في عام 2017، ظهر على الشاشة المصرية عمل درامي حاول أن يعيد صياغة الرعب الشعبي في قالب تاريخي سوداوي، فكان "كفر دلهاب" تجربة لافتة ضمن موجة نادرة من أعمال ما وراء الطبيعة في الدراما العربية. لم يكن المسلسل مجرد حكاية عن قرية مسكونة، بل كان اشتباكاً بين الخرافة والسلطة، بين الجهل والعلم، وبين الأسطورة والواقع النفسي.

قصة المسلسل

تدور أحداث المسلسل في زمن غير محدد بدقة، في أجواء أقرب إلى العصر العثماني، داخل قرية معزولة تُدعى "كفر دلهاب".

تبدأ الأحداث بجريمة غامضة تُرتكب بحق فتاة في القرية، لتتحول الحادثة إلى سلسلة من الوقائع المرعبة التي توحي بوجود قوة خارقة أو "لعنة" تسيطر على المكان.

يصل إلى القرية طبيب شاب (يجسده يوسف الشريف)، يحمل عقلًا علمياً نسبياً، ويحاول تفسير ما يحدث بعيداً عن تفسيرات الأهالي التي تدور حول الجن، المس، والانتقام الغيبي. لكن كلما تعمق في التحقيق، وجد نفسه أمام شبكة من الأسرار المدفونة، والتاريخ الدموي، والصراعات الطبقية، والتلاعب بالدين والخوف.

المسلسل يبني توتره على سؤال مركزي: هل ما يحدث ظاهرة ما ورائية فعلًا ؟ أم أن البشر هم من يصنعون شياطينهم بأيديهم ؟

استقبال الجمهور والنقاد

حقق المسلسل نسب مشاهدة مرتفعة خلال عرضه في رمضان 2017، ونجح في خلق حالة من الجدل والفضول، خاصة بسبب أجوائه البصرية القاتمة ، التصوير في ديكورات مغلقة ضبابية عززت الإحساس بالاختناق ، والموسيقى التصويرية ذات الطابع المقلق والغموض المتصاعد في كل حلقة.

لكن الجمهور انقسم إلى فريقين: فريق رأى فيه تجربة جريئة في الدراما المصرية، تعيد الرعب إلى الشاشة ، وفريق اعتبره معتمداً أكثر على الإبهام والغموض من البناء المنطقي المتماسك.

من جهة أخرى ، أشاد النقاد بعدة عناصر منها الصورة السينمائية ، والجرأة في اختيار قالب الرعب التاريخي، ومحاولة كسر النمط الاجتماعي المعتاد في مسلسلات رمضان لكن وُجهت له انتقادات تتعلق بالإيقاع البطيء في بعض الحلقات والاعتماد على "الصدمة البصرية" أكثر من الرعب النفسي العميق ، وبعض الثغرات في البناء الدرامي للحبكة النهائية ، ومع ذلك، يُحسب للعمل أنه أعاد فتح الباب أمام نوع درامي ظل مهمشاً في الإنتاج العربي لفترة طويلة.

الأصل الأسطوري والثقافي لفكرة المسلسل

رغم أن "كفر دلهاب" ليس مقتبساً مباشرة عن أسطورة محددة، فإن بنيته الدرامية تتغذى على عدة منابع ثقافية متداخلة:

1- ثقافة القرية المسكونة

في الفلكلور المصري، تنتشر حكايات القرى "الملعونة" أو الأماكن التي حل بها غضب غيبي نتيجة ظلم قديم أو جريمة لم يُقتصّ لها.

تلك الفكرة موجودة في الحكايات الشعبية التي تُروى شفهيًا، حيث تتحول الأرض نفسها إلى كيان يتذكر الدم.

2- مفهوم اللعنة الجماعية

فكرة أن المجتمع بأكمله يدفع ثمن خطيئة ارتكبها أفراده تتكرر في الموروث الديني والأسطوري، سواء في القصص القرآني عن القرى الظالمة، أو في الميثولوجيا العالمية التي ترى أن "الذنب غير المكفّر" يتحول إلى طاقة عقابية.

3. الجن والمس

المسلسل يستثمر بقوة في الاعتقاد الشعبي بالمسّ والانتقام الغيبي ، في الثقافة المصرية الريفية، لا يزال تفسير بعض الظواهر النفسية أو المرضية يُحال إلى عالم الجن، خصوصاً عندما يقترن بسلوك غريب أو وفاة غامضة.

4- صراع العلم والخرافة

هذه الثنائية تمثل جوهر العمل ، الطبيب القادم بعقلانية نسبية يقف في مواجهة مجتمع يدير خوفه عبر الأسطورة ، وهو ثيم كلاسيكي نجده في أدب الرعب العالمي: العقل أمام المجهول.

5- السلطة والدين والخوف

العمل يلمح أيضاً إلى توظيف الدين والخرافة كأداة للسيطرة الاجتماعية، وهي فكرة عميقة تتجاوز الرعب السطحي، لتدخل في نقد البنية الاجتماعية المغلقة.

وفي الختام ، لم يكن "كفر دلهاب" مجرد محاولة لإخافة المشاهد، بل تجربة لخلق عالم درامي يعيد استحضار الرعب الشعبي المصري داخل إطار تاريخي غامض. نجح بصرياً وأثار جدلًا نقدياً، وفتح نقاشاً حول إمكانية تطوير دراما ما وراء الطبيعة عربياً.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت اللعنة حقيقية ؟ أم أن القرية كانت تعيش داخل ظل خطيئتها ؟

هذا السؤال هو ما يجعل "كفر دلهاب" عملاً يستحق التوقف عنده، ليس كمسلسل فحسب، بل كمرآة لمخاوفنا الجمعية.