في بعض تصورات الموت الشعبية في كوريا، لا تأتي النهاية وحدها، فحين تنقضي المدة المقدرة للإنسان يصدر في العالم الآخر أمر باسمه، ثم ينطلق رسل مكلفون بالعثور عليه واقتياده إلى حيث تبدأ رحلة أخرى، يحملون وثيقة تحدد المطلوب، ويتأكدون من هويته، ثم يصطحبونه إلى العالم الذي ينتظر فيه الموتى أحكامهم ، إنهم جوسيونغ ساجا Jeoseung Saja 저승사자 أو "رسل العالم الآخر".
وقد تجعلهم الترجمات الغربية قريبين من شخصية حاصد الأرواح الشهير Grim Reaper لكن التشبيه لا يروي القصة كاملة، فالجوسيونغ ساجا ليس بالضرورة كائناً منفرداً يقتل البشر بل أقرب إلى مبعوث أو موظف في نظام هائل يحكم شؤون الموتى، إنه لا يقرر متى تموت؛ بل يأتي، وفق المعتقد، عندما يكون القرار قد صدر بالفعل.
وراء هذه الشخصية عالم فولكلوري مدهش تتداخل فيه الشامانية الكورية مع التصورات البوذية وطقوس الجنائز، حتى يبدو الموت وكأنه يمتلك إدارته الخاصة: ملوك وقضاة ورسلاً ووثائق وسجلات، بل وحتى طعاماً يُقدَّم لأولئك الذين يأتون لأخذ الميت.
عندما يصل الأمر من العالم الآخر
الاسم نفسه يكشف طبيعة الشخصية، فكلمة "جوسيونغ" Jeoseung 저승 تشير إلى العالم الآخر أو عالم الموتى، بينما "ساجا" Saja 使者 تعني الرسول أو المبعوث، ومن هنا يكون "رسول العالم الآخر" أدق من وصفه ببساطة بأنه "حاصد الأرواح".
وفي المعتقدات التي تظهر في طقوس جزيرة جيجو Jeju نجد وصفاً أكثر تفصيلاً للمهمة.
عندما يأمر ملوك العالم الآخر بإحضار إنسان انتهى أجله، يحمل الرسول وثيقة تسمى "جوكبيه جي" Jeokpaeji – 적패지 وهي أشبه بأمر رسمي صادر من العالم الآخر، ويأتي إلى عالم الأحياء، لكنه لا يتجه مباشرة إلى الإنسان المطلوب؛ بل يراجع أولاً "إله الحماية المحلي" للتأكد من الاسم، ثم يتم إرشاده إلى منزل الشخص الذي حان موعد رحيله ، وتصف الرواية الرسول وهو يحمل ما يستخدم لتقييد الميت واقتياده.
هكذا لا يظهر الموت في هذا التصور كحادثة فوضوية تماماً، بل كعملية ذات إجراءات وقوانين وسلطة عليا، وحتى الروح التي غادرت جسدها لا تصبح حرة؛ فقد بدأت للتو رحلتها داخل نظام آخر.
ثلاثة غرباء ينتظرهم الطعام
غير أن الكوريين لم يتعاملوا دائماً مع رسل الموت باعتبارهم أعداء يجب طردهم ، فماذا تفعل إذا كان الشخص الذي سيأخذ عزيزاً عليك هو نفسه الذي سيرافقه في الطريق الطويل إلى العالم الآخر ؟
في بعض التقاليد كان الحل هو... إكرامه.
توثق الموسوعة الكورية للثقافة عادة تعرف باسم "ساجاباب" Sajabap 사자 أي "طعام الرسل"، بعد الوفاة كان الطعام يوضع خارج بوابة المنزل لاستقبال رسل الموت، وفي بعض مناطق جنوب مقاطعة غيونغي كانت المائدة تضم الأرز وأحذية من القش ونقوداً.
وفي بعض الطقوس يظهر الرقم ثلاثة باستمرار: ثلاثة أطباق من الطعام وثلاثة أزواج من أحذية القش وثلاثة أزواج من الملاعق، وهو ما ارتبط بالاعتقاد بأن ثلاثة رسل قد يأتون لإحضار الميت، وتعرف بعض تقاليد سيول هؤلاء باسم رسل السماء والأرض والإنسان.
