عندما انتقلتُ إلى شقتي الجديدة، لم أكن أبحث عن شيء استثنائي… مكان هادئ، سقف لا يتسرب منه المطر، وجدران لا تحتفظ بأسرار الآخرين.
لكنني أدركت لاحقاً أن بعض الأماكن لا تفتح أبوابها لمستأجر جديد… بل تُورَّث له بما علق فيها.
في مساء وصولي، ظهرت المالكة عند عتبة الشقة بينما كنت لا أزال أرتب أغراضي.
امرأة في أواخر الخمسينيات، بوجه جامد على نحو غير مريح، كأن ملامحها تعلّمت كيف تخفي شيئاً… لا كيف تعبّر عنه.
تحدثت عن القوانين العامة: النظافة، الهدوء، مواعيد القمامة… ثم سكتت. لفترة أطول مما يجب .. قبل أن تُخرج ورقة مطوية من جيبها وتقول بصوت منخفض: “هذه… قواعد الحمّام.” ناولَتني الورقة، لكنها لم تتركها فوراً. ظلّت ممسكة بها لثوانٍ تنظر في عينيّ بنظرة لم أفهمها آنذاك…
مزيج من التحذير… والخوف… وشيء يشبه الشفقة. ثم تركتها.
قواعد الحمّام
- لا تترك الماء جارياً لأكثر من دقيقتين بين الساعة 10 مساءً و5 صباحاً.
- لا تستخدم المرحاض بين 10 مساءً و2:30 صباحاً.
- لا تستحم بين 10 مساءً و5 صباحاً.
إذا خالفت أياً من القواعد السابقة… أكمل ما بدأت به وعيناك مغمضتان، لا تفتحهما مهما حدث.
يجب الالتزام بجميع القواعد حرفياً. لا استثناءات.
قرأت الورقة مرتين، لم تكن القواعد مرعبة… فقط… بل محددة أكثر مما ينبغي، لكن السطر الأخير… كان مختلفاً، لم يكن صعباً، لكنه لم يكن طبيعياً أيضاً.
رفعت بصري نحوها. كانت لا تزال تراقبني.
وسألتها : “هل هناك… سبب ؟”
هزّت رأسها ببطء وأجابت : “اتبع القواعد فقط” ، ثم غادرت.
مرّ الأسبوع الأول بهدوء. أنا أعمل ليلاً، لذا لم أكن موجوداً خلال الساعات التي تُحظر فيها هذه… الطقوس.
حتى تلك الليلة. كنت عائداً بعد الجري، والعرق يلتصق بجلدي. نظرت إلى الساعة: 9:33 مساء، كنت بعيداً ، ولم أصل إلا عند 10:11.
وقفت أمام باب الشقة، المفتاح بين أصابعي، وورقة القواعد تعود إلى ذهني فجأة… كما لو أنها لم تغادره أصلاً.
الاستحمام… أم الذهاب إلى العمل هكذا ؟
ترددت ثم ضحكت من نفسي “مجرد قواعد غريبة… لا أكثر.”
دخلت الحمّام ، خلعت ملابسي ببطء، وكأنني أؤخر شيئاً لا أريد أن أواجهه.
نظرت جيداً إلى مكان الشامبو والإسفنجة ، حفظت مواقعها بدقة، كما يفعل شخص يستعد لامتحان… لا للاستحمام.
وقفت داخل حوض الاستحمام ، ثم… أغمضت عينيّ وفتحت الماء.
في البداية، لم يكن هناك شيء. فقط صوت الماء… وأنفاسي ، أنفاس ثقيلة أكثر مما يجب.
وضعت الشامبو ثم… سمعتُه ، خربشة خفيفة على باب الحمام.
توقفت يدي .. سكون .. ثم صوت المقبض… وهو يدور ببطء ليتبعه صرير الباب… وهو يُفتح.
لم أفتح عينيّ ، أقنعت نفسي أن هذا وهم، لا أحد هناك، أنني وحدي.
ثم جاء الصوت ، تنفّس متقطّع وخشن ،كأنه يُسحب من حنجرة لا تعرف كيف تتنفس.
تجمّدت... لم أعد أتحرك.
هل هذا… ما كانت تقصده ؟ “ قاوم رغبة فتح عينيك.”
فتحت الماء مجدداً. حاولت أن أُكمل ، أن أنتهي ، أن أخرج ، لكن المشكلة لم تكن فيما أسمعه… بل فيما توقفت عن سماعه.
