لم أكن مرتاحاً منذ اللحظة التي عبرت فيها بوابة المقبرة.

كان في داخلي ذلك الإحساس البدائي الذي لا يخطئه الإنسان حين يقترب من شيء لا ينبغي الاقتراب منه.

ذلك الصوت الخافت، الصادق، الذي لا يتكلم بالكلمات، بل بالانقباض في الصدر، وبالتوتر الصامت في أطراف الجسد، وبالرغبة العارمة في أن تستدير وتغادر قبل أن ترى أكثر مما يجب.

كان يقول لي بوضوح: عد إلى السيارة ،  لا تلتفت ،  لا تمنح المكان وقتاً كافياً ليلتفت إليك هو الآخر.

لكن الخوف يفعل أشياء غريبة بالبشر.

وكذلك الفضول.

وكذلك تلك الفكرة الساذجة التي تهمس في رأسك بأن لحظةً إضافية واحدة قد تمنحك تفسيرًا لما يثقل قلبك منذ وصولك.

ولهذا بقيت.

كانت الشمس قد أوشكت على الغياب حين وقفت أمام ذلك القبر الإسمنتي المنخفض، المنعزل قليلًا عن بقية الشواهد، كأن المقبرة نفسها تترك له مسافة من التحفّظ.

اقتربت منه ببطء، ثم جثوت إلى جواره، ومددت يدي بحذر حتى لامست الحافة.

وكان الحجر… دافئاً.

ليس دفئاً حفظته الشمس.

فالشمس كانت تحتضر بالفعل، والهواء من حولي بدأ يبرد سريعاً.

كان ذلك دفئاً آتياً من الداخل.

دفئاً حيّاً، لا ينبغي أبداً أن يصعد من قبر.

سحبت يدي بعنف، كأنني لمست جلداً بشرياً تحت طبقة رقيقة من الصمت.

وفي اللحظة نفسها…

انقطع البكاء.

كنت قد سمعته منذ دقائق، خافتاً، متقطعاً، كأن امرأة تبكي بعيداً بين الأشجار أو خلف صفوف القبور. لكن حين أبعدت يدي عن الخرسانة، انطفأ الصوت فجأة، لا بالتدريج، بل كما لو أن أحدهم كتم فماً مفتوحاً في العتمة.

ثم جاء صوت آخر.

أقرب بكثير هذه المرة.

تنفّس.

بطيء.

متعب.

خشن.

وعند أذني تقريباً.

استدرت بعنف حتى اختل توازني وسقطت إلى الخلف فوق العشب الرطب.

لم يكن هناك أحد.

لا شيء سوى المقبرة، وقد دخلت طورها الليلي الحقيقي.

الأشجار صارت أغمق.

الظلال صارت أعمق.

والفراغ من حولي اتسع على نحو غير طبيعي، كأن المكان كله يفسح حيّزًا لشيء لا أراه.

ثم بدأت مصباحي اليدوي يومض.

نبضة ضوء.

ثم أخرى.

ثم ظلام.

ضربته براحة يدي، لكن بلا فائدة.

أخرجت هاتفي لأستخدمه كضوء بديل، فوجدت أن الشاشة قد تجمّدت على شاشة القفل، رغم أن البطارية لم تكن قد نفدت بعد. حاولت مرارًا، لكنه بقي ميتاً في يدي كشيء فقد صلته بالعالم.

وفي تلك اللحظة شعرت بانخفاض حاد في الحرارة.

بردٌ مفاجئ، لا يشبه برد المساء، بل يشبه مرور شيء بارد من خلالك.

صار زفيري مرئيًا أمامي، خيطًا أبيض واهنًا في الهواء.

ثم سمعتها.

ليس بوضوح كامل.

ليس ككلام عادي.

بل كصوت امرأة يحاول أن يتشكّل من خلال الماء.

كان صوتاً متكسراً بالبكاء، يجيء من مكان ثم ينتقل إلى آخر، كأنه يدور حولي بلا جسد:

مرة عند البوابة،

ثم خلف القبر،

ثم قرب الأشجار،

ثم في موضع لا أستطيع تحديده.

لم ألتقط سوى شذرات:

«…أحضِره…»

«…لا تتركني…»

«…أرجوك…»

«…عُد…»

وكان في كل كلمة ذلك النوع الخام من الرجاء الذي يُضعف الخوف نفسه، ويستبدله بشيء آخر.

الشفقة.

شفقة عميقة، موجعة، من النوع الذي لا يولد إلا أمام حزن لم يُسمح له أن يموت بسلام.

وهنا فقط بدأت أفهم الرعب الحقيقي في قبر الساحرة.

لم يكن الرعب فيه، على الأقل في تلك اللحظة، شرًا صريحًا كما ترويه الحكايات الشعبية.

