ماذا يدفع إنساناً إلى محاولة استدعاء الشيطان ؟ بالنسبة إلى بعضهم كان الجواب المال، وبالنسبة إلى آخرين الحب أو السلطة أو المعرفة. وهناك من لم يكن يريد شيئاً سوى أن يرى بعينيه إن كان ذلك الكائن الذي سمع عنه منذ طفولته موجوداً حقاً، وبين القلاع المظلمة ومدرجات روما القديمة وصحراء الجزائر وطرقات المسيسيبي، تكررت عبر القرون حكاية واحدة بأشكال مختلفة: إنسان يرسم حدوداً بينه وبين المجهول ثم ينادي شيئاً يعتقد أنه يقف في الجهة الأخرى.

الأغرب أن بعض أبطال هذه القصص ليسوا شخصيات هامشية مجهولة، بينهم قائد عسكري فرنسي، وأحد أشهر فناني عصر النهضة، ورجل أصبح من آباء الحوسبة الحديثة، وعالم صواريخ ساهمت تجاربه في تمهيد الطريق للفضاء.

لكن هل حاول هؤلاء بالفعل استدعاء الشيطان ؟ وهل ظهر لهم شيء ؟ أم أن التاريخ خلط بين الشياطين والأرواح والكيانات الباطنية،  وأضافت الأسطورة لاحقاً ما كان ينقص الحكاية ؟

1- جيل دو ريه: بحث عن الذهب في عالم الشياطين

لما كانت فرنسا في  أواخر ثلاثينيات القرن الخامس عشر عرف جيل دو ريه Gilles de Rais المجد والحرب والثروة، قاتل إلى جانب جان دارك، وحمل رتبة مارشال فرنسا، وعاش حياة أرستقراطية باهظة التكلفة. لكن ثروته أخذت تتآكل، وبدأ الرجل الذي امتلك الأراضي والقلاع يبحث عن طريق يعيد إليه ما فقده، وهنا دخل الإيطالي فرانسوا بريلاتي François Prelati إلى حياته ، كان بريلاتي يقدم نفسه بوصفه عارفاً بالخيمياء واستحضار الأرواح، ويبدو أن دو ريه رأى فيه باباً إلى ثروة لا توفرها التجارة ولا الحرب. وفي قلعة تيفوج Tiffauges جرت محاولات لاستدعاء كيان يرد اسمه في السجلات بصيغة "بارون"Barron.

كانت الأجواء تحمل كل عناصر السحر الاحتفالي في ذلك العصر: رموز ودوائر ومواد عطرية ونار واستحضارات، بينما كان المطلوب من الكيان واضحاً؛ المال والمعرفة والقوة ، لكن بارون  لم يظهر أمام دو ريه.

استمرت المحاولات، وانتقلت بعض الجلسات إلى بورغنوف-أون-ريه Bourgneuf-en-Rais وفي نهاية الأمر كتب دو ريه، وفق ما ورد في محاكمته، عهداً موجهاً إلى الكيان ووقّعه بدمه، عارضاً عليه الطاعة مقابل أن يحفظ حياته وروحه ويمنحه ما يريد.

والمفارقة أن اعترافاً آخر نُسب إليه سيصبح أهم من كل حكايات الرعب التي نسجت حوله بعد ذلك: قال إنه حضر محاولتين أو ثلاثاً لاستحضار الشياطين،لكنه لم يرَ شيطاناً ولم يسمع واحداً قط.

2 ـ بنفينوتو تشيليني: حينما امتلأ الكولوسيوم بالشياطين

في روما القرن السادس عشر، كان بنفينوتو تشيليني Benvenuto Cellini معروفاً كواحد من أمهر الصاغة والنحاتين في عصر النهضة، لكن سيرته الذاتية تكشف جانباً مختلفاً تماماً من حياته ، يروي تشيليني أنه تعرف إلى كاهن صقلي كان مطلعاً على ما كان يسمى آنذاك بفنون استحضار الأرواح، أثار الحديث فضوله واعترف بأنه طالما أراد أن يرى بنفسه شيئاً من هذا العالم، وفي إحدى الليالي، توجهوا إلى مكان يكاد يكون مثالياً لمثل هذه الحكاية: الكولوسيوم في روما.

