في ثلاثينيات القرن العشرين، حين كانت مجلات الـ Pulp الأمريكية تُغذي خيال القراء بقصص الرعب والغرابة والتحقيقات الماورائية، لم تكن مجلة Weird Tales أي "قصص غريبة" مجرد مجلة أدبية عابرة، بل كانت أشبه بمختبر أسطوري خرجت منه بعض أهم صور الرعب الحديث. على صفحاتها عاشت الأشباح وتكاثرت اللعنات وتجولت الشياطين، ووجد القارئ نفسه مراراً أمام عوالم تبدو بعيدة عن الواقع… لكنها لا تكف عن التسلل إليه.
ولمن يتساءل عن مصطلح أدب البلب Pulp فهو نوع من الأدب الشعبي الذي ازدهر في مجلات أمريكية رخيصة الطباعة خلال أوائل القرن العشرين، واعتمد على التشويق والرعب والمغامرة والخيال ، وتم إطلاق هذه التسمية لأن تلك المجلات كانت تُطبع على ورق منخفض الجودة مصنوع من لبّ الخشب (Wood Pulp).
ومن بين أبرز الأسماء التي صنعت هوية هذه المجلة، برز اسم الكاتب الأمريكي سيبوري كوين Seabury Quinn، الذي كان في زمنه أحد أكثر كتّاب المجلة جماهيرية وانتشاراً، واشتهر خصوصاً عبر سلسلة المحقق الخارق جول دو غراندان Jules de Grandin؛ ذلك الطبيب والمحقق الفرنسي الذي يلاحق القضايا الغريبة، واللعنات، والعبادات المنحرفة، والشرور التي تتجاوز التفسير العقلاني.
ومن بين العناوين اللافتة التي كتبها كوين تبرز قصة Satan’s Palimpsest أي "مخطوطة الشيطان المطموسة"، وهي قصة نشرت في عدد سبتمبر 1937 من مجلة Weird Tales، ضمن المجلد 30، العدد 3، وقد قدمت كواحدة من قصص المحقق جول دو غراندان، بينما حمل غلاف العدد رسماً شهيراً للفنانة مارغريت برانديج Margaret Brundage مستلهماً من أجوائها، كما هي الصورة في المقال ، ومن عنوانها وحده تمنحك هذه القصة انطباعاً بأنها لا تتعامل مع الشر كحضور فج أو مباشر، بل كشيء مخفي… مطموس… لكنه لم يمت.
ما الذي يعنيه العنوان ؟
تكمن جاذبية العنوان أولًا في كلمة المطموس Palimpsest نفسها، وهي كلمة تعود إلى عالم المخطوطات القديمة، وتشير إلى رق أو مخطوطة تم محو النص الأصلي المكتوب عليها ثم أعيدت الكتابة فوقها، مع بقاء آثار النص الأول كامنة في الأسفل ، أي أننا لا نكون أمام نص واحد، بل أمام طبقتين: نص ظاهر، وآخر مدفون تحته.
وعندما يختار كوين عنواناً مثل Satan’s Palimpsest، فهو لا يعد القارئ بمجرد قصة عن الشيطان، بل يفتح باباُ أكثر قلقاً:
ماذا لو كان الشر هو النص السفلي الذي ظن الناس أنهم محوه ؟ ماذا لو كانت الحضارة، والدين، والمعرفة، وحتى الأخلاق، مجرد طبقة لاحقة تخفي تحتها شيئاً أقدم… وأشد ظلمة ؟
هذه الفكرة وحدها كافية لتفسير لماذا يبدو العنوان قوياً حتى اليوم. فهو لا يقدم “شيطاناً” بالمعنى المسرحي السطحي فقط، بل يقدم شيطانية كامنة في طبقات المعنى نفسه.
النجم الشعبي المنسي في أدب الرعب
قد لا يحضر اسم سيبوري كوين اليوم فوراً في الذاكرة مثل شهرة لافكرافت في روايته "الحظرد" ، لكن ذلك لا يعكس مكانته الفعلية في زمنه ، ففي حقبة مجلة Weird Tales الذهبية، كان كوين من أكثر الكتّاب مبيعاً وظهوراً على صفحات المجلة، بل إن شخصيته الأشهر وهو المحقق جول دو غراندان كانت من أكثر الشخصيات انتظارًا لدى القرّاء.
وكان دي جراندان في جوهره شخصية مثالية لعصره:
طبيب فرنسي، ذكي، لامع، يملك ذائقة مسرحية واضحة، ويتعامل مع القضايا الغامضة بروح تجمع بين التحقيق البوليسي والمعرفة الخفية. ولذلك بدت قصصه أشبه بلقاء بين شيرلوك هولمز وطارد شياطين في آنٍ واحد.
وهنا تكمن خصوصية كوين:
فهو لم يكن يكتب رعباً كونياً مجرداً على طريقة لافكرافت، بقدر ما كان يكتب رعباً ملموساً، فيه طقوس، وأشخاص، وبيوت، ومخطوطات، وخطر يمكن للقارئ أن يشعر بأنه قد يكون على بعد باب واحد فقط.
إذا كان لافكرافت يجعلك تخاف من الكون، فإن كوين يجعلك تخاف من المخطوطة الموضوعة في الدرج، والرمز المحفور على الجدار، والشيء الذي تم استدعاؤه لأن أحدهم قرأ أكثر مما ينبغي.