لم يكن الهدف منع الموت؛ فقد فات أوانه، كان الأمل أن تتم معاملة الرسول جيداً فيعامل الروح بدوره برفق، وألا يرهق المتوفى في طريقه إلى العالم الآخر.
ويكشف ذلك عن علاقة غريبة بين الإنسان ورسول الموت: فهو مكروه لأنه جاء ليأخذ شخصاً من أسرته، لكنه في الوقت نفسه رفيق ذلك الشخص في رحلة مجهولة، ولذلك لا ينبغي إهانته.
حين يساوم الأحياء رسل الموت
قد تتحول هذه العلاقة في بعض الطقوس الشامانية إلى مشهد يبدو بعيداً تماماً عن الصورة المرعبة التي رسمتها السينما.
في طقوس جنائزية من مناطق مثل هوانغهاي كان يظهر ما يشبه "لعب رسل الموت" ، يتقمص المؤدي شخصية الرسول، ويتذمر من قلة الطعام، ويطالب بالمزيد، ويهدد أحياناً بأنه سيبقى في البيت أو يعامل الميت بقسوة، بينما يحاول أفراد الأسرة استرضاءه.
وتنشأ مساومات ونكات ومواقف ساخرة وسط طقس مرتبط أساساً بالفقد والحزن، بل تذكر الروايات الطقسية أن الرسول قد يأكل ثم يتظاهر بالاستلقاء من الشبع، أو يحمل أحذية القش ويستعد للذهاب بحثاً عن الميت، في مشهد يجمع الرهبة بالكوميديا.
وربما كانت هذه المفارقة تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية عميقة: تحويل قوة الموت المخيفة إلى شخصية يمكن الحديث معها، ومجادلتها، وحتى الضحك منها ولو للحظات، فالموت الذي لا يمكن التفاوض معه في الواقع يصبح، داخل الطقس، قابلاً للمساومة رمزياً.
لكن من أين أتى هؤلاء الرسل أصلاً ؟ هنا تبدأ إحدى أغرب حكايات الموت في الفلكلور الكوري.
الرجل الذي ذهب ليحضر ملك الموت
تحتفظ جزيرة جيجو بملحمة شامانية تعرف باسم تشاسا بونبوري Chasa Bonpuri 차사본풀이 أي قصة أصل رسول العالم الآخر، وكان يتم إنشادها ضمن طقوس تهدف إلى مواساة أرواح الموتى وإرسالها إلى العالم الآخر، بطلها رجل يدعى غانغنيم Gangnim 강림.
وتبدأ القصة، في إحدى صيغها المعروفة، بثلاثة إخوة مكتوب لهم أن يعيشوا حياة قصيرة، وبعد سلسلة من الأحداث يصلون إلى منزل امرأة تطمع بما يحملونه من أقمشة ثمينة؛ فتسقيهم الخمر وتقتلهم وتلقي أجسادهم في بركة.
لكن الموت لا ينهي قصتهم، تظهر في البركة ثلاث زهرات، تأخذ المرأة الزهور ثم تحرقها، فتظهر من رمادها ثلاث حبات غريبة تبتلعها، فتحمل بعد ذلك وتلد ثلاثة أبناء.
يكبر الأبناء وينجحون، لكنهم يموتون فجأة في اليوم الذي يعودون فيه إلى منزلهم.
تذهب المرأة شاكية ما أصابها إلى الحاكم كيمشي Kimchi مطالبة بكشف سبب موت أبنائها، يدرك الحاكم أن القضية تجاوزت قدرة محكمة البشر، وأن من يستطيع حلها هو "يومرا" Yeomra – 염라왕 ملك العالم الآخر.
وهنا يستدعي غانغنيم Gangnim ويكلفه بمهمة تكاد تكون مستحيلة:
"اذهب إلى عالم الموتى، وأحضر يومرا إلى محكمتي".
بمساعدة زوجته وآلهة مرتبطة بالمنزل والموقد، يبدأ غانغنيم Gangnim رحلته إلى العالم الآخر، ويصل في النهاية إلى مكان يشكل بوابة بين العالمين ثم يقفز في الماء ليجد نفسه أمام مدخل عالم الموتى ، هناك ينتظر حتى يلتقي "يومرا".
