في أحد الأزقة المتفرعة من حي الجلوم في حلب القديمة كان هناك درج حجري صغير يعرفه أهل الحي جيداً.
إربعة وعشرون درجة تقريباً من الحجر الكلسي القديم، تربط بين زقاقين ضيقين تصطف على جانبيهما بيوت عربية عتيقة، بأبواب خشبية ثقيلة ونوافذ عالية نصف مغلقة دائماً.
في النهار، لم يكن في الدرج ما يلفت النظر.
يصعده الأطفال إلى مدارسهم، وتهبطه النساء وهن يحملن أكياس الخبز، ويمر به الرجال العائدون من السوق أو من الجامع القريب.
لكن بعد منتصف الليل…كان الدرج يفقد شيئاً من طبيعته المألوفة.
أو هكذا بدأ الناس يقولون.
بداية الحكاية
تعود أولى الروايات المعروفة إلى أواخر عام 1998، حين بدأ عدد من سكان الحي يلاحظون شيئاً غريباً يتكرر بصمت.
كانت هناك امرأة ترتدي ثوباً داكناً طويلاً، تُرى أحياناً جالسة في منتصف الدرج، وأحياناً واقفة، كما لو أنها تنتظر أحداً تأخر كثيراً.
لم تكن ملفتة من بعيد.
بل على العكس…
بدت، في الوهلة الأولى، طبيعية أكثر مما ينبغي.
لكن من اقترب منها قال الشيء نفسه تقريباً:
لم تكن تتحرك.
لم تكن تتكلم.
ولم يكن في جلستها أو وقفتها ما يشبه انتظار شخص حي.
وكان هناك اتفاق غير معلن بين من شاهدوها:
وجودها لم يكن طبيعياً.
شهادات متكررة… بلا تفسير
أول من تحدث عنها علناً، بحسب ما بقي في ذاكرة الحي، كان شاباً يُدعى نزار خضور، طالب في كلية الهندسة بجامعة حلب آنذاك.
قال نزار إنه عاد إلى الحي في ليلة باردة من كانون الثاني 1999، بعد منتصف الليل بقليل.
حين وصل إلى الدرج، لمح امرأة جالسة في وسطه.
لم يتوقف.
ظنها إحدى الجارات، فمرّ بجانبها دون أن يتكلم.
لكن قبل أن يصل إلى أعلى الدرج، شعر فجأة ببرودة حادة تضرب ظهره، كأن بابًا فُتح خلفه للحظة.
التفت فوراً.
لم يكن هناك أحد.
الدرج كان خالياً تماماً.
لم يسمع خطوات.
لم يسمع حركة.
ولم يسمع حتى صوت احتكاك ثوب بالحجر.
وقد ظل، حتى بعد سنوات، يقسم أن أكثر ما أرعبه لم يكن اختفاؤها…
بل الطريقة التي اختفت بها، كما لو أن وجودها كله مُسح من المكان في لحظة واحدة.
واقعة أخرجت الحكاية من الهمس
في صيف 1999، حدث ما جعل القصة تخرج من نطاق الهمس إلى حديث متداول ، ولو بصوت منخفض.
كان أبو فراس العطار عائداً إلى منزله ليلاً بعد إغلاق متجره قرب سوق الزهراوي.
رجل معروف بعقلانيته، لا يميل إلى المبالغة ولا إلى تصديق القصص.
حين اقترب من الدرج، رآها.
لكن هذه المرة، لم تكن جالسة.
كانت واقفة في منتصفه تماماً، كأنها تنتظره.
توقف.
ولسبب لم يستطع تفسيره لاحقاً، شعر أن عليه أن يكلمها.
قال: " مين ناطرة ؟ "
لم تجب.
لكنه لاحظ عندها شيئاً أربكه فوراً.
قال إن وجهها لم يكن واضحاً كما ينبغي.
ليس لأنه في الظلام…
بل لأن ملامحها بدت مطموسة بطريقة غير مريحة، كأن الضوء نفسه لا يستقر عليها.
حدّق فيها لثوانٍ.
ثم—
اختفت.
ليس أنها تحركت.
ولا أنها صعدت أو نزلت.
اختفت…
كما لو أنها لم تكن موجودة أصلاً.
عاد إلى بيته في حالة اضطراب شديد،
وبقي أياماً يرفض المرور من ذلك المكان.
ومنذ تلك الليلة…
لم تعد المرأة مجرد حكاية عابرة.
ما بقي بعد الحكاية
لم يعلن أحد خوفه صراحة.
لكن الدرج، من دون اتفاق،
بدأ يُترك خالياً بعد المغرب.
صار المارّة يسرعون عنده.
والأطفال يُرسلون من طريق أطول.
ولم يعد أحد يتوقف في منتصفه،
خصوصاً عند الدرجة الثانية عشرة أو تحت القنطرة.
ومع الوقت، بدأت تظهر تفاصيل صغيرة لا تكفي لتفسير شيء، لكنها تكفي لإفساد الطمأنينة:
خشخشة ثوب عند الفجر…
برودة عابرة في الليالي الساكنة…
وشعور متكرر لدى بعض المارة بأنهم، حين يقتربون من الدرج،
يقاطعون انتظاراً لا يخصهم.
جملة لم تُنسَ
قبل سنوات، قالت امرأة مسنّة من الحي، في حديث عابر لم ينتبه له أحد في حينه:
— مو المشكلة إنّا شفناها…
المشكلة إنو هي كانت قاعدة هون قبلنا.
لم يناقشها أحد.
ولم يسألها أحد ماذا تقصد.
النهاية التي لم تُغلق
مرت سنوات طويلة، وخفت الكلام عنها.
لكن الدرج بقي كما هو.
وحين مررتُ من هناك آخر مرة، في مساء بارد يشبه أمسيات الشتاء القديمة،
لم أنظر إليه مباشرة.
كنت أعرف أنه خالٍ.
كنت أكرر ذلك في داخلي وأنا أتابع السير.
ومع ذلك…
حين صرت بمحاذاته،
خففتُ خطوتي دون أن أشعر.
ليس خوفاً…
بل ذلك الإحساس الغريب الذي لا يمكن تفسيره:
أن المكان لم يكن فارغاً تماماً قبل لحظة.
تابعت طريقي.
ولم ألتفت.
لكن قبل أن أصل إلى آخر الزقاق،
وصلني—خفيفاً جداً، كصوت قماش يلامس الحجر...
ما بدا لي وكأن امرأة قد جلست للتو.
تمت
ملاحظة
القصة القصيرة المذكورة أعلاه عمل خيالي مستوحى من روح الحكايات الشعبية والمرويات الشفوية المرتبطة بالبيوت والأزقة القديمة في مدينتي حلب، وليست نقلاً حرفياً لقصة موثقة أو اقتباساً من رواية منشورة.