لم يكن شيئًا يصرخ: «أنا اللعنة».

بل كان احتياجاً.

والاحتياج، حين يتعفّن داخل الروح، قد يصبح أبشع من الحقد نفسه.

فالإنسان الذي يُفتَح فيه الجرح على اتساعه لا يبدو دائمًا مخيفًا في البداية.

أحيانًا يبدو مثل شخص تريد إنقاذه.

وأحياناً يبدو مثل صوت تكاد ترد عليه دون أن تشعر.

ثم صار الصوت أوضح.

وجاء هذه المرة من خلفي مباشرة.

قريبًا إلى درجة أنني شعرت ببرود أنفاسه على مؤخرة عنقي.

« هل رأيته؟ »

تجمّدت.

استدرت ببطء… ببطء شديد… كأن أي حركة أسرع قد تكسر شيئًا في الواقع نفسه.

وكانت هناك.

تقف عند طرف القبر.

هذه المرة رأيت وجهها.

أو ما تبقّى منه بعد أن عبث به الحزن.

كانت تبدو كأن الأرض نفسها حاولت أن تتذكّر امرأة، لكنها لم تنجح إلا جزئيًا.

بشرة شاحبة مشدودة فوق ملامح منهكة.

عينان غائرتان، منتفختان من بكاء لا نهاية له.

خصلات شعر متدلية، تبدو مبللة على نحو غريب رغم أن الليل كان جافاً.

وثوبها يتحرك حولها كما لو أنه يغرق في ماء غير مرئي، لا كما يتحرك القماش في الهواء.

كانت إحدى يديها مضغوطة على صدرها، كما لو أنها تمنع قلبها من الانهيار،

أما اليد الأخرى فكانت ممدودة نحو القبر برقة يائسة، تكاد تكون حنونة على نحو مرعب.

ولم تبدُ لي كساحرة.

بدت لي كامرأة أحبّت…

حتى مزّقها الحب نفسه.

«كنت أريده فقط أن يعود…»

همست.

وكان أسوأ ما في صوتها أنه لم يكن شيطانيًا ولا مسرحيًا ولا متكلّفاً.

كان بشرياً إلى حد لا يُحتمل.

لا قهقهة.

لا تهديد.

لا استعراض للشر.

فقط… خراب.

حاولت أن أتكلم، لكن الكلمات لم تخرج.

كأن المكان كله صار يضغط على حنجرتي.

ثم رفعت عينيها إليّ بالكامل.

وكان في نظرتها شيء أسقط معدتي دفعة واحدة.

لم يكن هناك غضب.

ولا كراهية.

ولا رغبة واضحة في الأذى.

كان هناك فقط… أمل مروّع.

الأمل حين يرفض أن يعترف بالموت.

« هل رأيته؟ »

سألتني مرة أخرى.

ولعل أقسى ما في قصص الأماكن المسكونة هو التكرار.

يتحدث الناس كثيراً عن الأرواح العالقة التي تعيد مشهد موتها الأخير مرارًا، لكنهم نادراً ما يتأملون المعنى العاطفي لذلك.

أن تسأل السؤال نفسه لعقود.

أن تبحث عن الوجه ذاته في كل غريب.

أن تمد يدك، مرة بعد مرة، نحو المستحيل.

ذلك ليس مجرد رعب.

ذلك نوع بالغ الخصوصية من الجحيم.

«أنا آسف…»

همستُ أخيرًا.

فتغيّر وجهها.

لا إلى الغضب.

بل إلى انكسار جديد، بدا طازجًا إلى حدّ أنه كاد يكون للتو.

وفي اللحظة التالية، بدأ الهواء من حولنا يرتجف.

اهتزّ العشب.

وسُمِع من مكان أعمق في المقبرة صوت حجر يتصدّع بحدة قصيرة.

ثم نبضت الأرض تحت ركبتيّ.

نبضة واحدة فقط.

لكنها كانت كافية.

خفضت المرأة رأسها ولمست الخرسانة بأطراف أصابعها.

فصدر من أسفلها صوت.

ليس صوتًا بشريًا.

بل احتكاكاً.

بطيئاً.

ثقيلاً.

متعمداً.

كأن شيئاً من الداخل يجرّ نفسه… أو يدفع نفسه… من داخل القبر.

وتدفقت الأسطورة كلها في رأسي دفعة واحدة، لكن لا بوصفها حكاية تروى للسياح، بل بوصفها رعبًا فجّاً ومادياً.

قبر مختوم بالخرسانة.

خرسانة لم تُصبّ لحماية شيء من الخارج…

بل لإبقاء شيء ما في الداخل.

سنوات الهمس.

التحذيرات المحفورة.

اللعنة.

الحوادث.

وإصرار أهل البلدة على أن بعض القبور لا ينبغي أن تُمس.