كان المبنى القديم شبه مهجور، ومع حلول الظلام أقام الكاهن طقساً داخل المدرج، رسم حدوداً على الأرض وأشعل النار واستخدم مواد بخورية وعطرية، ثم بدأ ينادي الأرواح.

بعد وقت، يقول تشيليني، تغير المشهد ، أخذت أشكال تظهر حولهم حتى بدا له أن الكولوسيوم امتلأ بـ"جحافل من الشياطين"، لكن الرجل لم يأت لطلب الذهب ، عندما طلب منه الكاهن أن يعلن رغبته، طالب تشيليني بأن تعيده الأرواح إلى امرأة صقلية أحبها تدعى أنجيليكا Angelica.

لم يحصل في الليلة الأولى على ما يريد، فعاد مرة ثانية، وكانت الجلسة الثانية ـ بحسب روايته ـ أكثر رعباً، اصطحبوا هذه المرة صبياً، وتصاعد الدخان بينما تحدث الطفل عن أشكال مرعبة وعمالقة يحاولون الاقتراب، أما تشيليني نفسه فيعترف بأنه كان مرعوباً، رغم محاولته إخفاء ذلك عن الآخرين، ثم قيل له إن أمنيته ستتحقق وإنه سيكون مع أنجيليكا خلال شهر، والأغرب أن هذه القصة لم تصلنا من محضر محاكمة خصومه؛ بل كتبها تشيليني نفسه في سيرته الذاتية.

3 ـ إتيان غيبور: استدعاء شياطين لإنقاذ حب ملك فرنسا

بعد أكثر من قرن، انتقلت المسرحية إلى مكان آخر تماماً: بلاط لويس الرابع عشر، كانت مدام دو مونتسبان Madame de Montespan واحدة من أشهر عشيقات ملك فرنسا وأكثر نساء البلاط نفوذاً، لكن القرب من الملك كان يعني أيضاً الخوف الدائم من امرأة أخرى تحل محلها.

وفي هذا العالم المليء بالمنافسة والمؤامرات ظهرت امرأة عرفت باسم لا فوازان La Voisin ارتبط اسمها بالعرافة والسموم والسحر، ثم ظهر إلى جانبها كاهن مسن يدعى إتيان غيبور Étienne Guibourg.

تقول شهادات ظهرت خلال التحقيق الشهير المعروف باسم قضية السموم Affair of the Poisons إن غيبور أقام طقوساً لصالح مونتسبان في نحو 1672–1673.

وتحولت المراسم الدينية، بحسب تلك الشهادات، إلى شيء آخر، ظهرت أسماء كيانات مثل أستاروث Astaroth وأسموديوس وAsmodeus وكان الطلب الموجه إليها يتعلق باستمرار حب الملك واحتفاظ مونتسبان بمكانتها ونفوذها.

حتى إن بعض الروايات تصف استخدام جسد المرأة نفسها مذبحاً خلال الطقس، وتتحدث عن قرابين دموية وأفعال أكثر قتامة ، كان المطلوب هذه المرة بسيطاً في جوهره، رغم كل الرعب المحيط به: أن يبقى قلب أقوى رجل في فرنسا أسيراً لامرأة واحدة.

4 ـ تشارلز باباج: طفل أراد إثبات وجود الشيطان

ربما تكون هذه أغرب شخصية في القائمة كلها ، إذ أن تشارلز باباج Charles Babbage عالم رياضيات ومخترع بريطاني ارتبط اسمه بالآلة الحاسبة الميكانيكية ، ولهذا يوصف كثيراً بأنه أحد الآباء الفكريين للحاسوب الحديث.

لكن قبل الآلات والحسابات كانت هناك تجربة صغيرة غريبة ظل يتذكرها حتى شيخوخته ، عندما كان باباج طفلاً في نحو العاشرة، كان يسمع مثل بقية أطفال عصره قصص الأشباح والشيطان، لكنه بدأ يتساءل: ماذا لو كانت هذه الحكايات مجرد أوهام يخيف بها الناس بعضهم بعضاً ؟

جمع من الأولاد الأكبر سناً ما كانوا يعرفونه عن الطرق التي يقال إنها تجعل الشيطان يظهر للإنسان.

