على قطعة حجر لا يتجاوز حجمها أحياناً سنتيمترات قليلة يظهر كائن يصعب نسيانه: رأس أسد بفم مفتوح وأنياب بارزة، يخرج من جسد أفعى ملتف، بينما تحيط بالرأس أشعة كأنها هالة شمسية، وعلى الوجه الآخر قد نجد حروفاً يونانية، كلمات لا تبدو ذات معنى، أو علامة غريبة تتألف من ثلاثة خطوط متموجة يقطعها خط أفقي.
هذا الكائن هو خنوبيس Chnoubis واحد من أكثر الرموز غرابة في الأحجار السحرية التي انتشرت في العالم اليوناني–الروماني، وخصوصاً في البيئة المصرية والشرقية للإمبراطورية الرومانية، وقد بقيت نماذج أصلية منه في مجموعات متحفية مثل المتحف البريطاني ومجموعة كامبل بونر Campbell Bonner ويعود كثير منها تقريباً إلى القرون الميلادية الأولى، ولا سيما القرنين الثاني والثالث.
لكن المفاجأة أن هذه الصورة التي قد تبدو اليوم كأنها تصوير لشيطان أو كائن من العالم السفلي لم تكن في الأصل تعويذة لاستدعاء الشر، بل ارتبطت في المقام الأول بشيء أكثر دنيوية: ألم المعدة والهضم والشفاء.
من هو خنوبيس ؟
لا نملك أسطورة مفصلة عن خنوبيس كما نملك عن إيزيس أو أوزيريس ولا يبدو أنه كان إلهاً شعبياً ذا معابد كبيرة وطقوس عامة، حضوره الأقوى يظهر على ما يسميه الباحثون اليوم الأحجار السحرية Magical Gems: أحجار كريمة وشبه كريمة حُفرت عليها صور آلهة وكائنات هجينة وأسماء إلهية وتعويذات ورموز، ثم جرى تحميلها في خواتم أو قلائد أو أكياس صغيرة لتحقيق غرض محدد؛ كالشفاء أو الحماية أو الحب أو النجاح. ، وتضم مجموعة مقتنيات كامبل بونرالمتخصصة مئات النماذج من هذا النوع وبينها عدد كبير من أحجار خنوبيس.
ويظهر خنوبيس عادة أفعى ملتفة تحمل رأس أسد محاطاً بهالة أو أشعة، إلا أن التفاصيل ليست ثابتة كما توحي الرسومات الحديثة؛ فبعض النماذج تحمل ستة أشعة وأخرى سبعة، حتى أنها تحمل اثني عشر شعاعاً، ولهذا ينبغي الحذر من التفسير الشائع الذي يقول إن «الأشعة السبعة تمثل دائماً الكواكب السبعة»؛ فقد يكون هذا المعنى حاضراً في بعض التعويذات ذات البنية الفلكية، لكنه لا يفسر جميع القطع.
اسم خنوبيس نفسه ذو خلفية مصرية على الأرجح، وقد جرى ربطه منذ زمن بالإله المصري خنوم Khnum، إله الخلق ذي رأس الكبش والذي استمرت عبادته في العصر اليوناني والروماني، لكن خنوبيس ذي رأس الأسد ليس ببساطة صورة أخرى لخنوم؛ بل يبدو أنه نتاج البيئة الدينية التوفيقية التي مزجت عناصر مصرية وفلكية ويونانية في صورة جديدة.
تعويذة للمعدة !
هنا تظهر أكثر جوانب خنوبيس إثارة، فقد تم العثور على عدد كبير من أحجاره في سياقات علاجية، حتى أصبح ارتباطه بالمعدة والجهاز الهضمي من أكثر وظائفه توثيقاً.
تحتفظ جامعة ميشيغان مثلاً بتعويذة تحتوي على اسم خنوبيس، وفي نصها أمر مباشر يمكن ترجمته تقريباً إلى: «اهضم! اهضم!». ويظهر معها رمز خنوبيس الشهير، وتصف الجامعة القطعة بأنها تعويذة للهضم كان من الممكن حملها في كيس قريب قدر الإمكان من المعدة المريضة.
وفي مثال آخر من مجموعة كيلسي Kelsey يظهر خنوبيس ضمن تعويذة مرتبطة بأمراض البطن والولادة، إلى جانب إيزيس وأنوبيس ورمز للرحم؛ وتشرح الجامعة أن وجوده كان مرتبطاً بمنع آلام البطن والمساعدة في الولادة.
ولعل الدليل الأكثر إثارة يأتي من الطب نفسه، فالطبيب الشهير جالينوس Galen تحدث عن الاعتقاد بأن حجر اليشب الأخضر عند ارتدائه يفيد المعدة والمريء، وذكر أن بعض الناس كانوا ينقشون عليه صورة أفعى مشعة، لكنه اتخذ موقفاً أقرب إلى الشك العلمي: فقد أقر بإمكان فائدة الحجر نفسه، بينما رأى أن نقش صورة الكائن عليه ليس ضرورياً.
وتوجد قطعة في المتحف البريطاني تجعل الصلة بالطب أوضح؛ إذ تحمل رمز خنوبيس في أحد وجهيها، بينما يظهر على الوجه الآخر أسكليبيوس، إله الطب اليوناني مع عصاه التي تلتف حولها الأفعى وإلى جانبه هيجيا المرتبطة بالصحة والشفاء.
الرمز الغريب على ظهر الحجر
لا تحمل جميع أحجار خنوبيس صورة الكائن فقط، فكثير منها يحتوي على رمز أصبح مرتبطاً به إلى درجة أن الباحثين يسمونه ببساطة علامة خنوبيس Chnoubis-sign.
