في سبتمبر 2025، كان الكاتب والمخرج الإيرلندي مانشان ماغان Manchán Magan يعرف أن مرض السرطان يقترب به من نهاية حياته، وفي مقابلة إذاعية تحدث عن أمر غريب حدث في الخارج، بعيداً عن الأطباء والمستشفى، كان أحد جيرانه قد ذهب إلى خلايا النحل ليخبرها بأن ماغان مريض، وأنه لن يبقى بينهم طويلاً.

لم يكن الرجل يمزح، ولم يكن يفعل شيئاً اخترعه من تلقاء نفسه، بل كان يحيي تقليداً قديماً عرفته إيرلندا وأجزاء أخرى من أوروبا باسم "إخبار النحل" Telling the Bees.

وبعد أسابيع، توفي ماغان ، لكن لماذا ينبغي للنحل أن يعرف بموت إنسان ؟ ولماذا اعتقد الناس أن إخفاء الخبر عنه قد يجعله يهجر الخلية أو يتوقف عن إنتاج العسل أو حتى يموت ؟

إنه تقليد غريب امتد من البيوت الريفية إلى القصور، حتى إنه تم إبلاغ  نحل الملكة إليزابيث الثانية رسمياً بوفاتها عام 2022.

عندما يدخل البيت في الحداد

أعادت دراسة حديثة للباحث الإيرلندي مايرتن ماك كون إيومير Máirtín Mac Con Iomaire، نشرتها مجلة "الفلكلور" Folklore عام 2026، تسليط الضوء على طقوس الموت والجنازات في إيرلندا خلال نصف قرن، بين عامي 1975 و2025.

وتكشف الدراسة عالماً كان الموت فيه حدثاً لا يخص الجثمان وحده، بل يغير حالة المنزل بأكمله.

عند حدوث الوفاة كانت الساعات تُوقف، والمرايا تُغطى، ويُغسل الجثمان ويُهيأ داخل المنزل، ثم يبدأ  السهر على الميت (الوايك) Wake حيث يجتمع الأقارب والجيران للصلاة والحديث والطعام والشراب والندب.

وبعض هذه العادات لم يختفِ تماماً، يروي الباحث نفسه أنه عند وفاة شقيقته في كونيمارا عام 2010 أُوقفت الساعة وغُطيت المرايا وأقيم السهر على جثمانها في المنزل.

لكن بين تلك الطقوس كان هناك شيء آخر يجب ألا يُنسى ، إذا كان في المنزل نحل فعليه هو أيضاً أن يعرف أن الموت قد دخل البيت.

لقد مات صاحبكم

عند وفاة صاحب الخلايا أو أحد أفراد الأسرة، كان شخص ما يتوجه إلى النحل ويبلغه بالخبر ، تختلف الطريقة من منطقة إلى أخرى، لكن الطقس قد يتضمن الاقتراب من الخلية والحديث إليها مباشرة، وأحياناً الطرق عليها برفق أو تعليق شريط أو قطعة من القماش الأسود عليها، وتحتفظ المجموعة الوطنية للفلكلور في إيرلندا National Folklore Collection بشهادات واضحة عن هذا التقليد.

في تسجيل من مقاطعة ليمريك، ورد أنه عند موت شخص في المنزل كانت الساعات توقف والمرايا تغطى، وإذا وجدت خلايا نحل فإن كل خلية تُغطى بقماش أسود.

أما السبب فكان أكثر غرابة: إذا لم يحدث ذلك، سيموت النحل.

وتظهر الفكرة نفسها في تسجيلات من مقاطعة كلير، حيث كان الاعتقاد يقول إن النحل يجب أن يتم إخباره بموت صاحبه وإلا فقد يموت أو يهجر المكان.

لم يكن النحل، إذن، مجرد حيوان ينتج العسل ، كان فرداً آخر من المنزل ينبغي إشراكه في خبر الوفاة.

ارتدى أفضل بدلته ليخبر النحل

ومن أجمل الروايات التي حفظها الفلكلور الإيرلندي قصة رجل يدعى جيمي بان Jimmy Bann، وجرى تسجيلها سجلت في مقاطعة أنتريم عام 1954.

كان بان معروفاً بعلاقته الوثيقة بنحله، وكان يتحدث إليه ويشاركه أخبار حياته ، وعندما توفيت والدته، لم يتجه إلى الخلايا فوراً بملابس العمل ، اغتسل، وحلق ذقنه، ولمّع حذاء الأحد، ثم ارتدى أفضل بدلته وتوجه إلى النحل ليخبره بأن والدته ماتت ، التفصيل لافت، لأنه يجعل الزيارة أشبه بتقديم واجب عزاء.