ثم قرر إجراء التجربة بنفسه ، مع حلول الغروب صعد إلى علية مهجورة،  وهناك صنع دائرة باستخدام الدم من إصبعه، ووقف داخلها وقام بما أخبره الآخرون أنه من وسائل الاستدعاء، ثم راح ينتظر.

كان يحدق في النافذة والمدخنة مترقباً ظهور شيء: قطة سوداء، غراب، بومة، أو الرجل ذي القدم المشقوقة الذي وصفته له الحكايات.

لم يظهر أحد ، وما يجعل قصة باباج مختلفة أن غايته لم تكن السلطة ولا المال ولا عقد صفقة، فقد كتب لاحقاً بوضوح أنه أراد فقط إقناع حواسه بأن الشيطان موجود بالفعل.

لقد كانت، بطريقة طفولية غريبة، تجربة للتحقق من فرضية ، وربما من المفارقات أن الطفل الذي حاول إخضاع إحدى أكثر خرافات عصره رعباً للاختبار سيكرس حياته لاحقاً للمنطق والرياضيات والآلات.

5 ـ أليستر كراولي: مواجهة في صحراء الجزائر

في ديسمبر 1909 كان الساحر البريطاني الشهير أليستر كراولي Aleister Crowley يعبر شمال أفريقيا برفقة الشاعر فيكتور نيوبيرغ Victor Neuburg، وصلا إلى منطقة بو سعاده Bou Saâda في الجزائر وهناك امتدت أمامهما الصحراء؛ مكان بعيد عن المدن، يمكن فيه إقامة تجربة لا يراقبها أحد.

كان كراولي يعمل آنذاك على سلسلة من التجارب المرتبطة بـ السحر الإينوشي وبما سماه الأثيرات Aethyrs وهي مستويات أو عوالم روحية في منظومته الباطنية.

لكن إحدى هذه التجارب كانت مختلفة، ففي 6 ديسمبر 1909 دخل اسم كورونزون Choronzon إلى المشهد: كيان ارتبط لدى كراولي بالفوضى والتشتت وبـ"الهاوية" التي ينبغي على السالك الروحي مواجهتها وتجاوزها.

أقيم العمل في الصحراء، وتولى نويبورغ دوراً داخل الطقس بينما كان يسجل ما يحدث، أما كراولي فتعامل مع التجربة باعتبارها مواجهة مع قوة لا ينبغي النظر إليها كشيطان عادي، بل كتجسيد للفوضى التي تقاوم عبور الإنسان إلى مستوى أعلى من تجربته الروحية.

الحكايات اللاحقة جعلت الجلسة تبدو وكأن رجلاً وقف في الصحراء وحاول استدعاء أحد أخطر الشياطين ، أما كتابات كراولي نفسها فتضع التجربة ضمن مشروع أوسع بدأ في بوسعادة واستمر في الصحراء الواقعة بين بوسعادة وبسكرة خلال نوفمبر وديسمبر 1909.

6 ـ روبرت جونسون: الذي باع روحه عند مفترق الطرق

هذه المرة لا توجد قلعة ولا دائرة سحرية ولا ساحر يرتدي ثوباً طقسياً، هناك فقط طريق ليلي في مسيسيبي وعازف غيتار شاب، ورجل غامض ينتظره عند مفترق الطرق ، كان روربرت جونسون Robert Johnson في شبابه عازفاً متواضع الإمكانات، حتى إن موسيقيين أكبر منه سخروا من عزفه. ثم اختفى فترة من الزمن.

وعندما عاد، تغير كل شيء ، كانت قدرته على العزف قد تطورت بصورة مذهلة، وبدا بالنسبة إلى بعض من عرفوه أن شيئاً غير طبيعي لا بد أن يكون قد حدث ، ومن هنا ولدت واحدة من أشهر أساطير الموسيقى الأميركية.

تقول الحكاية إن جونسون توجه عند منتصف الليل إلى مفترق طرق، وهناك ظهر له الشيطان في هيئة رجل غامض، أخذ الغيتار منه، ضبط أوتاره وعزف عليه، ثم أعاده إليه ، ومنذ تلك اللحظة امتلك جونسون موهبته الخارقة.

ماذا كان الثمن ؟ روحه.

