في غرب ليتوانيا، وسط إقليم جيمايتيا Žemaitija، يرتفع تل أخضر لا يبدو للوهلة الأولى مختلفاً كثيراً عن عشرات التلال التي تشكل المشهد الريفي للمنطقة،  لكن اسم هذا المكان، شاتريا Šatrija، ظل قروناً مرتبطاً بقصة أكثر ظلمة: هنا، كما تقول الروايات الشعبية، كانت الساحرات تأتي من أنحاء ليتوانيا، وأحياناً من أراضٍ أبعد، للاجتماع والرقص وتقديم تقاريرها إلى سيد غامض ينتظرها فوق القمة.

ليست شاتريا مجرد "جبل ساحرات" اخترعته السياحة الحديثة،  فاسمها يظهر في وثائق محاكمات السحر الحقيقية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كما يظهر مراراً في أرشيف الفلكلور الليتواني،  وفي دراسة حديثة راجع الباحث أندريوس كانيافا Andrius Kaniava تسعاً وتسعين رواية شعبية عن اجتماعات الساحرات؛ كانت شاتريا وحدها وجهة الاجتماع في 49 رواية، بفارق هائل عن أي موقع آخر.

فما الذي كان يحدث فوق هذا الجبل في خيال السكان ؟ ولماذا التصق اسم مكان حقيقي بالساحرات إلى هذه الدرجة ؟ والأهم: ماذا تخبرنا سجلات المحاكم والآثار عندما ننتقل من الحكاية إلى التحقيق ؟

الليلة التي تتجه فيها الساحرات إلى شاتريا

تضع روايات كثيرة الموعد في واحدة من أكثر ليالي السنة حساسية في المعتقد الشعبي الليتواني: ليلة عيد القديس يوحنا، الموافقة تقريباً لفترة الانقلاب الصيفي، والتي بقيت مرتبطة أيضاً بعيد Rasos السابق للمسيحية أو المتداخل معه.

إحدى الروايات المحفوظة في أرشيف الفلكلور تصف اجتماعاً سنوياً تأتي إليه الساحرات والسحرة من مختلف أنحاء ليتوانيا وحتى من بولندا. وبعد وصولهم يظهر "رئيس السحرة"  قادماً، بحسب الرواية، من ريغا أو ميتافا، ويبدأ المجتمعون بإخباره بما قاموا به خلال العام. أما طريقة الوصول إلى الجبل فليست واحدة: مكنسة، عصا، خلية نحل أو أدوات أخرى تتحول في المخيلة الشعبية إلى وسائل طيران، ويرافق الرحلة ريح قوية ودوامات وسوء في الطقس يخفي الساحرات عن الأنظار.

وليست ليلة الانقلاب الصيفي تفصيلاً عابراً، فمن بين الروايات الـ99 التي درسها كانيافا، ربطت 24 رواية اجتماع الساحرات بهذه الفترة. وفي التراث الليتواني عموماً عُدت ليلة القديس يوحنا زمناً تصبح فيه القوى السحرية أكثر نشاطاً؛ لذلك كان الناس يتخذون احتياطات لحماية المواشي والحليب والمحاصيل من السحر. وتذكر مصادر الثقافة الشعبية وضع النباتات الشائكة أو نبات القراص أو أغصان الروان عند أبواب الحظائر، إلى جانب رموز مسيحية للحماية. ResearchGate

وهكذا التقت في ليلة واحدة طبقتان من الاعتقاد: احتفال قديم بالنار والخصوبة والطبيعة، وخوف مسيحي لاحق من الساحرات والأرواح الشريرة.

الحفل فوق الجبل

عندما تصل الساحرات إلى شاتريا تبدأ أكثر أجزاء الأسطورة إثارة، لا تصف الروايات دائماً اجتماعاً كئيباً، بل أحياناً احتفالاً صاخباً بالموسيقى والرقص والطعام يستمر طوال الليل، وفي روايات أخرى يتحول المشهد إلى وليمة شيطانية قاتمة: ساحرات وشياطين ترقص معاً، وجثث وحيوانات نافقة تدخل ضمن صور الوليمة المرعبة، وإحدى الحكايات تطلق على الحدث وصفاً يقارب "عرس الشيطان"

أما قائد الاجتماع فتتبدل صورته، فقد يكون رجلاً عجوزاً طويل اللحية، أو شخصاً ترتدي أمامه الساحرات هيئة الخضوع، أو الشيطان نفسه، بل ويظهر في إحدى الروايات باسم لوسيفر، ومن الصور اللافتة في الفلكلور الليتواني ظهوره أحياناً في هيئة رجل ألماني صغير أو رجل يرتدي على الطريقة الألمانية، وهي صورة نمطية قديمة للشيطان في بعض تقاليد المنطقة.

