حين تنتهي الحرب تتوقف المدافع، لكن الأماكن لا تستعيد صمتها بالسهولة نفسها.

خلفت الحرب العالمية الثانية مدناً مدمرة، وغابات امتلأت بالقبور، وملاجئ بقيت جدرانها تحمل آثار القصف، وسفناً غرقت بمن عليها، ومطارات انطلقت منها طائرات لم يعد بعضها أبداً، ومع عشرات الملايين من القتلى، لم يكن غريباً أن تنشأ بعد الحرب ذاكرة موازية، لا تتحدث عن الجيوش والمعارك فقط، بل عن جنود يظهرون في الخنادق بعد موتهم، وأصوات أقدام في سفن مهجورة، وظلال تندفع إلى الملاجئ، وطائرات عسكرية تبدو وكأنها عادت من الماضي.

لكن بعض أكثر القصص غرابة لم تظهر بعد انتهاء الحرب، بل حدثت خلالها، وسجلها عسكريون في تقاريرهم: كرات ضوئية تطارد الطائرات، منطاد يعود إلى قاعدته بلا طاقمه، ومدينة أمريكية تطلق أكثر من ألف قذيفة نحو شيء مجهول في السماء.

وفي خلفية الحرب نفسها كان هناك عالم آخر أقل وضوحاً: تنجيم، ورموز جرمانية، وأفكار باطنية داخل دوائر من قوات إس إس SS، وساحرات بريطانيات زعمن أنهن حاولن منع هتلر من عبور المانش بالسحر.

فهل صنعت الحرب بيئة مثالية لولادة الأساطير ؟ أم أن بعض ما شوهد خلالها ما زال بالفعل عصياً على التفسير ؟

أضواء تلاحق الطيارين

في نوفمبر 1944 كان طيارو السرب الليلي الأمريكي 415 يحلقون فوق منطقة الراين قرب ستراسبورغ عندما بدأ شيء غير معتاد يظهر في تقاريرهم.

شاهد طاقم إحدى طائرات Bristol Beaufighter ما بين ثمانية وعشرة أضواء برتقالية شديدة السطوع تتحرك بسرعة إلى جانب الطائرة، لم يسجل الرادار المحمول أي طائرات في المنطقة، ولم ترصد المراقبة الأرضية هدفاً معادياً، وعندما استدار الطيار إدوارد شلوتر Edward Schlueter باتجاه الأضواء اختفت، ثم عادت إلى الظهور.

لم تكن تلك المشاهدة وحيدة، خلال الأشهر الأخيرة للحرب تحدث طيارون آخرون عن كرات حمراء أو برتقالية أو خضراء ترافق الطائرات، تتحرك معها ثم تختفي فجأة، وأحياناً تبدو وكأنها تناور استجابة لتحركاتهم.

أطلق عليها أحد أفراد السرب، دونالد مايرز Donald J. Meiers، اسم فو فايترز Foo Fighters وكان ذلك قبل أن يدخل تعبير "الصحن الطائر" إلى الثقافة الشعبية بسنوات.

اشتبه الطيارون بداية في أنها نوع من السلاح الألماني السري أو وسيلة لمراقبة طائرات الحلفاء، لكن الألمان أنفسهم أبلغوا عن ظواهر جوية غامضة مشابهة، ما أضعف فكرة امتلاك أحد الطرفين تلك التكنولوجيا.

تم طرح تفسيرات متعددة لاحقاً: برق كروي، تفريغات كهربائية، انعكاسات ضوئية، نيران سانت إلمو أو تأثيرات بصرية ناتجة عن الإرهاق والطيران الليلي، وربما لم تكن جميع المشاهدات ظاهرة واحدة أصلاً.

لكن ما يجعل  فو فايترز Foo Fighters مختلفة عن كثير من حكايات الحرب الخارقة هو أن أصلها ليس جلسة استحضار أرواح ولا رواية ظهرت بعد عقود، بل تقارير عسكرية لطيارين كانوا يخوضون الحرب بالفعل.