ومع مرور العقود أصبح تقاطع الطريقين 61 و49 قرب كلاركدايل Clarksdale مرتبطاً شعبياً بالقصة، وتحولت حياة جونسون القصيرة ووفاته عام 1938 وأغانيه التي تحمل إشارات شيطانية إلى وقود إضافي للأسطورة.

لم يكن المطلوب هنا ذهباً ولا حب ملك، بل أعظم أمنية يمكن أن تراود موسيقياً: الموهبة التي تجعله خالداً.

7 ـ جاك بارسونز: عالم الصواريخ

في النصف الأول من القرن العشرين ظهر رجل يجمع في شخصيته عالمين يصعب تخيل اجتماعهما.

كان جاك بارسونز Jack Parsons مهندساً وكيميائياً ورائداً في تطوير وقود الصواريخ في الولايات المتحدة، وارتبط بأبحاث ستصبح جزءاً من تاريخ مختبرات الدفع النفاث.

لكنه في حياته الأخرى كان منغمساً في أفكار أليستر كراولي وحركة ثيليما Thelema، وفي عام 1946 تعاون بارسونز مع كاتب الخيال العلمي إل.رون هوبارد  L. Ron Hubbard في سلسلة من العمليات التي عرفت لاحقاً باسم ورشة عمل بابالون Babalon Working.

جرت المرحلة الأولى في منطقة باسادينا وضواحيها، وامتدت التجربة من يناير إلى مارس ، كان الهدف غير مألوف حتى بمعايير السحر الغربي الحديث ، أراد بارسونز استحضار قوة أنثوية باطنية تسمى بابالون Babalon ثم الوصول إلى مرحلة يمكن فيها لهذه القوة أن تتجسد في امرأة أو عبرها.

دخلت في التجربة عناصر مستمدة من السحر الإينوشي ونظام كراولي ومع مرور الأسابيع اقتنع بارسونز بأن الأحداث المحيطة به بدأت تستجيب لما يقوم به.

وعندما ظهرت في حياته امرأة تدعى مارجوري كاميرون Marjorie Cameron اعتبر لقاءه بها علامة على نجاح المرحلة الأولى من العمل.

لم يكن بارسونز شخصاً هامشياً يعيش بعيداً عن العلم الحديث، في النهار كان يعمل مع الصواريخ والانفجارات والمعادلات، وفي الليل كان يبحث عن قوى يعتقد أنها تستطيع تغيير الإنسان والعالم.

وقد تناولت دراسة أكاديمية منشورة في مجلة نيومن Numen عام 2016 هذه التجربة بوصفها سلسلة من الطقوس التي أجراها بارسونز وهوبارد بهدف استحضار وتجسيد بابالون.

هل حاول هؤلاء فعلاً استدعاء "الشيطان" ؟

تخفي العبارة المثيرة "استدعاء الشيطان" وراءها تجارب شديدة الاختلاف وليس من الدقة التاريخية وضعها كلها في خانة واحدة.

في حالة جيل دو ريه لدينا اعترافات ومحاضر محاكمة تذكر استحضار الشياطين بوضوح، وتذكر بارون  وأماكن الجلسات والغاية التي كان دو ريه يسعى إليها، والأهم أنه قال بنفسه إنه لم يرَ ولم يسمع الكيان الذي حاول استحضاره، ومع ذلك ينبغي تذكر أن هذه المادة وصلت إلينا في سياق محاكمة من القرن الخامس عشر، وهو سياق لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع شهادة حديثة مستقلة.

أما بنفينوتو تشيليني فالمصدر الأساسي هو تشيليني نفسه، أي أن لدينا دليلاً قوياً على أنه "روى" تجربة استحضار، لكننا لا نملك دليلاً مستقلاً على أن "جحافل الشياطين" التي وصفها ظهرت فعلاً، وقد اقترح مفسرون لاحقون تأثير الخوف والدخان والتوقع النفسي، بل وحتى احتمالات الخداع البصري، لتفسير ما شاهده المشاركون.