ولم يكن جيمي بان حالة منفردة، فقد روت الباحثة في الفلكلور الإيرلندي إيمير خومهاناخ Eimear Chaomhánach كيف فعل والدها شيئاً مشابهاً عندما توفيت والدتها؛ توجه إلى خلاياه ووضع يديه عليها وتحدث إلى النحل بهدوء.

وعندما سئل عن السبب، لم يقدم تفسيراً غيبياً معقداً ، قال ببساطة إن ذلك كان "الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله".

لم يخبر النحل... فمات

لكن وراء الجانب الحميمي من التقليد كان هناك خوف قديم ، ففي مقاطعة غالواي سجلت عام 1944 رواية عن مربي نحل لم يلتزم بالعادة بعد حدوث وفاة في أسرته ، ثم حدث ما كان يخشاه الناس ، بدأ النحل يضعف، ثم مات داخل خلاياه.

بالنسبة لصاحب النحل كان التفسير واضحاً: لقد أهمل إخبار النحل بالموت، فكانت هذه النتيجة.

بالطبع لا تثبت الرواية وجود علاقة بين الأمرين، مستعمرات النحل يمكن أن تنهار لأسباب كثيرة، من الأمراض والطفيليات ونقص الغذاء إلى البرد ومشكلات الملكة.

لكن بالنسبة إلى مجتمع يؤمن مسبقاً بأن النحل يجب أن يُبلغ بالوفاة، كان موت المستعمرة بعد إهمال الطقس يبدو وكأنه تأكيد للمعتقد.

وهكذا يمكن للمصادفة أن تتحول إلى قصة، والقصة إلى دليل، والدليل إلى تقليد يعيش جيلاً بعد جيل.

النحل الذي تبع جنازة صاحبه

وهناك روايات أكثر غرابة ، في شهادة سجلت في غالواي عام 1959، كان رجل يدعى ماكورماك McCormack يمتلك سبع عشرة خلية نحل، وقيل إن علاقته بالنحل كانت وثيقة إلى درجة أنه يستطيع حمله في كفه من دون أن يلسعه.

عندما مات، نسي أهله إخبار النحل ، وتقول الرواية إنه عندما بدأ المشيعون حمل نعشه صعوداً نحو المقبرة، حدث شيء غير متوقع.

خرج النحل من خلاياه في سرب، ثم تبع موكب الجنازة ، وبحسب القصة، لم يعد إلى خلاياه بعد ذلك.

وتوجد رواية أحدث من مقاطعة كورك، نقلها رجل قال إنه شاهد نحل مربي متوفى يتحرك مثل سحابة فوق الطريق أثناء جنازته.أما في قصة أخرى من Ballydehob في كورك  فقد ذهبت أرملة مربي نحل إلى قبر زوجها بعد أيام من دفنه، لتجد المكان مغطى بالنحل والفراشات ، يمكن بالطبع اقتراح تفسير طبيعي بسيط: أزهار الجنازة ربما جذبت الحشرات ، لكن بالنسبة إلى الأرملة كان للمشهد معنى آخر ، لقد جاء نحل زوجها ليودعه.

النحل يشارك طعام المأتم

في بعض التقاليد الإيرلندية لم يكن إخبار النحل كافياً ، كان ينبغي أيضاً أن يشارك في الحداد ، وتشير خومهاناخ إلى عادة ترك شيء من طعام المأتم بالقرب من الخلايا، وقد يكون ذلك كعكاً أو عسلاً أو شراب الميد، بينما يمكن أن تتخذ الممارسة في العصر الحديث شكلاً أبسط، كترك شيء من الطعام أو الشراب بجوار النحل.

وكأن الخلية أصبحت امتداداً للمجلس الذي يجتمع فيه أهل الميت ، فالنحل يعرف الخبر، ويرتدي الحداد، ويحصل حتى على نصيبه من المأتم.

لماذا النحل تحديداً ؟

لا توجد إجابة واحدة مؤكدة عن أصل هذا التقليد ، لكن النحل احتل مكانة استثنائية في المخيلة الأوروبية منذ زمن بعيد، فهو يعيش في مجتمع منظم بصورة أثارت خيال الإنسان، ينتج العسل والشمع، ويختفي في الشتاء ثم يعود إلى النشاط، وكان وجوده مهماً للحياة الاقتصادية والدينية معاً.

وتشير دراسات الفلكلور إلى معتقدات ربطت النحل والفراشات والطيور بالروح وبالانتقال بين عالم الأحياء والعالم الآخر، وتوجد حكايات أوروبية تظهر فيها روح الإنسان أو الحيوان في هيئة نحلة أو كائن صغير يخرج من الجسد.