المنطاد الشبح L-8

في صباح 16 أغسطس 1942 حدث لغز آخر، هذه المرة فوق كاليفورنيا ، أقلع منطاد البحرية الأمريكية L-8 من Treasure Island في دورية لمراقبة الساحل والبحث عن الغواصات اليابانية، كان على متنه الملازم إرنست كودي Ernest Cody والملازم الأصغر تشارلز آدمز Charles Adams ، أرسل الرجلان رسالة تفيد بأنهما شاهدا بقعة زيت مشبوهة على سطح البحر وأنهما سيحققان فيها، ثم انقطع الاتصال.بعد ساعات فوجئ سكان مدينة دالي Daly City بمنطاد البحرية يهبط فوق المدينة بلا سيطرة، يصطدم بأسلاك الكهرباء والمباني قبل أن يستقر على الأرض ، دخل رجال الإنقاذ إلى المقصورة بحثاً عن الطيارين.

لم يكن هناك أحد، وجد المحققون المنطاد في حالة لا تفسر بسهولة اختفاء الرجلين؛ المعدات الأساسية موجودة ولم يعثر على أثر واضح لما حدث، ولم يظهر كودي أو آدمز بعد ذلك أبداً.

ما زالت البحرية الأمريكية، التي تعرض المنطاد اليوم في متحفها الوطني للطيران البحري، تصف مصير الرجلين بأنه لغز لم يحل. ولهذا أصبح L-8 معروفاً باسم المنطاد الشبح Ghost Ship.

لا يحتاج هذا الملف إلى إضافة شبح كي يصبح مخيفاً، السؤال نفسه يكفي: كيف غادر رجلان منطاداً فوق البحر دون أن يترك أحدهما وراءه أثراً ؟

معركة لوس أنجلوس: من كان في السماء ؟

بعد أسابيع قليلة من الهجوم الياباني على بيرل هاربر، كانت الساحل الغربي للولايات المتحدة يعيش حالة توتر شديدة، ثم جاء فجر 25 فبراير 1942.

أجهزة الرصد أشارت إلى احتمال وجود هدف جوي يقترب من لوس أنجلوس، انطلقت صفارات الإنذار، تم قطع أنوار المدينة، واجتاحت الكشافات السماء ، ثم بدأت المدافع المضادة للطائرات بإطلاق النار.

خلال أكثر من ساعة أطلقت البطاريات الأمريكية أكثر من 1400 قذيفة، رأى شهود أضواء وأجساماً وطائرات، وانتشرت شائعات عن مظليين يابانيين وقنابل وطائرات تحترق.

وعندما طلع الصباح لم يكن هناك شيء، لم يعثر على حطام طائرة يابانية واحدة، ولم تثبت اليابان لاحقاً أنها نفذت غارة على المدينة في تلك الليلة، وتباينت التفسيرات العسكرية الأمريكية نفسها، قبل أن تصبح فرضية بالون للأرصاد، تضخم حوله الذعر والانفجارات والدخان وانعكاسات الكشافات، أحد أكثر التفسيرات قبولاً.

لكن الصورة الشهيرة للكشافات وهي تتقاطع في نقطة واحدة فوق المدينة عاشت حياة أخرى، وبعد ظهور ثقافة الأجسام الطائرة المجهولة UFO في العقود التالية أعيد تفسير الحادثة بوصفها مواجهة بين الجيش الأمريكي ومركبة مجهولة.

وهكذا أصبحت "معركة لوس أنجلوس" واحدة من أقدم حوادث  الأجسام الطائرة المجهولة UFO التي أُعيد اكتشافها بأثر رجعي؛ واقعة تاريخية حقيقية، لكن هوية الهدف الذي أطلق الذعر في تلك الليلة بقيت مادة للجدل.

جنود نورماندي الذين لم يغادروا مواقعهم

في ساحات الحرب الأوروبية ظهرت حكايات مختلفة؛ لم تعد الأجسام الغامضة في السماء، بل الجنود أنفسهم، تروي شهادة انتشرت لاحقاً على الإنترنت قصة أب زار نورماندي برفقة أسرته وابنته ذات الأعوام السبعة، بعد العودة بدأت الطفلة تتحدث عن "رجال" كانت تراهم داخل الملاجئ وحول المواقع العسكرية القديمة.

وصفت رجالاً يحملون البنادق، ينحنون أثناء الحركة ويختبئون خلف الأشجار والجدران والأسوار، وأحياناً يراقبونها من الحقول، وقالت إنهم بدوا غاضبين، لكنها لم تشعر بأنهم يريدون إيذاءها.