وقصة إتيان غيبور ومونتسبان أكثر تعقيداً، فالمعلومات خرجت من تحقيقات قضية السموم ومن اعترافات وشهادات بعضها انتزع في بيئة قضائية قاسية، ويشير الباحث جوزيف لايكوك Joseph Laycock إلى أن من الممكن أن تكون بعض الوقائع قد حدثت، لكن التفاصيل الأكثر فظاعة قد تكون نتاج الاعترافات والخيال والخوف، كما أن الطقوس نفسها لم تكن بالضرورة "عبادة للشيطان" بالمعنى الحديث، بل خليطاً من استحضار الأرواح وتحريف شعائر دينية وسحر جنسي.

أما تشارلز باباج فهو ربما أوضح حالة في المجموعة: نعم، حاول الطفل بالفعل أن يجعل الشيطان يظهر، وهو من أخبرنا بذلك، لكنه خرج من التجربة خالي الوفاض، وكان فشلها واحداً من الأشياء التي غذت شكوكه تجاه الخرافات التي سمعها.

ومع أليستر كراولي تبدأ مشكلة المصطلحات،  فـ كورونزون Choronzon ليس هو الشيطان Satan بمفهومه المسيحي ببساطة، إنه كيان أو مبدأ داخل منظومة باطنية محددة، وبالتالي فإن القول إن كراولي ذهب إلى الجزائر لـ "يستدعي الشيطان" صياغة جذابة، لكنها تختزل تجربة أكثر تعقيداً.

الأمر نفسه ينطبق بدرجة أكبر على جاك بارسونز،  فـ بابالون ليست الشيطان أصلاً، بل شخصية/قوة رمزية داخل الثيليما، "استحضاراً للشيطان" جاء أساساً من الصورة الشعبية التي وضعت معظم السحر الغربي الحديث في سلة واحدة.

ثم تبقى قصة روبرت جونسو، وهي الأضعف توثيقاً والأقوى حضوراً في الثقافة الشعبية، فلا توجد شهادة منه تقول إنه التقى الشيطان أو أجرى طقساً لاستدعائه، ما نعرفه تاريخياً أنه غاب فترة وتدرب وتعلم من موسيقيين آخرين، ومنهم إيكيه زينرمان Ike Zinnerman ثم عاد بعزف متطور بصورة لافتة أما الصفقة عند مفترق الطرق فتنتمي إلى عالم الأسطورة الشعبية للبلوز (صنف غنائي).

لماذا ظل الإنسان يحاول استدعاء ما يخشاه ؟

رغم اختلاف هذه القصص، يجمعها شيء واحد لافت: لم يكن الشيطان أو الكيان المستدعى هو الغاية في معظم الأحيان، كان مجرد وسيط لتحقيق رغبة بشرية.

جيل دو ريه أراد الثروة والقوة، تشيليني أراد امرأة يحبها، من طلبوا خدمات غيبور أرادوا الحب والنفوذ،  باباج أراد المعرفة واليقين. كراولي أراد تجاوز حدود تجربته الروحية، روبرت جونسون ـ وفق الأسطورة ـ أراد العبقرية الموسيقية، وبارسونز تخيل قوة تستطيع إحداث تحول في الإنسان والعالم.

وهكذا تبدو حكايات استدعاء الشيطان، عند النظر إليها من مسافة كافية، أقل ارتباطاً بالشيطان نفسه مما هي مرتبطة بالإنسان ورغباته.

ففي كل عصر تقريباً كان هناك من اعتقد أن وراء الحدود المرئية قوة يمكن التفاوض معها: تمنح المال أو الحب أو المعرفة أو الموهبة، إذا عرف الإنسان كيف يطرق الباب.

لكن تاريخ هذه المحاولات يترك لنا مفارقة أخيرة ، لدينا دوائر ورموز واعترافات ومذكرات ومحاضر محاكم وكتب كاملة عن تلك الليالي، ولدينا أشخاص أقسموا أنهم رأوا أشياء لا يستطيعون تفسيرها.

أما الشيء الوحيد الذي لا نملكه حتى الآن، فهو دليل مستقل يمكنه أن يخبرنا بأن أحداً عندما طرق ذلك الباب...وجد بالفعل من يجيبه من الجهة الأخرى.ربما لا يلجأ الإنسان إلى الشيطان لأنه يثق به أكثر من الله، بل لأنه يريد طريقاً أقصر إلى ما يشتهي؛ فالإيمان يعلّمه أن يطلب ويصبر، أما الإغواء فيعده بأن يأخذ… ولو كان الثمن نفسه.