لم أعد أسمع حركته. لم أعد أعرف أين هو ، وهذا… كان أسوأ.
ثم… ستارة الحمام… سُحبت ببطء خلفي
والتنفس… صار أقرب، أقرب جداً.
لا تفتح عينيك... لا تفتح عينيك.... لا تفتح عينيك.
لكن شيئاً لمس ظهري
إصبع بارد رطب وظفر… طويل.
فتحتُ عينيّ.
وكان هناك.
شيء لا لون له…جلده شاحب على نحوٍ مريض، كأن الحياة انسحبت منه منذ زمن بعيد ، عيناه وحدهما كانتا بشريتين.
وهذا ما جعله أكثر فظاعة.
لأن ما استقرّ فيهما لم يكن وعياً… ولا غضباً… بل جوعاً بارداً، قديماً، لا ينتمي إلى شيء عرفته في وجوه البشر.
لم يكن له فم ولا أنف ولا أيّ ملامح حقيقية.
فقط سطح أملس مشدود تتوسطه عينان تحدّقان بي بثبات بدون أن يرمش.
أما ذراعه…فكانت أطول مما ينبغي لجسد كهذا، ممتدة على نحوٍ غير ممكن، كأن مفاصلها لا تخضع لقانون أعرفه.
وفي نهاية تلك الذراع، كانت يدٌ نحيلة، شاحبة، تنتهي بستة أظافر سوداء طويلة… منحنية قليلاً… كأنها صُنعت لا للمس، بل للفتح.
حدّق بي لحظة.
لحظةً بدت أطول من الوقت نفسه.
ثم…ارتجف سطح وجهه الأملس.
وتشكّل فيه شيء يشبه الابتسامة.
ليس ابتسامة حقيقية…بل محاكاة مشوّهة لها.
بعدها مدّ ذراعه نحوي.
ببطء أولاً…
ثم بسرعة خاطفة.
وشقّ صدري.
الألم لم يكن مجرد ألم خدش.
كان حاداً وعميقاً على نحوٍ جعلني أشعر، لوهلة، أنه لم يمزق جلدي فقط…
بل مرّ من خلاله إلى شيء أعمق، وترك فيه أثراً لن يزول.
وضعت يدي على صدري… وشعرت بالدم.
تراجع خلف الستارة. لكن ظله… كان أكبر من الحمّام ، أكبر بكثير.
منحني… منثنٍ… كأنه محشور في مساحة لا تكفيه.
ثم… التوى جسده. سمعت صوت شيء… ينكسر. عظم ؟ أو ما يشبه العظم.
خرج ، خطواته كانت لزجة ... تبتعد نحو باب الشقة ثم تبع ذلك صمت.
لا أعرف كم بقيت هناك ، لكنني سمعت هاتفي يرن مرات كثيرة ولم أتحرك.
عندما خرجت أخيراً… كانت الأرض مغطاة بآثار أقدام ، مادة شفافة… لزجة. ورائحة… تعفّن… ممزوجة بالكلور كانت لها… ستة أصابع.
أجبت الهاتف.
صوت المالكة: “ماذا فعلت ؟! ”... لم أستطع الرد.
“ كان عليك أن تلتزم بالقواعد ! لا تغادر ! أنا قادمة !” وأغلقت الخط.
بعد دقيقة… سمعتُ طرقاً على الباب.
طرقة واحدة… ثم أخرى.
تجمّدتُ في مكاني.
ظللتُ أحدّق في الباب لثوان، قبل أن أجبر نفسي على الاقتراب منه ببطء.
حبستُ أنفاسي، وانحنيتُ نحو العين السحرية…
لكن لم يكن هناك أحد.
الممر كان فارغاً تماماً.
لا ظل ... لا حركة.
لا أحد يقف أمام الباب.
تراجعتُ فوراً، وشعرتُ ببرودة تسري في أطرافي.
اتصلتُ بها... لم تجب.
مرّت نصف ساعة. وأنا جالس في زاوية الغرفة ، لا أتحرك، لا أتنفس تقريباً.
الطرق… لا يزال مستمراً بإيقاع ثابت، أنا أعلم… أن عليّ ألا أفتح الباب.
لكنني… لم أعد متأكداً… إن كان ما في الخارج… هو الشيء الذي خرج… أم… شيء آخر… دخل.