ما جعل الأب أكثر دهشة، وفق روايته، أنها قدمت أوصافاً لملابس عسكرية قال إنها لم تكن تعرفها سابقاً ، لا يوجد ما يسمح بالتحقق المستقل من القصة، ولذلك تبقى شهادة شخصية لا أكثر،  لكن نورماندي ربما تكون أحد أكثر الأماكن ملاءمة لولادة مثل هذه الروايات، ففي المساحات نفسها التي يسير فيها السياح اليوم وقعت واحدة من أعنف عمليات الإنزال في التاريخ، وسقط آلاف الجنود خلال ساعات وأيام قليلة ، كأن بعض الزوار لا يدخلون إلى حصون مهجورة فحسب، بل إلى مسرح ما زال الماضي حاضراً فيه بقوة تكاد تجعله مرئياً.

أشباح تلجأ إلى ملاجئ سايبان

على الجانب الآخر من العالم، في جزيرة سايبان بالمحيط الهادئ، بقيت ملاجئ ومبان عسكرية يابانية من زمن الحرب.

تروي إحدى الزائرات أنها وقفت عند مدخل ملجأ قديم حين خفت الضوء فجأة وسمعت صوتاً قوياً يشبه اندفاع الهواء داخل أذنيها. عندها، بحسب شهادتها، بدأت ترى أشكالاً رمادية بشرية تندفع من أمامها إلى داخل الملجأ.

لم تتحرك الأشكال عشوائياً، واحد إلى اليسار، ثم آخر إلى اليمين، في تسلسل سريع بدا لها وكأن الجنود يعيدون تدريباً عسكرياً محفوظاً: دخول الملجأ عند صدور إنذار بالغارة الجوية.

وقالت إنها استطاعت تمييز رؤوس وأجساد نحيلة تشبه جنوداً يابانيين، لكن من دون تفاصيل اليدين أو القدمين، أما الملاجئ نفسها فليست خيالاً، ما زالت منشآت يابانية محصنة وملاجئ غارات وقنابل من معركة سايبان باقية في الجزيرة، وبعضها يحمل آثار القصف حتى اليوم.

وبذلك تصبح الرواية أكثر إثارة: هل رأت الزائرة شيئاً خارقاً، أم أعاد المكان بما يحمله من تاريخ تشكيل إدراكها للحظات ؟

شبح أبيض أثناء قصف لندن

في لندن خلال سنوات الحرب كانت روزينا فرينش Rosina French تعمل متطوعة في مراقبة الحرائق، وهي مهمة فرضها القصف الألماني على آلاف المدنيين.

وفي إحدى نوبات الليل، وفق الرواية التي نقلها ابنها لاحقاً، شاهدت قرب مقبرة في إسلنغتون شكلاً أبيض لامعاً شديد الطول.

ظنت في البداية أنه شاهد قبر أو شخص يقف في الظلام، لكن ارتفاعه بدا أكبر من كليهما،  بقي الشكل في مكانه، بينما شعرت روزينا بالعجز عن الحركة أو الكلام، وقالت إن شعر رأسها وقف من شدة الخوف.

في مدينة كانت صفارات الإنذار والقصف والموت اليومي جزءاً من الحياة، يصبح من الصعب اليوم فصل ما رآه الشاهد فعلاً عما صنعه الخوف والإرهاق والظلام، لكن تلك تحديداً هي البيئة التي ازدهرت فيها قصص أشباح الحرب.

فندق ديبلومات

في مدينة باغيو الفلبينية يقف مبنى ضخم يعرف اليوم باسم فندق ديبلومات  Diplomat Hotel، لكن تاريخه أقدم من الفندق نفسه.

بُني في بدايات القرن العشرين ليكون بيتاً للدومينيكان، وتحول خلال الحرب العالمية الثانية إلى ملجأ للاجئين، ثم احتلته القوات اليابانية واستخدمته مقراً لها، قبل أن يتعرض للقصف أثناء تحرير الفلبين.

ترتبط تلك المرحلة بروايات محلية عن مقتل رجال دين ومدنيين داخل المبنى، ثم بدأت بعد الحرب قصص عن ظهور أشباح بلا رؤوس وامرأة بالثياب البيضاء وأصوات صراخ وبكاء وطرق في الممرات، أما اسم فندق ديبلومات نفسه فلم يظهر إلا بعد تحويل المبنى إلى فندق في السبعينيات.

