لم يكن العنكبوت في مخيلة الشعوب مجرد كائن يثير الخوف، فقد دخل الطقوس السحرية والعرافة والطب الشعبي، ثم ظهر في الأساطير بوصفه خالقاً وناسجاً للقدر ومخادعاً وكائناً يجمع بين الحكمة والخطر، وربما كانت شبكته، بما تحمله من دقة وغموض وفخ خفي، هي المفتاح لفهم هذه المكانة.

العنكبوت في العرافة

من أغرب الاستخدامات الطقسية للعنكبوت ما نجده عند جماعات من شعب مامبيلا Mambila في الكاميرون ونيجيريا، حيث توجد ممارسة عرافة تعرف باسم نجامدو ŋgam dù ، يضع العرّاف قطعاً صغيرة أو أوراقاً تحمل علامات أو تمثل إجابات مختلفة قرب جحر العنكبوت، ثم يترك الحيوان ليخرج ويحركها. بعد ذلك يتم تفسير أوضاع القطع واتجاهاتها باعتبارها جواباً عن سؤال يتعلق بالمرض أو الزواج أو النزاعات أو القرارات المهمة.

وقد درس عالم الأنثروبولوجيا ديفيد زيتلاين David Zeitlyn هذه الممارسة لعقود ووثق مئات الحالات، هنا لا يمثل العنكبوت المستقبل رمزياً فقط، بل يتحول داخل الطقس نفسه إلى وسيط بين السؤال والإجابة ، ولعل سلوكه الطبيعي ساهم في نشوء هذا الاعتقاد؛ فهو يعيش في عالم من الاهتزازات الدقيقة التي لا يلاحظها الإنسان، فيبدو كأنه يستشعر ما هو خفي.

العنكبوت : تميمة للشفاء

دخل العنكبوت أيضاً الطب الشعبي الأوروبي، وخصوصاً في بريطانيا، فقد سجلت مصادر تاريخية وضع عنكبوت داخل قشرة جوز أو كيس صغير وتعليقه حول عنق المريض لعلاج الحمى أو بعض الأمراض، وذكر الكاتب الإنكليزي روبرت بورتون Robert Burton في القرن السابع عشر أنه شاهد استخدام عنكبوت محفوظ داخل قشرة جوز ومغلف بالحرير ضد الحمى المتقطعة.

وفي روايات أخرى كان يُعتقد أن المرض سيضعف مع موت العنكبوت الموجود داخل التميمة، وهي فكرة تقترب مما يسمى السحر التعاطفي؛ أي الاعتقاد بأن ما يحدث لشيء مرتبط بالمرض يمكن أن ينعكس على المريض ، كما استُخدمت خيوط العنكبوت في بعض البيئات الشعبية فوق الجروح حيث اختلطت الملاحظة العملية بالمعتقد السحري.

وتورد بعض موسوعات السحر الحديثة أيضاً اعتقاداً أغرب، مفاده أن أكل عنكبوت أسود بين شريحتي خبز بالزبدة يمنح الساحرة قوة كبيرة، إلا أن هذا الادعاء أقل توثيقاً تاريخياً من استخدام العنكبوت كتميمة علاجية، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه موروثاً منقولاً في كتب السحر الحديثة لا حقيقة تاريخية مؤكدة.

التارانتزم: حين تصبح اللدغة طقساً للرقص

في جنوب إيطاليا وخصوصاً في بوليا وسالنتو، ظهر لقرون اعتقاد بأن لدغة عنكبوت يمكن أن تسبب حالة غريبة عرفت باسم التارانتزم Tarantism، كان المصاب يدخل في حالة من الخمول أو الألم أو الاضطراب، ويُعتقد أن علاجه يتطلب الموسيقى والرقص المتواصل، كان العازفون يغيرون الإيقاع، بينما يرقص المصاب لساعات حتى يصل إلى الإنهاك أو الارتياح،  ومن هذه البيئة ارتبط اسم رقصة التارانتلا بالعنكبوت.

لكن التحقيقات الحديثة أظهرت أن الظاهرة أعقد من تسمم بسيط، فالعنكبوت

الذي حمل اسمها رتيلاء لايكوسا Lycosa tarantula لا يفسر وحده الأعراض المنسوبة إليها بينما اقترح بعض الباحثين أن حالات محدودة ربما نتجت عن الأرملة السوداء المتوسطية.

أما الباحث الإيطالي إرنستو دي مارتينو Ernesto de Martino فرأى في التارانتزم ظاهرة ثقافية ونفسية أيضاً؛ فقد كانت "لدغة العنكبوت" تمنح المصاب قالباً اجتماعياً للتعبير عن أزمة أو معاناة، بينما تعمل الموسيقى والرقص كطقس للتنفيس عنها ، وهكذا أصبح العنكبوت في هذه الحالة جزءاً من تفسير ثقافي للألم أكثر من كونه مجرد مصدر للسم.

