساعة...

أستطيع سماع أنفاسي، وأسمع كل حركة حولي؛ أظن أن تلك الأصوات الصامتة تأتي من الأثاث، فالجو صيفي وهادئ. لا أريد أن أفتح عينيّ، حتى لا أضيّع ذلك الجهد الضئيل الذي بذلته نحو النوم.

***

مر وقت طويل

**

السرير يهتز بي اهتزازًا خفيًا، ليس واقعيًا تمامًا، لكنه يشبه رجفة الحُمّى... غير أنّ جسدي لا تحرقه حرارة. رقبتي تؤلمني، فأمدّ يدي إلى ساعتي بجوار السرير. عقاربها ما زالت عالقة عند الثانية بعد منتصف الليل.

هل تعطّلت ؟ هل توقفت عن العمل منذ زمن دون أن أنتبه ؟

يتصاعد داخلي إحساس مريب، لا اسم له. الهواء أثقل من المعتاد، يملأ صدري ببطء، وكأنه يتجمّع حولي كتلة صامتة لا تنفذ منها أنفاس.

الجدران تترقبني، والوقت متجمد في مكانه، والليل عقد اتفاقًا مع السكون ليحبسني داخله.

أريد أن أعرف كم الساعة الآن، فأنا لا أشعر بالارتياح مطلقًا في مكان أجهل فيه الوقت، ويثير هذا العدم في داخلي شعورًا بالعمى الزمني.

سأتجه إلى ساعة الصالة، فهي دائمًا أدق من غيرها، وأتمنى أن تمنحني بعض اليقين.

***

على الحائط، علّقت ساعة قديمة من الثمانينيات، بلون بني دافئ، لها باب خشبي يحيط بدائرة زجاجية تكشف عن وجه الساعة من الداخل. عقرب الساعات يشير إلى الرقم 2، وعقرب الدقائق إلى الرقم 12.

***

ما هذا العبث! هل أصاب كل الساعات خلل ؟ أم أنني أحلم ؟ أم أهلوس ؟

كل الساعات تشير إلى الثانية صباحًا.. لقد غفوت لساعات..

ما هذا الشعور الثقيل في صدري ؟

إنه يذكّرني بدوار البحر، أو هو نفس الإحساس الذي يعقب ضربة قوية على جسر أنفي.

هل جُننت ؟ أم أنني ربما شربت شيئًا مُسكرًا ؟!

ولمَ تبدو الأشياء من حولي مُزعجة رغم سكونها ؟!

إني أراهم يترقبون سقوطي مُغشيًا عليّ، وأظنني رأيتُ الكرسي يراقبني وأنا مستلقية على سريري. لقد ظنّ أنني لم أره بطرف عيني.

أشعر الآن...

لا، بل أنا على يقين أن هذا الأثاث ليس جمادًا حقًا، وأن الأشياء التي عشت معها أخذت مني كما أخذتُ منها.

هذا يدفعني إلى إعادة التفكير، وإلى أن أتساءل:

هل أسأتُ يومًا معاملة الطاولة ؟

هل صرختُ في وجه كوب ذات صباح لأنه لم يكن ممتلئًا ؟

هل ضربتُ الحائط بيدي لأنه لم يمنحني جوابًا على تساؤلاتي، وأنا غارقة في نوبة من حديثي مع نفسي ؟

هل... وهل... ومن ذا الذي سيردّ ؟ 

كل الأشياء الآن تتقمّص صفة الجمود، وتتظاهر ببلادة المادة الخام التي صُنعت منها.

وربما... نعم، ربما أنا الجماد، وهم الأحياء.

ربما أنا الجماد، وهم من يستخدمونني...

هيا تحرّكوا... تكلموا... دعوني أسمع أصواتكم!

أعلم أنكم جميعًا معترضون، لكنني لا أعرف على ماذا.

أنتم لا تصغون إليّ بل تنتظرون أن أفرغ من هذياني وحديثي، كي تتابعوا حديثكم الصامت.

***

دقت ساعة الحائط دقتان معلنة الساعة الثانية صباحًا، سُمع صوتًا كقعقعة الخشب وأزيزًا على أرضية الصالة، تبعه ردمٌ خفيف من السقف.

***

وعندما نظرت، وجدت زوايا الصالة قد تغيّرت.

ابتسم الحائط، وأشارت عقارب الساعة نحو الشرفة. مال الأثاث، فأصبح في حالة اعوجاج كأنه يشير هو الآخر إلى الشرفة...

اشتدّ الهواء حرارةً، وامتلأ المكان بالدخان. نظرت حولها لتجد الجماد كلّه في تلك الحالة، فهزّت رأسها كمن أدرك شيئًا ما.

" إنني أراه الآن... تلك هي صورته الحقيقية التي لم يحتمل النظر إليها. كان يعتاد الاختلاس... لكنه الآن لم يعد يحتمل. كيان مظلم... أرى عينيه تحدقان بي كنوافذ اشتعلت بها النيران، لهب يتصاعد، وصراخ الاحتراق يفيض من فمه المطبق".

التصق المبنى المقابل بالشرفة في تلك اللحظة، وامتدّت ذراعان ضخمتان من وسط الدخان، فالتفّتا حول جسدها. لم ترمش عيناها، بل ظلّت معلّقة على النافذتين المشتعلتين. تراجع الأثاث جميعه ليفسح المجال..

اختطفتها اليدان.

وفي لحظة، أغلقت أبواب الشرفة، وأُسدِل الستار. عاد الحائط إلى زواياه، والأثاث إلى وضعه السابق.

ساد الصمت من جديد، لكنه كان هذه المرة صمتًا حقيقيًا.

ودقّت الساعة اثنتي عشرة دقّة، مُعلنةً الثانية عشرة صباحًا.

تمت