وفي إحدى الروايات تخبر الساحرات سيد الاجتماع بالأعمال السيئة التي أنجزنها. كأن شاتريا لم تكن مجرد مكان للاحتفال، بل مقر سنوي للمحاسبة داخل عالم السحر الشعبي.

المرهم الذي يفتح الطريق إلى السماء

من أكثر العناصر تكراراً في القصص مادة غامضة تسمح بالطيران، في 25 رواية من المواد التي فحصها كانيافا يظهر مرهم أو خليط سحري؛ وفي بعض الروايات ترتبط مكوناته بالجاودار والحنطة السوداء، تضع الساحرة المادة تحت الإبط أو على الوجه أو الأذنين أو العينين، ثم تختفي عبر المدخنة أو النافذة أو مباشرة في الهواء.

أما وسائل الرحلة فتكشف عن خيال ريفي واضح: المكانس هي الأشهر، لكن هناك أيضاً خلايا النحل، والمدقات والهاونات وأغصان الحمام الخشبية وجذوع الأشجار.

وتظهر باستمرار شخصية أخرى مهمة: الخادم أو العامل الفضولي.

يرى الرجل سيدة المنزل وهي تستعمل المرهم ثم تطير، فيقرر تقليدها، وفي بعض القصص يربط نفسه بشيء ثقيل ظناً منه أنه سيمنعه من الارتفاع، لكن التعويذة تحمله مع ذلك؛ يصطدم بالمدخنة أو سقف البيت أو رؤوس الأشجار، ثم يجد نفسه فجأة على شاتريا وسط الساحرات.

في إحدى الروايات يكتشف الخادم سيدته بين المجتمعين، وحين يطلب منه الانضمام إلى جماعتهم وتسجيل اسمه، يكتب بدلاً من اسم الشيطان اسم المسيح؛ عندها ينهار المشهد كله، تختفي الساحرات والسحرة والقصر، ويبقى الرجل وحده فوق الجبل.

إنها نهاية تكشف بوضوح كيف اندمجت المادة الفولكلورية القديمة مع التصور المسيحي: العالم الخارق موجود داخل الحكاية، لكن إشارة دينية واحدة تستطيع فضه وإعادته إلى العدم.

من الحكاية إلى المحكمة

هنا تصبح قصة شاتريا أكثر إثارة للقلق، لأننا نغادر الفلكلور وندخل الوثائقي، في 4 يوليو 1696 نظرت محكمة ضيعة ديرفونيناي Dirvonėnai في قضية عدد من سكان قرية كيركلي Kirklių المتهمين بالسحر، تعرض المتهمون للتعذيب،وانتزعت منهم اعترافات، ثم صدرت بحق بعضهم أحكام بالموت حرقاً، وخلال التحقيق قالت ماريا أدومايتييني، تحت التعذيب، إن مجموعة من النساء طرن في ليلة القديس يوحنا عام 1695 نحو شاتريا، وقيل عن امرأتين إنهما طارتا "مع الشرر" أعلى من الأخريات.

بعد أكثر من ثلاثة عقود، سنة 1730، يظهر الجبل مرة أخرى في قضية تيركشلياي Tirkšliai، حُكم على امرأتين متهمتين بالسحر بالحرق، بينما حُكم على فتاة قاصر بالجلد قرب المحرقة، وتضم وثائق القضية ادعاءات بأن النساء كن يستعملن مرهماً تحت الإبط قبل الطيران إلى شاتريا، الواقعة على مسافة تقارب خمسين كيلومتراً.

وفي السنة التالية تظهر رواية قضائية أخرى عن متهم زعم أنه كان يصل إلى اجتماعات السحر بعد استعمال المرهم، وأن سيداً شيطانياً كان يظهر له بأشكال مختلفة، ويكشف بحث المؤرخ أيفاس راغاوسكاس Aivas Ragauskas في 16 قضية بين 1641 و1746 أن شاتريا كانت مركزاً متكرراً في ادعاءات "رحلات الساحرات" في جيمايتيا؛ بل وصلت المسافة المفترضة لبعض الرحلات المسجلة إلى نحو 64 كيلومتراً.

وهنا نفهم لماذا أصبح اسم شاتريا أقوى من مجرد حكاية محلية: المحكمة نفسها ساعدت على تثبيت الأسطورة.