العنكبوت في السحر الحديث

أعادت تيارات النيوباتانية و الويكا Wicca والروحانية المعاصرة تفسير شبكة العنكبوت بوصفها رمزاً للخلق والترابط والطاقة الأنثوية ، كما أدخلت بعض الاتجاهات صور العنكبوت في التأمل وطقوس التجسد manifestation وأصبح في أدبيات أعمال الظل Shadow Work رمزاً لمواجهة المخاوف والجوانب المظلمة في النفس ، غير أن هذه المعاني حديثة في معظمها، ولا ينبغي الخلط بينها وبين التقاليد القديمة، فهي استعادت رموزاً سابقة مثل النسيج والخلق والصبر والظلام، ثم أعادت صياغتها بلغة روحانية معاصرة.

لماذا أصبحت الشبكة رمزاً للسحر ؟

يمتلك العنكبوت خصائص تسهل تحويله إلى رمز سحري، فهو ينتج الخيط من جسده، ويبني شبكة تكاد تكون غير مرئية، ويجلس في مركزها مترقباً أدنى اهتزاز ، لذلك ارتبط بالخلق والحدس والصبر والسيطرة والقدر، لكن الشبكة نفسها فخ، ولهذا ارتبط أيضاً بالخداع والأسر والموت ، هذه الازدواجية ستتكرر في معظم الأساطير التي أحاطت به.

امرأة العنكبوت والخَلق

في بعض روايات الهوبي وهم شعب من السكان الأصليين سكن جنوب غرب الولايات المتحدة، تظهر امرأة العنكبوت Spider Woman بوصفها إحدى قوى الخلق، ففي إحدى الروايات تصنع البشر من الطين وتمنحهم الحياة، ولا توجد رواية واحدة موحدة لدى الهوبي، لكن حضور امرأة العنكبوت في عدد من التقاليد يكشف عن رابطة واضحة بين النسيج والخلق.

وعند شعب الدينِيه، المعروفين بالنافاهو (قبائل أخرى من أمريكا الشمالية)  ترتبط  المرأة العنكبوت بتعليم البشر فن النسيج، هنا لا يصبح العنكبوت خالقاً فقط، بل معلماً يمنح الإنسان معرفة وحرفة.

العنكبوت الذي جلب النار

في تراث الشيروكي (قبيلة من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية) نجد حكاية عن عنكبوت الماء Water Spider ، تقول الرواية إن العالم كان بارداً بلا نار، حتى اشتعلت شجرة في جزيرة بعد أن ضربها البرق، حاولت الحيوانات الوصول إليها وفشلت، عندها نسجت أنثى عنكبوت الماء وعاءً صغيراً من خيطها، عبرت الماء، أخذت جمرة وعادت بها ، في هذه الحكاية لا ينتصر العنكبوت بالقوة، بل بالمهارة والذكاء والنسيج.

أراكني: النسيج كعقوبة

في الأسطورة اليونانية الرومانية نجد أراكني Arachne  الناسجة الماهرة التي تحدت أثينا ، بحسب رواية أوفيد، كان عمل أراكني بالغ الإتقان، لكنه أثار غضب الإلهة، فانتهت القصة بتحولها إلى عنكبوت محكوم عليه بالنسج إلى الأبد ، هنا يتحول الخيط من موهبة إلى قدر لا يمكن الهروب منه ، ومن اسم أراكني اشتقت لاحقاً كلمة Arachnid المستخدمة لفئة العنكبيات.

أنانسي: العنكبوت الحكيم والمخادع

في غرب أفريقيا، وخصوصاً في تقاليد الأكان في غانا، يظهر  أنانسي Anansi  بوصفه عنكبوتاً مخادعاً وذكياً، لا ينتصر أنانسي عادة بالقوة، بل بالحيلة والكلام والقدرة على خداع من هم أقوى منه، كما ارتبط بالحكايات والأمثال والحكمة، وانتقلت قصصه إلى الكاريبي والأميركتين مع الأفارقة خلال عصور تجارة الرقيق ، ولعل الصلة بين العنكبوت والحكواتي واضحة: كلاهما ينسج شبكة، أحدهما من الخيوط والآخر من القصص.

عنكبوت يصل الأرض بالقمر

في الفلكلور البولندي يظهر الساحر الأسطوري بان تفاردوفسكي Pan Twardowski الذي عقد صفقة مع الشيطان وتنتهي بعض الروايات ببقائه على القمر، وتضيف بعض نسخ الحكاية أن خادماً حوله تفاردوفسكي إلى عنكبوت ظل يهبط بخيطه من القمر إلى الأرض، يعرف أخبارها ثم يعود بها إلى سيده ، هنا يتحول خيط العنكبوت إلى جسر بين عالمين.