وهكذا يصبح إخبار النحل بالموت أكثر قابلية للفهم داخل ذلك العالم الرمزي.

لكن من الخطأ الجزم، كما تفعل بعض الروايات الشعبية الحديثة، بأن الطقس "عادة سلتية قديمة" استمرت دون انقطاع آلاف السنين. توثيق التقليد في القرون الأخيرة قوي، أما أصله الأول والمسار الدقيق الذي سلكه عبر التاريخ فأقل وضوحاً.

وهناك تفسير اجتماعي أبسط أيضاً ، النحل كان ثروة حقيقية للأسرة الريفية، ومربي النحل يعرف خلاياه ويتعامل معها لسنوات، ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول العلاقة الاقتصادية والعملية بمرور الزمن إلى علاقة عاطفية ورمزية.

وعندما يموت صاحب الخلية، لا يموت شخص فقط ، يتغير أيضاً الشخص الذي سيعتني بالنحل.

ليس تقليداً إيرلندياً فقط

المثير أن "إخبار النحل" لم يقتصر على إيرلندا ، فقد ظهرت صور مختلفة منه في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وهولندا ومناطق أخرى من أوروبا، ثم عبر التقليد المحيط الأطلسي ووصل إلى أميركا الشمالية، وفي بعض المناطق لم يكن النحل يخبر بالموت فقط، بل أيضاً بالزواج والولادة والأحداث المهمة في الأسرة.

وفي إنجلترا كان من الممكن الطرق على الخلية بمفاتيح المنزل قبل إعلان الخبر، بينما عرفت مناطق أخرى عادة تحريك الخلايا قليلاً في اللحظة التي يغادر فيها النعش المنزل.

أما في بعض التقاليد الألمانية، فعند موت أي "أبي النحل" أو مربيه Bienenvater كانت الخلايا تحرك برفق، وإلا خشي الناس أن يهجر النحل المكان أو يموت.

اصنع الشمع... فقد مات صاحبك

وفي بلاد الباسك اتخذ التقليد معنى آخر شديد الارتباط بالموت ، كان النحل يُبلغ بوفاة صاحب المنزل، لكنه كان يُطلب منه أيضاً أن يستمر في العمل وينتج الشمع اللازم لإضاءة قبر الميت في الكنيسة.

وسجلت صيغ تقليدية تخاطب النحل بما معناه:

" أيها النحل الصغير، اصنع الشمع؛ فقد مات صاحبك، ونحتاج إلى النور في الكنيسة".

وكانت الخلايا تُغطى بالسواد، حتى إن بعض التعبيرات المحلية تشير إلى إلباس النحل الحداد.

ولم يقتصر الأمر دائماً على النحل؛ فقد عرفت بعض المجتمعات تقاليد يتم فيها إبلاغ حيوانات المزرعة الأخرى بتغير صاحب المنزل، وكأن موت الإنسان يستوجب إعادة تعريف العلاقة بين البيت وكل الكائنات التي تعيش حوله.

النحل يعبر إلى أميركا

وصل التقليد إلى العالم الجديد، وخصوصاً إلى نيو إنغلاند ، واكتسب شهرة أدبية عندما نشر الشاعر الأميركي جون غرينليف ويتير John Greenleaf Whittier قصيدته Telling the Bees عام 1858.

في القصيدة يعود الراوي إلى منزل يعرفه، ثم يلاحظ أن شيئاً غير طبيعي قد حدث، يرى فتاة ترتدي السواد وتتجه إلى خلايا النحل وتغطيها بقماش الحداد وتخبر النحل أن سيدته ماتت.

وبعد عقود ظهر الاعتقاد نفسه في الأدب الأميركي مرة أخرى.

في رواية مغامرات هاكلبيري فين لـ مارك توين المنشورة عام 1885، يذكر جيم اعتقاداً يقول إن صاحب خلية النحل إذا مات، فيجب إخبار النحل قبل شروق شمس اليوم التالي، وإلا ضعف النحل وتوقف عن العمل ومات.

وهكذا انتقلت عادة ريفية قديمة من الذاكرة الشفهية إلى الأدب.

لوحة تحفظ الطقس

حتى الفن حفظ لنا صورة عن هذه العادة ، ففي عام 1895 رسم الفنان البريطاني تشارلز نابير هيمي Charles Napier Hemy لوحة تعرف باسم The Widow، تظهر أرملة وطفلاً عند خلايا النحل في مشهد يرتبط بتقليد إبلاغ النحل بوفاة صاحبه ، لم يعد الطقس هنا مجرد وصف مكتوب في دفاتر جامعي الفلكلور، بل أصبح صورة للحداد الريفي: إنسان فقد شخصاً عزيزاً، ثم خرج من المنزل ليشارك النحل الخبر.