رفعت المرأة رأسها وبدأت تبكي.

ليس بكاءً خافتاً.

ولا بكاءً يليق بالهيبة.

بل ذلك البكاء الذي يسلخ الروح من جلدها،

ذلك البكاء الذي يُسمع في ممرات المستشفيات،

وعند القبور الجديدة،

وفي الليالي التي لا ينبغي لإنسان أن يسمع فيها أحدًا وحيدًا.

ملأ الصوت المقبرة.

حتى بدا لي أن الظلام نفسه ينحني نحوه.

وتحتنا، صار الاحتكاك أعلى.

تراجعت إلى الوراء متعثرًا في العشب، غير قادر على صرف بصري عن القبر.

ثم حدث شيء صغير جدًا…

وصغير جدًا فقط…

لكنه كان كافيًا ليكون حقيقيًا.

تحرّكت الخرسانة عند أعلى القبر.

ليس كثيرًا.

ليس بما يكفي لينهار شيء.

فقط ذلك القدر الضئيل، البشع، الذي يكفي لتدرك أن ما تراه ليس وهماً.

وكان هذا كل ما احتجت إليه.

ركضت.

لا أذكر الطريق جيدًا.

أذكر شواهد القبور تمرّ بجانبي كأطياف حجرية.

أذكر الأغصان وهي تخدش ذراعيّ.

أذكر أنفاسي وهي تتمزق داخلي.

وخلفي…

كنت أسمع البكاء،

ثم وقع خطوات،

ثم ذلك الاحتكاك الثقيل نفسه،

كما لو أن القبر ذاته قد تعلّم أن يتحرّك.

وصلت إلى البوابة الحديدية وأمسكت قضبانها بكل ما بقي فيّ من وعي.

ولم تفتح.

كنت متأكداً أنني تركتها مواربة حين دخلت.

لكنها الآن بدت ملتحمة في مكانها.

ارتفع الذعر في حلقي كحمّى.

ثم…

سكتت المقبرة كلها خلفي.

وكان ذلك الصمت أسوأ من أي صراخ.

استدرت.

كانت تقف في منتصف الممر تقريبًا.

لم تعد تبكي.

لم تعد تستجدي.

كان وجهها هادئًا الآن، لكن ذلك الهدوء كان هدوء شخص تقبّل المستحيل… وقرّر رغم ذلك أن يطلب المساعدة مرة أخيرة.

قالت كلمة واحدة فقط:

«ابقَ.»

كلمة واحدة.

لكنها كانت محمّلة بوحدة من ذلك النوع الذي يجعل الإنسان يفهم -  لثانية واحدة، وربما أكثر بقليل -  لماذا يتبع بعض الناس الأشباح.

ابقَ.

ابقَ واستمع.

ابقَ واشهد.

ابقَ وساعدني على أن أعيده.

وأظن أن كل مكان مسكون يختبر الأحياء بطريقته الخاصة.

بعض الأماكن تهدد.

بعضها يخدع.

بعضها يغوي.

لكن هذا المكان فعل شيئاً أشد قسوة من ذلك كله.

لقد منحني فرصة لأن أدخل إلى حزن شخص آخر…

إلى درجة أنني كدت أنسى اسمي أنا، وحياتي أنا، وسببي أنا في المغادرة.

لقد طلب مني التعاطف… ثم حاول أن يحوّله إلى باب.

تحسّست مزلاج البوابة مرة أخرى، بجنون شبه أعمى.

ثم، أخيرًا… انفتح.

اندفعت خارجه حتى كدت أسقط.

ترنحت إلى السيارة، أفتش عن مفاتيحي بأصابع لا تكاد تطيعني، وأنا أتوقع في كل لحظة أن تمتد يد إلى كتفي، أو أن تنغلق أصابع باردة حول معصمي.

لكن لا شيء لمسني.

قفزت إلى الداخل، أغلقت الباب بعنف، ثم رفعت رأسي ونظرت إلى الخلف.

كان الطريق خاليًا.

المقبرة ترقد تحت ضوء القمر الصاعد، ساكنة، بعيدة، صامتة.

لا امرأة.

لا حركة.

لا أثر على أن الخرسانة قد تحرّكت أصلًا.

فقط قبر الساحرة، شاحبًا في البعد.

غادرت سكيَاتوك وأنا أرتجف.

ولثلاث ليالٍ بعد ذلك، حلمت بالمقبرة.

لا بمطاردة.

ولا بجثة تشق الخرسانة.

كان ذلك أهون.

بل حلمت بامرأة جاثية عند قبر، تضغط بكلتا يديها على الحجر، وتهمس إليه كما لو أنه باب.

وفي الحلم لم أكن أسمع كلماتها كاملة، بل كنت أشعر بما وراءها فقط:

حبٌّ شُحِذ حتى صار ألماً.