عن ماذا تدور القصة في جوهرها ؟
حتى قبل الدخول في تفاصيل الحبكة، فإن Satan’s Palimpsest تنتمي بوضوح إلى ذلك النوع من الحكايات الذي كان يعشقه قراء مجلة Weird Tales ، قصص تقوم على المعرفة المحرمة، والنصوص القديمة، والأسرار التي لا ينبغي لأحد أن ينبشها ، نحن هنا لسنا أمام شبح تقليدي يظهر في ممر مظلم وحسب، بل أمام مناخ يوحي بأن الكلمة نفسها قد تكون مدخلًا للخطر ، إذ لا تحمل بعض النصوص معنى فحسب بل تحمل أثراً ، وأن القراءة قد لا تكون فعلاً فكرياً بريئاً بل نوعاً من فتح الأبواب.
هذا هو الرعب الذي تصنعه القصة في العمق:
رعب أن يكون هناك شيء مكتوب قبلنا، شيء جرى طمسه عمداً، ثم عاد ليظهر عبر من يظن نفسه باحثاً أو قارئاً أو مكتشفاً.
ولهذا فإن العمل يتجاوز فكرة “قصة شيطان” بسيطة، ليقترب من سؤال أكثر إزعاجاً: هل يمكن للشر أن ينجو داخل النصوص، والرموز، والهوامش، والطبقات المنسية من الذاكرة ؟
الشيطان هنا ليس مجرد كائن… بل أثر
في كثير من قصص الأشباح، يكون الخوف مرتبطاً بظهور ميت أو روح عالقة في مكان ما ، أما في الأعمال ذات الطابع الشيطاني، فالرعب غالباً أعمق من ذلك، لأنه لا يتعلق فقط بوجود كيان خارجي، بل بوجود إرادة واعية، وإغواء، وتدنيس للمعنى ، فالشيطان في هذا السياق لا يُفهم فقط بوصفه مخلوقاً بقرون وأجنحة سوداء، بل كـ طبقة سفلية من الفساد أو الإغواء أو الانحراف عن النظام الظاهر ، كأن الشر ليس “حادثاً” بل نصاً قديماً يعود للظهور.
وهذه من أكثر أفكار الرعب الكلاسيكي سحراً: أن ما يخيفنا ليس فقط الكائن، بل المعنى الذي يمثله.
البعد الحسي والغريزي في القصة
في هذا النوع من القصص كانت الخطيئة والإغواء والجسد والأنوثة الملتبسة بين البراءة والخطر عناصر تتكرر كثيراً، ليس بوصفها “فتنة” فقط، بل كجزء من بناء الرعب نفسه ، وفي حالة Satan’s Palimpsest تحديداً، يبدو هذا البعد أوضح على مستوى الجو العام والتقديم البصري، لا سيما أن غلاف العدد الشهير لمجلة Weird Tales رسم امرأة عارية تقريباً في مشهد مشبع بإيحاءات الخطر والإغواء والشيطنة، وقد لاحظت قراءة أكاديمية حديثة أن هذا الغلاف يمثل بوضوح تداخل الخوف والإثارة البصرية في تقاليد المجلة.
ومن زاوية أدبية، لا ينبغي قراءة هذا العنصر على أنه “فضائحية” أو “مجانية” بالضرورة، بل بوصفه جزءاً من مناخ أوسع كان يرى أن الرغبة نفسها قد تكون بوابة للرعب، وأن التماس بين الشهواني والشيطاني كان من أكثر الثنائيات شيوعاً في الأدب الغرائبي آنذاك ، أي أن الغزيرة هنا ليس موضوعاً منفصلًا عن الرعب بل أحد ممراته النفسية والرمزية.
بين لافكرافت وكوين
واحدة من مزايا سيبوري كوين ، خصوصاً للقارئ المعاصر، أنه يكتب رعباً أكثر مباشرة وحيوية وسهولة في التلقي من بعض معاصريه ، فبينما يعتمد لافكرافت غالباً على الإحساس بالعجز الكوني، والرهبة الفلسفية، واللغة المتكلفة أحياناً، يميل كوين إلى القص المشهدي والحركة والشخصيات والذروة الواضحة ، ولهذا تبدو قصصه، ومنها Satan’s Palimpsest، قريبة من مناخات: التحقيق في الظواهر الخارقة ، الرعب القوطي ، الأسرار الكنسية أو الشيطانية ، النصوص والرموز الملعونة.
وهذا تحديداً ما يجعلها ملائمة جداً لركن الخيال في ما وراء الطبيعة، لأنها تقف في منطقة محببة جداً للقارئ العربي ، منطقة تتقاطع فيها اللعنة والغموض والتحقيق والماورائيات دون أن تتحول القصة إلى نص تجريدي أو فلسفي بحت.
لماذا ما زال هذا النوع من القصص يحتفظ بقوته ؟
لأن Satan’s Palimpsest لا تعتمد فقط على “وحش” أو “حدث غريب”، بل على فكرة أكثر رسوخاً: أن الماضي لا يموت.
نحن نعيش دائماً فوق طبقات من العقائد، والنصوص، والمخاوف، والرموز، والتابوهات، والأسماء التي ظن الناس أنهم محوها ، لكن ماذا لو كان المحو مستحيلًا ؟
ماذا لو أن كل ما نحسبه "منتهياً" ما زال موجوداً، ولكن في طبقة أعمق ؟
هذه الفكرة بالذات هي ما يجعل القصة حية حتى اليوم ، فهي لا ترعبنا لأن فيها شيطاناً فقط، بل لأنها تهمس لنا بفكرة مزعجة جداً:
ربما لسنا أول من كتب هنا.