بعض تفاصيل المجازر المتداولة يصعب إثباتها بالسجلات كما ترويها الأسطورة الشعبية، لكن الاحتلال والقصف واستخدام المبنى خلال الحرب حقائق تاريخية، وهنا يتكرر النمط ذاته: تاريخ مأساوي مؤكد، ثم طبقات متراكمة من الحكايات الخارقة فوقه.

سفينة ألكيموس

تعتبر سفينة ألكيموس SS Alkimos حالة أكثر غرابة، لأن الاعتقاد بأنها مسكونة أصبح جزءاً مسجلاً من التراث الشعبي المرتبط بحطامها.

بُنيت السفينة عام 1943 ضمن سفن ليبرتي Liberty الأمريكية وخدمت المجهود الحربي بنقل القوات والأسلحة والمتفجرات والطائرات والإمدادات.

وبعد الحرب وبيعها وتغيير اسمها، بدأت سلسلة طويلة من الحوادث والمشكلات، جنحت قبالة أستراليا، تعرضت لحريق، ثم فشلت محاولات سحبها وإنقاذها إلى أن انتهى بها الأمر حطاماً قبالة ساحل أستراليا الغربية.

الحراس والعمال الذين أقاموا على السفينة تحدثوا عن وقع أقدام وأبواب تتحرك وأدوات تختفي وروائح طعام في وقت لم يكن فيه أحد يطبخ. وأشهر سكانها الخارقين المفترضين شبح بحار أطلق عليه اسم  هنري Henry، وُصف بأنه يرتدي ملابس بحرية ثقيلة ويظهر أحياناً للعمال والصيادين.

وصلت شهرتها إلى حد أن سجل التراث في أستراليا الغربية يذكر صراحة أن الاعتقاد بأن ألكيموس  Alkimos "مسكونة وملعونة" أصبح جزءاً من فولكلورها وتراثها غير المادي، لكنه يقدم في الوقت نفسه تفسيراً أكثر واقعية لكثير من "لعنتها": مخاطر الملاحة، والشعاب، ورداءة بعض تقنيات بناء سفن ليبرتي Liberty التي أنتجت بسرعة هائلة خلال الحرب، إنها حالة مثالية لكيفية تحول سلسلة من المصادفات والحوادث الحقيقية إلى شخصية واحدة: سفينة لها إرادة، وترفض أن يتم إنقاذها.

سفينة الملكة ماري

حتى سفينة الملكة ماري Queen Mary دخلت هذا العالم بطريقة غريبة.

عندما اندلعت الحرب طُليت السفينة الفاخرة باللون الرمادي وتحولت إلى ناقلة جنود ضخمة، وبسبب سرعتها ومظهرها الجديد أطلق عليها لقب الشبح الرمادي  The Grey Ghost،  حملت خلال الحرب مئات الآلاف من الجنود عبر المحيط.

وفي 2 أكتوبر 1942 اصطدمت أثناء إبحارها بسرعة عالية بالطراد البريطاني HMS Curacoa، فقطعته تقريباً إلى نصفين، قُتل في الكارثة نحو 338 رجلاً، واضطرت السفينة بسبب خطر الغواصات الألمانية والأوامر العسكرية، إلى مواصلة إبحارها بدلاً من التوقف.

بعد الحرب أصبحت السفينة مشهورة بروايات الأشباح، حتى أن إدارتها اليوم تقدم جولات مخصصة للتاريخ الخارق تجمع بين الوفيات المسجلة وشهادات الطواقم والزوار عن أصوات وأشكال وأحداث غير مألوفة.

ليس صحيحاً أن كل أشباح سفينة الملكة ماري Queen Mary المفترضة تعود إلى الحرب، لكن هناك مفارقة يصعب تجاهلها: سفينة أطلق عليها الجنود اسم الشبح الرمادي خلال الحرب، تحولت بعد عقود إلى واحدة من أشهر سفن الأشباح في العالم ، إقرأ المزيد عن سفن الأشباح.

مسيرة موت سانداكان

بعض صور الأشباح لا تحتاج حتى إلى وجود شبح، في عام 1945 أجبرت القوات اليابانية أسرى بريطانيين وأستراليين على السير نحو 260 كيلومتراً من سانداكان إلى راناو في شمال بورني،  كان الأسرى يعانون الجوع والمرض والإنهاك، ومن يسقط أثناء المسير كان يترك ليموت أو يقتل، من نحو 2400 أسير احتجزوا في المنطقة لم ينج في النهاية سوى ستة أستراليين، جميعهم تمكنوا من الهرب.