أملٌ فسد حتى صار هوساً.

إيمانٌ بالمستحيل.

ورفضٌ عنيد لأن تكون للموت الكلمة الأخيرة.

وفي الليلة الرابعة، استيقظت لأجد تراباً على أرضية غرفة نومي.

خيطاً رفيعاً منه يمتد من طرف السرير حتى النافذة.

وأنا لا أعيش أصلاً في أي مكان قريب من سكيَاتوك.

ولم أعد إلى مقبرة هيلسايد منذ تلك الليلة.

وجزء مني لا يزال يريد أن يعود.

ليس بدافع التحدي.

ولا حبًا في الرعب.

بل لأن جزءاً آخر مني يتساءل أحياناً عمّا إذا كان بعض الحزن يمكن أن يهدأ أخيراً لو قوبل بشفقة بدل السخرية، وبفهم بدل الاستفزاز.

كثيرون يزورون أماكن كهذه ليختبروا أنفسهم، أو ليضحكوا، أو ليستفزوا المجهول.

لكنهم ينسون أن كل أسطورة تبدأ — غالباً — من وجع إنساني لم يعرف الناس كيف ينظرون إليه مباشرة.

وهذا ما بقي معي أكثر من أي شيء آخر.

ليس الحجر الدافئ.

ولا الهاتف المتجمّد.

ولا صوت الاحتكاك الصاعد من أسفل.

بل صوتها وهي تسأل:

«هل رأيته؟»

لأنه تحت الأسطورة الحضرية، وتحت حكاية الشبح، وتحت حديث اللعنة، قد لا يخفي قبر الساحرة في سكيَاتوك وحشًا بالمعنى المألوف.

قد يخفي شيئًا أشد إزعاجاً.

قد يخفي حباً لم يجد قبراً يستريح فيه.

ولعل هذا هو ما يربك الناس حقاً.

فنحن نحب أن يكون موتانا هادئين.

ونحب أن يكون الحزن مهذّباً.

ونحب أن ترحل الأرامل والعشاق والمفجوعون وفق الجدول الذي يريح الأحياء.

لكن بعض الخسارات لا تعرف النهايات المرتبة.

وبعض القلوب تنكسر بطريقة لا يعرف المجتمع كيف يشهد عليها.

وعندما يحدث ذلك، يصنع الأحياء أساطير…

كي لا يضطروا إلى قول الحقيقة بصورتها العارية.

فمن الأسهل أن نقول: ساحرة

بدل أن نقول: امرأة حطّمها الفقد.

ومن الأسهل أن نقول: لعنة

بدل أن نقول: ألم ما زال يردّد صداه.

ومن الأسهل أن نصبّ الخرسانة فوق قبر

بدل أن نواجه احتمال أن الحزن، إذا تُرك وحده طويلًا، قد يتحوّل هو نفسه إلى مطاردة.

لذلك نعم…

قبر الساحرة حقيقي.

الكومة الإسمنتية حقيقية.

والهمسات -  تبعاً لمن تسأل -  حقيقية بالقدر الكافي.

أما الرعب الذي يحمله الناس معهم من مقبرة هيلسايد، فهو حقيقي سواء استطعنا إثبات الماورائي فيه أم لا.

لكن الحقيقة الأعمق للمكان…

ربما ليست سحراً أسود،

ولا جثة مضطربة،

ولا لعنة تنتظر زائراً طائشاً.

ربما هي ببساطة هذا:

في مكان ما من تلك المقبرة الوحيدة في أوكلاهوما…

ما زال هناك حزن ينتظر.

وفي بعض الليالي، حين يهبّ الهواء منخفضًا فوق القبور، ويقترب الظلام من الخرسانة المتشققة،

ينهض ذلك الحزن كيدٍ خارجة من الماضي،

ويمتد نحو أي شخص طيب بما يكفي - أو أحمق بما يكفي - ليحسّ به.

فإن وقفت يوماً أمام قبر الساحرة في سكيَاتوك

فلا تضحك.

ولا تلمس الخرسانة.

ولا تنطق وعودًا في العتمة.

وإذا برد الليل فجأة،

وسمعت امرأة تبكي حيث لا يقف أحد،

فغادر…

لكن غادر هذه المرة برحمة في قلبك، وصمت على شفتيك.

لأن بعض القبور لا تطلب الانتباه.

إنها تطلب شاهداً.

وبعض قصص الحب تتشظّى بالموت إلى حدّ أنها لا تنتهي.

إنها تنتظر.

توجع.

تنادي.

وفي مقبرة هيلسايد، تحت سماء أوكلاهوما، وتحت الخرسانة المتشققة…

ربما ما زال شيء ما هناك، يصغي حتى الآن

لجوابٍ… لم يأتِ أبداً.