ومع دخول القرن العشرين ثم الحادي والعشرين، كان من الطبيعي أن نتوقع اختفاء مثل هذا التقليد.

لكنه لم يختفِ تماماً.

عندما ماتت الملكة

في الثامن من سبتمبر 2022، توفيت الملكة إليزابيث الثانية، وفي اليوم التالي كان على رجل يدعى جون تشابل John Chapple أداء مهمة غير مألوفة ، كان تشابل مربي النحل الملكي، ومسؤولاً عن خلايا موجودة في قصر باكنغهام وكلارنس هاوس.

توجه الرجل، وكان في التاسعة والسبعين من عمره، إلى الخلايا ووضع عليها شرائط سوداء ثم طرق كل خلية ، وأخبر النحل بأن سيدته قد ماتت ، ولم يكتفِ بذلك؛ طلب من النحل ألا يغادر، وأخبره بأن سيداً جديداً سيحل مكان الملكة، في إشارة إلى الملك تشارلز الثالث، وأنه سيكون سيداً جيداً له ، كان هناك سبع خلايا بحسب التقارير المنشورة آنذاك.

وهكذا، بعد قرون من الروايات عن فلاحين يطرقون خلاياهم ليخبروا النحل بموت أفراد أسرهم، تكرر الطقس نفسه عند وفاة واحدة من أشهر الشخصيات في العالم، داخل القصور الملكية البريطانية.

لم يكن ذلك إجراءً رسمياً للدولة، بطبيعة الحال، ولا اعترافاً بأن النحل يفهم الموت، وإنما استمراراً رمزياً لتقليد قديم ظل مربي النحل الملكي متمسكاً به.

لكن المشهد كان استثنائياً:

ملكة ماتت، وملايين البشر عرفوا الخبر خلال دقائق... ومع ذلك كان هناك من يرى أن النحل أيضاً يجب أن يُخبر.

هل يعرف النحل أن صاحبه مات ؟

هنا نصل إلى الحد الفاصل بين الفلكلور والعلم، لا يوجد دليل علمي على أن النحل يفهم مفهومموت صاحبه بالطريقة التي يتصورها الإنسان، ولا دليل على أن مستعمرة ستموت أو تهجر خليتها لأن أحداً لم يبلغها بالوفاة.

أما الروايات التي تتحدث عن أسراب ظهرت في جنازات أو عند قبور، فمن الممكن أن تكون لها تفسيرات طبيعية مرتبطة بسلوك السرب والروائح والأزهار والطقس وموقع الخلايا، كما أن الروايات الشفهية نفسها تتغير عندما تنتقل بين الأجيال.

لكن هذا لا يجعل التقليد بلا معنى ، فربما تكمن أهميته في شيء مختلف تماماً.

بين الروح والذاكرة

عندما يخبر الإنسان نحله بأن شخصاً مات، فهو في الحقيقة يعترف بأن الموتغيّر عالماً كاملاً، لا حياة فرد واحد فقط ، تغيرت الأسرة، وتغير البيت، وتغير الشخص الذي يفتح الخلايا ويجمع العسل ويعتني بالمستعمرة.

ولهذا يمكن النظر إلى الطقس كوسيلة يمنح بها الإنسان حزنه شكلاً محسوساً: يوقف الساعة، يغطي المرآة، يجلس إلى جوار الميت، ثم يخرج إلى الحديقة ليخبر الكائنات التي كانت جزءاً من حياته بأن صاحبها لن يعود.

ومع ذلك يبقى اختيار النحل تحديداً مثيراً ، فمن بين حيوانات المزرعة الكثيرة، كان النحل واحداً من أكثر الكائنات التي أحاطها الإنسان بالرموز المتعلقة بالنظام والحياة والموت والروح والعالم الآخر.

ولهذا ربما بقي الطقس حياً بعد أن اختفت الأسباب التي ولدته.

من مربي نحل إيرلندي ارتدى أفضل بدلته ليبلغ خلاياه بوفاة أمه، إلى أرملة اعتقدت أن نحل زوجها جاء إلى قبره ليودعه، وصولاً إلى رجل يقف في حديقة قصر باكنغهام ويهمس إلى الخلايا بأن الملكة قد ماتت...

تغير العالم كثيراً.

لكن بقي السؤال القديم نفسه:

عندما يموت صاحب الخلية... من سيخبر النحل ؟