بعد عقود أعاد الرائد البريطاني جون تولوش John Tulloch تتبع جزء من الطريق والتقط صوراً من داخل سيارته،  وعندما نظر إلى إحداها ظهرت على الطريق أشكال داكنة منحنية، بدت بصورة مرعبة كصف من الأسرى الهزال يسيرون من جديد.

لم يتمسك تولوش بفكرة الأشباح؛ فقد اكتشف أن الأشكال نتجت عن انعكاس منشفة على لوحة قيادة السيارة في الزجاج الأمامي، لكن حتى بعد معرفة التفسير وجد الصورة مزعجة للغاية، وهنا ربما تكمن أهمية الحالة، فالصورة ليست دليلاً على عودة الموتى، لكن معرفتنا بما حدث في ذلك الطريق جعلت قطعة قماش منعكسة على الزجاج تتحول، فوراً، إلى رجال يسيرون نحو الموت.

الشقراء مقطوعة الرأس في غالاباغوس

وفي جزيرة بالترا Baltra من أرخبيل غالاباغوس، حيث أنشأت الولايات المتحدة قاعدة جوية خلال الحرب، ظهرت أسطورة تعرف باسم الغرينغا مقطوعة الرأس Headless Gringa .

تروي الحكاية أن جندياً قتل امرأة كانت تعيش معه في القاعدة، فسقطت من جرف وفقدت رأسها بين الصخور، ومنذ ذلك الحين، بحسب الأسطورة، تعود روحها لتطارد الرجال وحدهم أثناء الليل.

لكن أكثر التجارب التي نسبت إليها غرابة لا تتضمن مشاهدة امرأة مقطوعة الرأس أصلاً، يتحدث رجال عن الاستيقاظ وهم يشعرون بوجود امرأة تجلس فوق صدورهم، تضغط عليهم وتمنعهم من الحركة أو التنفس، ثم تختفي عندما يستعيدون وعيهم بالكامل.

وهنا تظهر ملاحظة يصعب تجاهلها: هذا الوصف قريب بصورة لافتة من شلل النوم، الحالة التي يستيقظ فيها الإنسان بينما يبقى جسمه مؤقتاً في حالة الشلل المرتبطة بمرحلة REM، وقد تصاحبها هلوسات عن شخص أو كائن يجلس فوق الصدر.

والأهم أن قصة جريمة المرأة نفسها لا تستند إلى سجل معروف للحادثة في القاعدة، ربما تكون لدينا هنا حالة نموذجية لكيفية اجتماع ظاهرة عصبية حقيقية مع أسطورة محلية لتوليد "شبح".

عندما دخل السحر الحرب

الجانب الخارق في الحرب العالمية الثانية لم يبق دائماً في مستوى الأشباح والأساطير، فقد دخلت المعتقدات الباطنية والتنجيم فعلياً إلى بعض دوائر الحرب.

أكثر الشخصيات ارتباطاً بهذا الجانب كان هاينريش هملر Heinrich Himmler قائد قوات SS الذي أبدى اهتماماً واضحاً بالأساطير الجرمانية والرموز القديمة والأفكار العرقية ذات الصبغة شبه الدينية.

في عام 1934 استأجرت قوات SS قلعة فيفلسبيرغ Wewelsburg لمدة مئة عام تقريباً، وبدأ هملر في تحويلها إلى مركز اجتماعات وطقوس رمزية للنخبة العليا في SS، وتم تزيين بعض أجزائها برموز شمالية وجرمانية، وكان من المخطط أن تقام فيها اجتماعات سنوية ومراسم ولاء، كما أقيم بجوارها لاحقاً معسكر Niederhagen الذي استخدم سجناؤه في أعمال البناء القسري.

وكان من المستشارين الذين أثروا في هملر كارل ماريا فيليغوت Karl Maria Wiligut، وهو ضابط سابق ومنجم وباحث في الرونية ادعى امتلاك معرفة سرية بتقاليد جرمانية قديمة، ساهم في الرموز والطقوس التي أراد هملر إحاطة SS بها، إلى أن أُبعد عام 1939.

كما أنشأ هملر مؤسسة إرث الأسلاف  Ahnenerbe التي أرسلت بعثات بحثية وأثرية وأنثروبولوجية سعياً إلى إثبات أفكار عن أصل "العرق الآري"، لكنها لم تكن جمعية سحرية كما صورتها الأفلام لاحقاً، بل مؤسسة أيديولوجية وشبه علمية حاولت إعطاء العنصرية النازية مظهراً علمياً وتاريخياً ، إقرأ المزيد عن هتلر والطائفة الشيطانية السرية.