يتألف الرمز في صورته الأشهر من ثلاثة خطوط متموجة تشبه حرف S يخترقها خط مستقيم، وفي إحدى القطع تظهر صورة خنوبيس على الوجه الأول، بينما يظهر هذا الرمز وحده تقريباً على الوجه الآخر ، وتشير دراسة آثار كارانيس إلى أن هذا النمط من الخطوط المتموجة في الأحجار والبرديات السحرية ارتبط بالصحة والحماية.
وقد تكون العلامة، مثل كثير من الشخصيات السحرية القديمة قد عملت بوصفها «توقيع قوة» أكثر من كونها حرفاً يمكن ترجمته، حتى بعض الرموز السحرية الأخرى في هذه الأحجار كانت غامضة على الأرجح بالنسبة إلى ممارسي السحر القدماء أنفسهم، وكان شكلها وقِدمها وغموضها جزءاً من قوتها المتخيلة.
لماذا الأسد والأفعى ؟
الجمع بين الأسد والأفعى ليس اعتباطياً، لكن من الصعب إعطاء معنى واحد ثابت له ، فرأس الأسد مع الهالة والأشعة يعطي الكائن طابعاً شمسياً وقوياً بينما تمتلك الأفعى تاريخاً طويلاً في معتقدات المتوسط بوصفها رمزاً للحياة والتجدد والشفاء والقوى الخفية. واللافت أن الأفعى نفسها كانت أيضاً رمزاً طبياً في تقليد أسكليبيوس.
لكن هنا يجب التمييز بين ما نستنتجه من الرموز وبين ما تقوله القطع نفسها. ليس لدينا نص قديم يقول ببساطة إن «رأس الأسد يعني كذا والجسم الأفعواني يعني كذا»، الأهم أن الصورة كلها كانت عملياً، صورة قوة حامية وعلاجية، وهو ما تثبته الوظيفة الطبية للأحجار أكثر مما تثبته التأويلات الرمزية الحديثة.
تعويذة حقيقية وليست رسماً باطنياً حديثاً
ما يمنح قصة خنوبيس قوتها أن القطع ليست مجرد رسومات من كتب السحر الحديثة، فقد عُثر على نماذج أثرية حقيقية، وبعضها خرج من حفريات منظمة.
من أهم الأمثلة حجر أخضر عُثر عليه سنة 1993 في تل دور على ساحل فلسطين ودرسه الباحث روي كوتانسكي Roy Kotansky. ويرجع إلى العصر الروماني ويحمل الصورة والاسم المميزين لخنوبيس، ويشير الباحث إلى أن العثور على هذه الأحجار في سياق أثري مضبوط أمر مهم لأن عدداً كبيراً من الأحجار السحرية القديمة وصل إلى المتاحف والمجموعات عبر سوق الآثار من دون معرفة دقيقة بمكان اكتشافه، كما تشير دراسته إلى انتشار أحجار مشابهة في مناطق مختلفة من شرق الإمبراطورية الرومانية وما وراءها.
ويحتفظ Getty، على سبيل المثال، بحجر من الكالسيدوني الأخضر مؤرخ بالقرنين الثاني إلى الرابع الميلاديين، يحمل خنوبيس برأس الأسد المشع على أحد الوجهين، واسمه وعلامته السحرية على الآخر. وهناك قطعة أخرى مؤرخة تقريباً بين عامي 100 و250 ميلادية تحمل الكائن باثني عشر شعاعاً.
حين اجتمع الطب والسحر والتنجيم في حجر واحد
قد تبدو تعويذة خنوبيس اليوم مجرد بقايا من زمن كان الإنسان يلجأ فيه إلى السحر بدلاً من الطب، لكن الواقع أكثر تعقيداً.
في العالم القديم لم تكن الحدود بين الطب والدين والتنجيم والسحر واضحة كما هي اليوم، فقد يزور الإنسان طبيباً، ويستخدم دواءً، ويحمل في الوقت نفسه حجراً يعتقد أنه يتمتع بخاصية علاجية، وينقش عليه اسم قوة إلهية، ثم يتلو عبارة سحرية لحمايته.
وخنوبيس يمثل هذه المنطقة الرمادية بصورة مثالية، حجر أخضر اعتُقد أن له خاصية علاجية، صورة كائن هجين يمنحه قوة رمزية، كلمات يونانية أو سحرية «تفعّل» وظيفته، ثم رمز غامض يؤكد سلطته، ولهذا فإن أهميته لا تكمن في السؤال عما إذا كانت التعويذة «تعمل» فعلاً بل فيما تكشفه عن الطريقة التي تصور بها الإنسان القديم المرض والشفاء والجسد والكون.
لغز الأفعى ذات رأس الأسد
بعد نحو ألفي عام لا يزال خنوبيس يقاوم التفسير الكامل، نعرف شكله، واسمه، وبعض وظائفه، ونعرف أنه ارتبط بقوة بالشفاء من أمراض البطن، ونعرف علامته الغريبة التي تكررت على الأحجار، لكننا لا نعرف على وجه اليقين كيف تشكل هذا الكائن لأول مرة، ولا المعنى الأصلي لكل عنصر في صورته، ولا إلى أي مدى استعار صانعو التعويذات صوراً كانت متداولة بينهم.
وهذا ربما ما يجعل تعويذة خنوبيس أكثر إثارة من كثير من «الطلاسم الغامضة» المتداولة اليوم فاللغز هنا حقيقي لكنه محاط بقطع أثرية ونقوش ونصوص يمكن دراستها.
ربما كان صاحب التعويذة قبل ثمانية عشر قرناً لا يعرف شيئاً عن كل هذه التصنيفات، كان يريد شيئاً أبسط بكثير: أن يضع الحجر قرب جسده وينقش عليه الكائن المشع ويتمتم باسمه... على أمل أن يتوقف الألم.