المرأة العنكبوتية في اليابان

في الفلكلور الياباني تظهر جوروغومو Jorōgumo وهي شخصية عنكبوتية تستطيع في بعض الروايات التحول إلى امرأة جميلة تستدرج الرجال قبل الإيقاع بهم، كما نجد تسوتشيغومو Tsuchigumo الذي يظهر في الحكايات والرسوم القديمة كوحش عنكبوتي ضخم يقاتله الأبطال ، وفي هاتين الصورتين يصبح العنكبوت رمزاً للإغواء والفخ والخطر، وهو الوجه المظلم للنسيج الذي ظهر في ثقافات أخرى رمزاً للخلق والحكمة.

عنكبوت في ثيابك قد يعني المال

للعنكبوت أيضاً صورة أكثر تفاؤلاً في الفلكلور البريطاني، فالعناكب الصغيرة المعروفة شعبياً باسم "عناكب المال" Money Spiders ارتبطت بالحظ والمال، وكان العثور على أحدها فوق الملابس يعد عند البعض إشارة إلى مال قادم أو حتى إلى الحصول على ثياب جديدة ، ومن هنا أيضاً جاءت معتقدات شعبية تحذر من قتل العنكبوت خوفاً من خسارة الحظ.

العنكبوت في الأحلام

تمتلئ كتب الأحلام بتفسيرات للعناكب: لدغتها خيانة، قتلها تغلب على العقبات، العنكبوت الصغير بشارة، والأحمر حب أو شغف، لكن هذه المعاني تنتمي إلى ثقافة تفسير الأحلام الشعبية، وليست قواعد نفسية مثبتة، فلا يوجد قاموس علمي عالمي يجعل رمزاً واحداً يحمل المعنى نفسه لدى جميع البشر، من يخاف العناكب قد يراها في حلمه كتهديد، بينما قد يربطها شخص آخر بالصبر أو الإبداع أو النسيج، لذلك لا يكفي السؤال: " ماذا يعني العنكبوت في الحلم؟"، بل يجب أيضاً السؤال: ماذا يعني للحالم نفسه ؟

بيت العنكبوت في الثقافة الإسلامية

يحضر العنكبوت أيضاً في القرآن، حتى إن سورة كاملة تحمل اسمه ، وفي سورة العنكبوت يأتي المثل: " وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت" في سياق تشبيه الاعتماد على غير الله ببيت لا يوفر الحماية المطلوبة، وهنا تختلف الدلالة عن كثير من الأساطير الأخرى؛ فالشبكة التي أصبحت في ثقافات ما رمزاً للخلق والترابط تتحول هنا إلى مثال على هشاشة الاعتماد، أما قصة نسج العنكبوت شبكته على مدخل غار ثور أثناء الهجرة فهي رواية تراثية شائعة، وليست جزءاً من النص القرآني نفسه.

رهاب العناكب : حين يتحول الرمز إلى خوف

يُعرف الخوف المرضي من العناكب باسم أراكنوفوبيا Arachnophobia أي "رهاب العناكب" وهو من أشكال الرهاب المحدد.، وقد تثير العناكب لدى بعض الأشخاص خوفاً ونفوراً شديدين، حتى إن مجرد توقع وجودها قد يسبب القلق والرغبة في الهرب ، ولا يوجد تفسير واحد مؤكد لهذا الرهاب؛ فقد تسهم فيه الاستعدادات التطورية، والخبرات السيئة، ومشاهدة خوف الآخرين، والمعلومات السلبية المرتبطة بالعناكب ، وهنا يلتقي علم النفس بالفلكلور؛ فصورة العنكبوت في الأساطير بوصفه كائناً غامضاً أو مخادعاً أو ناسجاً للفخ قد تزيد حضوره في عالم الرعب والماورائيات، لكن لا توجد أدلة علمية تربط هذا الرهاب بتأثيرات خارقة، والأرجح أن الخوف النفسي حين يمتزج بالأسطورة يمنح العنكبوت هذه الهالة المظلمة.

لماذا تكررت رمزية العنكبوت ؟

لا نحتاج إلى افتراض وجود رمز عالمي واحد انتقل بين جميع الشعوب، يكفي النظر إلى العنكبوت نفسه ، هو ينتج الخيط من جسده، فيبدو كخالق،  يبني شبكة هندسية، فيصبح ناسجاً، ينتظر بصبر، فيرمز إلى الحكمة، يشعر بالاهتزازات البعيدة، فيرتبط بالحدس والعرافة، وشبكته تربط بين نقاط كثيرة، فتتحول إلى صورة سهلة للقدر وتشابك الحياة ، لكن الشبكة الجميلة نفسها مصيدة، ولهذا استطاع العنكبوت أن يجمع في المخيلة البشرية بين المتناقضات: الحكمة والخداع، الخلق والموت، الحماية والأسر.

ربما لهذا بقي جالساً في مركز شبكته منذ أقدم الحكايات وحتى السحر الحديث، بينما يواصل البشر تعليق معانيهم ومخاوفهم وأسئلتهم عن المجهول على خيوطه.