ومن هنا يجب الحذر، لقد بالغت كتب وأفلام ما بعد الحرب في تصوير الرايخ الثالث كأنه تحالف ساحرين يبحثون عن الكأس المقدسة والأسلحة الخارقة، تشير الدراسات الحديثة إلى أن بعض تلك التصورات ليست سوى أسطورة "أوكلتية نازية" Nazi Occultism نشأت بعد الحرب، حتى الغرف الغامضة في فيفلسبيرغ لا يوجد دليل موثوق على أنها استخدمت بالفعل في طقوس سحرية خلال عهد النازيين.

لكن ذلك لا يلغي الحقيقة الأقل إثارة والأكثر غرابة: أن بعض الرجال الذين كانوا يديرون واحدة من أكثر مؤسسات القتل تنظيماً في التاريخ كانوا في الوقت نفسه منشغلين بالرموز والأسلاف والأساطير ومحاولة إعادة تشكيل الماضي لخدمة أيديولوجيتهم.

الساحرات اللواتي حاولن إيقاف هتلر

وفي بريطانيا ظهرت رواية معاكسة تماماً ، بحسب جيرالد غاردنر Gerald Gardner، الذي أصبح لاحقاً أحد الآباء المؤسسين للويكا الحديثة، اجتمعت مجموعة من ممارسي السحر في نيوفوريست New Forest خلال صيف 1940، في الوقت الذي كان فيه اجتياح بريطانيا يبدو احتمالاً حقيقياً.

قال غاردنر إنهم أقاموا طقساً أطلق عليه لاحقاً عملية مخروط القوة Operation Cone of Power، دار المشاركون في دائرة وركزوا إرادتهم على فكرة واحدة أرسلوها، وفق معتقدهم، نحو هتلر: "لن تستطيع عبور البحر".

وربط غاردنر الطقس بتقاليد سحرية زعم أنها استخدمت سابقاً ضد الأسطول الإسباني ونابليون.

هل حدثت العملية فعلاً بالصورة التي وصفها ؟

المشكلة أن روايتنا الأساسية جاءت من غاردنر نفسه بعد الحرب، ولا توجد وثائق مستقلة تثبت تفاصيل الاجتماع أو تأثيره، كما أن الادعاء بأن تقليداً ساحراً ظل مستمراً منذ عصور ما قبل المسيحية لا يحظى بقبول المؤرخين.

لكن القصة بحد ذاتها أصبحت جزءاً من فلكلور الحرب: بينما كانت الرادارات والطائرات البريطانية تقاوم القوات الجوية الألمانية Luftwaffe في السماء، تقول الأسطورة إن مجموعة أخرى كانت تقاتل هتلر بطريقتها الخاصة داخل غابة مظلمة.

المخابرات التي استعانت بمنجم

أما أكثر جوانب "السحر في الحرب" إثارة، فليس أسطورة على الإطلاق، خلال الحرب استعانت أجهزة بريطانية بالمنجم والكاتب لويس دي وول Louis de Wohl في محاولة لفهم الكيفية التي قد يفكر بها قادة ألمانيا إذا كانوا يستشيرون المنجمين.

ادعى دي وول أن تحركات هتلر قد تتأثر بالتنجيم، وهي فرضية لم تثبت، لكن بعض المسؤولين البريطانيين وجدوا أن دراسة الخرائط الفلكية التي قد يعتمد عليها المنجمون الألمان يمكن أن تكون ذات فائدة نفسية واستخباراتية.

لاحقاً أصبح استخدامه أكثر عملية: استُخدم في الدعاية السوداء والحرب النفسية، وأرسل إلى الولايات المتحدة لإلقاء محاضرات وتقديم تنبؤات فلكية تصور هتلر ونظامه في طريقهما إلى الهزيمة، وقد أكدت وثائق بريطانية رفعت عنها السرية أن المخابرات تعاملت معه بالفعل، وإن كان بعض مسؤولي MI5 ينظرون إليه بكثير من الشك، أي أن التنجيم لم يحدد مسار الحرب، لكنه تحول فعلياً إلى أداة في الحرب النفسية.

