في أعماق التراث الأوروبي تختبئ قصص لا تقل غرابة عن الأساطير العربية وحكايات الجن والعفاريت ، ومن بين أكثرها طرافة وإثارة للدهشة حكاية وردت في قصيدة فرنسية قديمة حملت عنوان «شيطان جزيرة تين البابا»، وهي قصة تمتزج فيها الفكاهة بالخرافة والسخرية الشعبية من قوى الشر.
وقد اشتهرت الحكاية بفضل رسم توضيحي منشور عام 1762 يصوّر امرأة تواجه الشيطان بطريقة غير مألوفة، وهو الرسم الذي ظل يثير فضول المؤرخين والمهتمين بالفنون القديمة حتى يومنا هذا.
جزيرة يطاردها الشيطان
تبدأ الأحداث في جزيرة صغيرة نائية معروفة باسم «جزيرة تين البابا» ، كانت الحياة هناك هادئة وبسيطة، يعتمد سكانها على الزراعة وتربية المواشي، حتى ظهر ذات يوم زائر غير مرغوب فيه.
لم يكن رجلاً ولا حيواناً، بل شيطاناً حقيقياً بحسب رواة القصة.
وصل الكائن الغامض إلى الجزيرة ناشراً الفوضى والخوف بين الأهالي ، أخذ يهدد السكان ويعبث بممتلكاتهم حتى أصبح الجميع يتجنبون الخروج ليلاً خشية لقائه.
لكن الشيطان لم يكتف بإرهاب الناس، بل قرر فرض نوع من الإتاوة على مزارعي الجزيرة.
صفقة مع المزارع
توجه الشيطان إلى أحد المزارعين ويدعى «فيل» وأمره أن يمنحه نصف محصوله الزراعي.
لم يكن فيل بطلاً شجاعاً ولا ساحراً يمتلك قوى خارقة، بل فلاحاً بسيطاً يدرك أن مواجهة الشيطان مباشرة قد تكلفه حياته.
وافق الرجل على مضض.
وعندما حان موعد اقتسام المحصول نفّذ الاتفاق حرفياً، لكنه فعل ذلك بطريقة ماكرة. فقد سلّم الشيطان السيقان والأوراق اليابسة فقط، بينما احتفظ لنفسه بالخضروات والجذور الصالحة للأكل.
عندما اكتشف الشيطان الخدعة اشتعل غضباً.
كيف تمكن فلاح بسيط من خداعه؟
شعر بالإهانة أكثر من شعوره بالخسارة، فتوعد فيل بالانتقام وأمهله أسبوعاً واحداً فقط قبل أن يعود لأخذ نصيبه الحقيقي بالقوة.
خطة الزوجة الذكية
عاد فيل إلى منزله مرتجفاً من الخوف وأخبر زوجته «بيريتا» بما حدث.
كان يتوقع منها البكاء أو الذعر، لكنها استمعت بهدوء ثم قالت:
«دع الأمر لي.»
لم يفهم الزوج ما الذي تنوي فعله، لكنها بدت واثقة بصورة غريبة.
ومع اقتراب موعد عودة الشيطان، اختبأ فيل داخل حوض مملوء بالماء المقدس طلباً للحماية، بينما بقيت بيريتا وحدها في انتظار الزائر المرعب.
مواجهة غير متوقعة
عندما ظهر الشيطان أخيراً عند باب المنزل وجد المرأة في حالة يرثى لها.
كان شعرها مبعثراً، وعيناها دامعتين، وكأنها خرجت للتو من مشاجرة عنيفة.
سألها عما حدث.
فأجابته بصوت مرتجف أن زوجها رجل مخيف وعدواني، وأنه اعتدى عليها بوحشية وترك في جسدها جرحاً مروعاً أحدثه بمخالبه.
ثم أشارت إلى أنها ستريه أثر الإصابة بنفسه.
في تلك اللحظة كشفت له الموضع الذي زعمت أنه الجرح.
لكن ما رآه الشيطان لم يكن جرحاً على الإطلاق.
تجمد في مكانه للحظات.
ثم اتسعت عيناه رعباً.
وبدلاً من مهاجمة المرأة أو البحث عن المزارع، استدار مذعوراً وفر هارباً بأقصى سرعة.
وتقول الحكاية إنه لم يعد إلى الجزيرة أبداً.
لماذا خاف الشيطان ؟
لماذا ارتعب الشيطان من منظر لم يكن سوى جزء طبيعي من جسد المرأة؟
هنا تبدأ التفسيرات الرمزية.
يرى بعض الباحثين في الأدب الشعبي أن القصة ليست سوى نكتة فولكلورية ساخرة تهدف إلى إذلال الشيطان وتصويره ككائن أحمق يمكن خداعه بسهولة.
بينما يرى آخرون أن الحكاية تعكس معتقدات أوروبية قديمة كانت تمنح الأعضاء الأنثوية دلالة سحرية أو وقائية، إذ اعتقدت بعض الشعوب أن كشفها يمكن أن يطرد الأرواح الشريرة أو يجلب الحظ أو يبدد الشرور.
وقد عُرفت هذه الفكرة في ثقافات مختلفة حول العالم، وظهرت في منحوتات وتمائم وطقوس شعبية امتدت لقرون طويلة.
بين الأسطورة والفكاهة
مهما يكن الأصل الحقيقي للحكاية، فإنها تكشف جانباً مدهشاً من خيال الإنسان الشعبي. ففي الوقت الذي تتحدث فيه معظم الأساطير عن أبطال يهزمون الشياطين بالسيوف أو السحر أو الصلوات، اختارت هذه القصة سلاحاً مختلفاً تماماً: الذكاء والسخرية.
فلم ينتصر المزارع بقوته، ولم تهزم زوجته الشيطان بمعجزة سماوية، بل استطاعت أن تستغل جهله وخرافاته ضده.
وهكذا انتهت مغامرة «شيطان جزيرة تين البابا» نهاية لا تشبه أي نهاية أخرى في عالم الأساطير... نهاية جعلت سيد الرعب نفسه يهرب مذعوراً دون أن يلتفت خلفه مرة واحدة.