ليس الساحرات وحدهن من يسكن التل

لكن الفلكلور حول شاتريا أقدم وأوسع من قصة "سابات الساحرات"، هناك روايات تفسر أصل الجبل بواسطة العمالقة، في واحدة منها كان عملاق يسير لحضور جنازة أمه، فامتلأ حذاؤه بالتراب؛ وعندما أفرغ أحد الحذاءين تشكل جبل شاتريا، وفي رواية أخرى، مسجلة سنة 1938 ولها نسخة منشورة منذ القرن التاسع عشر، صار الجبل كومة دفن هائلة لزوجة عملاق يدعى ألكيس Alcis. 

وهناك حكاية مختلفة تقول إن كنيسة كانت قائمة فوق شاتريا ثم غرقت داخل الجبل، وتشير روايات إلى وجود فتحة تقود إليها، أو إلى أن جرسها لا يزال يسمع من الأعماق، مثل هذه الكنائس والقصور الغارقة شائعة في فولكلور ليتوانيا، وغالباً ما تستخدم لتفسير المواقع القديمة أو الصراع بين الدين القديم والمسيحية. 

وتتحدث روايات أخرى عن كنوز مدفونة يحرسها كائن داخل الجبل ويحذر الناس من الحفر، وعن طفل صادف "شياطين صغيرة" تقيم في باطن شاتريا، وهكذا يصبح الجبل في المخيلة ليس مجرد مكان تجتمع فوقه الساحرات، بل عالماً ذا داخل وخارج: اجتماع فوق القمة، وكنيسة وشياطين وكنوز تحت الأرض.

وتوجد أيضاً نسخة محلية أكثر تحديداً تقول إن الساحرات، بعد دخول المسيحية، لم تحتمل وجود كنيسة في مكان اجتماعها المفضل، فدفنتها تحت التراب. هذه الرواية لا تمثل حقيقة تاريخية مثبتة، لكنها تكشف طريقة الفلكلور في شرح التحول من المكان المقدس القديم إلى المجال المسيحي الجديد.

ماذا نعرف عن شاتريا الحقيقية ؟

بعيداً عن الأساطير، شاتريا مكان أثري حقيقي ومهم ، يقع التل على بعد نحو 2.5 كيلومتر جنوب شرقي بلدة لووكه Luokė، ويبلغ ارتفاعه نحو 229 متراً فوق مستوى البحر، وهو في الأصل تل موريني تكون بفعل العصر الجليدي الأخير، أي أنه ليس كومة بناها البشر أو الساحرات كما تقول بعض الحكايات، لكن الإنسان قام بتعديل المكان لاحقاً وحوله إلى حصن مرتفع.

كشفت الحفريات عن مواقد وآثار أعمدة وبقايا بشرية محروقة وغير محروقة، إلى جانب أسلحة وأدوات وحلي وفخار، ويرجع أقدم ما عثر عليه حول الحصن إلى القرون الأولى للميلاد، واستمر استخدام المنطقة حتى العصور الوسطى، وهناك مستوطنة كبيرة كانت تمتد عند قاعدة التل. 

وتشير الموسوعة الليتوانية إلى اعتقاد الباحثين بأن التل ربما جرى استعماله في طقوس دينية قديمة، ويضع بعض الباحثين شاتريا ضمن المواقع المقدسة المهمة في جيمايتيا قبل المسيحية، كما أن المنطقة اعتنقت المسيحية متأخرة نسبياً؛ بدأ تنصير جيمايتيا في أوائل القرن الخامس عشر، وبُنيت في لووكه القريبة إحدى الكنائس المسيحية المبكرة في المنطقة حوالي 1421.

لكن هذه النقطة تحتاج إلى الحذر: وجود حصن قديم وبقايا بشرية ومكان ذي أهمية قبل المسيحية لا يثبت أن اجتماعات ساحرات حدثت بالفعل على الجبل، إنه يوضح فقط لماذا كان المكان مناسباً لأن يتحول إلى مركز للأساطير: مرتفع، قديم، بارز في المشهد، ومرتبط بتاريخ ديني سابق للمسيحية.

التحقيق: هل كانت الساحرات تطير فعلاً إلى شاتريا ؟

أفضل دليل لدينا على الإجابة لا يأتي من الرافضين المتأخرين للحكايات، بل من دراسة السجلات نفسها.

يؤكد راغاوسكاس أن روايات الطيران الواردة في المحاكم يجب فهمها في سياق الاستجواب والتلقين والاعترافات المنتزعة بالقوة، فبعض المتهمين تعرضوا للتعذيب، وكانت المحكمة تدخل إلى التحقيق وهي تحمل مسبقاً صورة ثقافية عن الساحرة: مرهم، رحلة ليلية، شيطان، اجتماع في مكان بعيد. ثم يبدأ المتهم تحت الضغط بإنتاج قصة تشبه القصص التي يعرفها المجتمع أصلاً.