عندما نبدأ التحقيق

عند هذه النقطة تتغير الصورة ، ليست كل القصص السابقة من النوع نفسه، بعضها حادثة تاريخية موثقة بقي فيها عنصر مجهول، مثل اختفاء طاقم L-8، وبعضها ظواهر رآها طيارون بالفعل، مثل فايترز Foo Fighters، لكن لا يوجد سبب يجعلنا نفترض أن جميع الأضواء كانت ذات أصل واحد.

وهناك حوادث مثل معركة لوس أنجلوس، حيث كان الخوف نفسه جزءاً من الحدث، بعد بيرل هاربر وهجوم غواصة يابانية على الساحل الأمريكي كانت المدينة تنتظر العدو في أي لحظة، في مثل هذه الظروف قد يصبح بالون أو إشارة رادارية غامضة بداية لسلسلة من ردود الفعل؛ تطلق إحدى البطاريات النار، يرى الآخرون انفجاراتها في السماء، فتظهر أهداف جديدة، ويطلق المزيد من النار.

والأمر نفسه ينطبق على الأشباح.

أماكن المعارك ليست أماكن محايدة، من يدخل ملجأ في سايبان وهو يعرف أن جنوداً اختبأوا فيه من القصف، أو يسير في حقول نورماندي حيث مات آلاف الجنود، يدخل وهو يحمل معه معرفة مسبقة تغير الطريقة التي يفسر بها الظلال والأصوات والحركة.

لا يعني هذا أن الشاهد يكذب. الإنسان يستطيع أن يرى تجربة كاملة ويؤمن بها تماماً بينما يكون الدماغ قد ملأ فراغات حسية بمعلومات مأخوذة من الذاكرة والتوقع.

وتساعد ظواهر مثل الباريدوليا في تحويل أنماط عشوائية إلى وجوه وأشخاص، وهو ما توضحه بصورة رائعة صورة سانداكان، كما يمكن لشلل النوم أن يحول الإحساس بضغط على الصدر إلى امرأة أو جندي أو شيطان بحسب الثقافة المحيطة بالشخص.

إضافة إلى ذلك، كان الجنود أنفسهم يعيشون في ظروف مثالية لظهور التجارب الإدراكية الغريبة: حرمان من النوم، قلق مستمر، إرهاق شديد، ضوضاء، ظلام، طيران ليلي، ومواجهة الموت بصورة يومية.

لكن هذه التفسيرات لا تغلق جميع الملفات.

ما زلنا لا نعرف أين اختفى رجلا L-8. وبعض مشاهدات فوفايترز أكثر تعقيداً من أن تختزل جميعها في خطأ واحد، أما القصص الشبحية الفردية فلا يمكن إثباتها أو نفيها بعد مرور عقود، لأنها تقوم أساساً على شهادة صاحبها.

وهنا يقع الحد الفاصل بين التحقيق والأسطورة.

الحرب التي استمرت بعد انتهائها

ربما لا تكمن قوة أشباح الحرب العالمية الثانية في إثبات أن الموتى يعودون، بل في شيء آخر.

الحرب قتلت أعداداً هائلة من البشر خلال زمن قصير، وفي الأماكن نفسها، تركت وراءها خوذاً صدئة وممرات تحت الأرض وغرفاً فارغة وسفناً غارقة ومدارج مهجورة وطرقاً مات عليها رجال لم يعرف أهلهم حتى أين دفنوا.

لهذا أصبحت بعض المواقع وكأنها آلات للذاكرة، يدخل إليها الإنسان وهو يعرف ما حدث، يسمع صوتاً في ممر فيصبح وقع حذاء عسكري، يرى ظلاً عند باب الملجأ فيتحول إلى جندي، وتنعكس قطعة قماش على زجاج سيارة فتظهر أمامه مسيرة كاملة من الموتى.

وربما لهذا تحديداً لا تزال الحرب العالمية الثانية، رغم مرور أكثر من ثمانية عقود، واحدة من أغنى الفترات بقصص الأشباح والأجسام المجهولة والأساطير الغامضة.

بعض تلك القصص يمكن تفكيكه بسهولة، وبعضها تضخم مع إعادة الرواية، وبعضها صنعته الإنترنت بالكامل، لكن وراءها جميعاً حقيقة يصعب تجاهلها:

الحروب تنتهي في كتب التاريخ في يوم محدد، أما في ذاكرة البشر والأماكن فقد تستمر زمناً أطول بكثير.