وهنا تظهر دائرة مثيرة: الفلكلور يؤثر في المحكمة، والمحكمة تعيد إنتاج الفلكلور بصورة "موثقة"، ثم تعود هذه القصص القضائية إلى المجتمع وقد اكتسبت قوة أكبر لأنها حدثت، ظاهرياً، لأشخاص حقيقيين.

ومع ذلك هناك تفصيل يصعب تجاهله: عندما فحص كانيافا 99 رواية فولكلورية من القرنين التاسع عشر والعشرين، وجد أن 55 منها تجعل مكان الاجتماع فوق تل، وأن 49 منها تسمي شاتريا تحديداً، بل إن بعض القصص جُمعت من قرى تبعد أكثر من مئة كيلومتر عن الجبل، أي أن شهرة شاتريا لم تكن مجرد تقليد خاص بالقرية التي تقع عند سفحه، بل أصبحت جزءاً من جغرافيا السحر في المخيلة الليتوانية بأكملها.

يمكننا لذلك القول إن "الحقيقة" المهمة في شاتريا ليست إثبات طيران الساحرات، وإنما إثبات شيء أكثر قابلية للدراسة: أن مجتمعاً كاملاً رسم خريطة لعالمه الخارق، ووضع شاتريا في مركزها.

لماذا شاتريا بالذات ؟

يقترح الباحثون مفهوماً مهماً هنا: بعض المناظر الطبيعية تفرض نفسها على الأساطير بسبب بروزها، الجبل المرتفع والمعزول، والمكان الأثري القديم، والموقع المقدس أو الغامض، يوفر نقطة يمكن تعليق القصص عليها.

وهذا ما يميز شاتريا عن "الجبل الأزرق" الأسطوري في بعض التقاليد اللاتفية أو بلوكلا Blåkulla السويدية؛ فهذه الأماكن يمكن أن تكون غامضة الموقع، بينما شاتريا مكان حقيقي يستطيع الناس رؤيته والصعود إليه والإشارة نحوه، ويشبه بذلك مواقع أوروبية أخرى صارت جبالاً حقيقية لاجتماعات الساحرات في الفلكلور.

حتى الاسم شارك في صناعة الغموض، يشير كانيافا إلى أن كلمة شاتريا šatrija استعملت تاريخياً في غرب ليتوانيا لوصف امرأة صعبة أو غاضبة، بينما ربطت بعض الروايات الشعبية الاسم بكلمة šatra، أي العصا أو الغصن الطويل، لكن من الصعب إثبات أن أحد هذين الاشتقاقين هو الأصل الحقيقي للاسم؛ الأوضح أن شاتريا والساحرة أصبحا مرتبطين لغوياً وثقافياً بمرور الزمن. 

النار ما زالت تشتعل فوق الجبل

اللافت أن الانقلاب الصيفي لم يختفِ من شاتريا ، تقام اليوم على الجبل احتفالات راسوس Rasos في ليلة 23 إلى 24 يونيو، يغسل المشاركون وجوههم بماء بئر قريب، يجمعون النباتات، يشعلون النار، يغنون ويرقصون، يبحثون رمزياً عن "زهرة السرخس" ثم يُدحرج من الجبل في ساعات الليل عجل مشتعل من القش قبل أن يعود المشاركون إلى القمة لاستقبال شروق الشمس.

لا يعني ذلك بالطبع استمرار طقوس ساحرات قديمة؛ الاحتفال الحديث هو إحياء ثقافي وطقسي لتقاليد الانقلاب الصيفي، لكنه يصنع مشهداً يصعب ألا يذكّر بالقصص التي رويت عن المكان قبل قرون: ليل قصير، نار فوق الجبل، دوائر من البشر، أغنيات، وطقوس تمتد حتى شروق الشمس.

ربما لهذا نجت أسطورة شاتريا طويلاً، التل لم يكن مجرد خلفية للحكاية؛ لقد منح الحكاية جسداً ومكاناً يمكن العودة إليه.

وفي مكان كهذا تختلط ثلاثة أزمنة فوق القمة نفسها: حصن من العصر الحديدي، واعترافات كتبتها محاكم السحر، وفلكلور يتحدث عن مكانس ودوامات وشياطين، ثم أناس معاصرون يصعدون في ليلة الانقلاب الصيفي ليشعلوا النار من جديد.

وهكذا قد لا نجد فوق شاتريا دليلاً على أن الساحرات حلّقن يوماً إلى الجبل، لكننا نجد شيئاً موثقاً لا يقل إثارة: أحد الأماكن النادرة في أوروبا التي يمكن تتبع تحولها من موقع قديم مقدس، إلى مركز لاجتماعات الساحرات في المخيلة الشعبية، ثم إلى اسم حقيقي تكرر في اعترافات محاكم السحر نفسها.