والمدهش أن ملك العالم الآخر لا يقتله فوراً ولا يعاقبه على اقتحام مملكته، بل يستمع إليه ويعده بالحضور في عالم البشر في وقت محدد ، يعود غانغنيم وعندما يحين الموعد يأتي يومرا وسط مشهد أسطوري تهتز فيه السماء والأرض.
فتنكشف الحقيقة: الأبناء الثلاثة الذين ماتوا هم استمرار للأرواح الثلاث التي قتلتها المرأة سابقاً، وتظهر الجريمة القديمة التي ظنت أنها دُفنت إلى الأبد، فيصدر الحكم ويعود العدل إلى القصة.
لكن يومرا يكون قد لاحظ شيئاً آخر: الرجل الذي استطاع العثور على طريق الموتى والعودة منه يصلح لوظيفة لا يستطيع البشر العاديون القيام بها، ويطلب أن يأخذ غانغنيم للعمل معه، وعندما تجري المساومة حول جسده وروحه، ينتهي الأمر بأن يأخذ يومرا روحه إلى العالم الآخر ، وهكذا يموت غانغنيم الإنسان ، ويولد غانغنيم رسول الموت.
لماذا يموت الناس بلا ترتيب ؟
لكن ملحمة تشاسا بونبوري لا تكتفي بشرح أصل أحد رسل الموت، بل تحاول تفسير أحد أقدم الأسئلة التي واجهها الإنسان:
لماذا يموت الطفل بينما يعيش الشيخ ؟ ولماذا يأتي الموت أحياناً بلا ترتيب مفهوم ؟
تقول الأسطورة إن يومرا أعطى غانغنيم وثيقة تحدد أن يأتي الناس إلى العالم الآخر وفق ترتيب أعمارهم، بحيث يصل الإنسان إلى سن متقدمة ثم يحين دوره.
وفي الطريق عهد غانغنيم بالوثيقة إلى غراب، لكن شيئاً حدث للرسالة فلم تصل التعليمات كما ينبغي، ومنذ ذلك الحين أصبح الموت يأتي بلا ترتيب: قد يموت الصغير قبل الكبير وقد يرحل القوي ويبقى الضعيف.
إنها بالطبع أسطورة، لكنها تكشف وظيفة مهمة للحكاية الشعبية؛ إذ تقدم تفسيراً سردياً لما يبدو في الحياة غير عادل وغير قابل للفهم.
وتستمر الحكاية بأن يومرا يكلف غانغنيم بمهمة أخرى: القبض على "دونغبانغ ساك" Dongbangsak الرجل الأسطوري الذي عاش ثلاثة آلاف عام وأفلت من رسل العالم الآخر.
يستخدم غانغنيم الحيلة للعثور عليه، وعندما ينجح في المهمة يثبت قدرته، فيصبح رسمياً الرسول الذي يُرسل لإحضار الموتى.
ماذا يحدث بعد أن يأخذ الرسول الروح ؟
هنا تتداخل المعتقدات الشعبية والشامانية مع تصور بوذي واسع للعالم الآخر، ففي الفنون والمعتقدات البوذية الكورية نجد الملوك العشرة Ten Kings – 시왕 الذين يحاكمون الموتى، وتُظهر لوحات من عصر جوسون الإنسان بعد موته وهو ينتقل إلى عالم تديره محاكم وقضاة وموظفون.
وتوضح مقتنيات المتحف الوطني الكوري أن بعض اللوحات كانت تضم إلى جانب الملوك رسولي موت لهما مهمتان مختلفتان: جيكبو ساجا Jikbu Saja – 직부사자 الذي ينقل سجل أفعال الميت إلى حكام العالم الآخر، وغامجاي ساجا Gamjae Saja – 감재사자 المرتبط بمراقبة المتوفى ومنعه من الهرب ، ويظهر في هذا التصور أيضاً مرآة الأفعال التي تكشف ذنوب الإنسان وأعماله، لتستخدم في تحديد مصيره.
لم يعد العالم الآخر هنا كهفاً غامضاً تسكنه الأشباح، بل مؤسسة كاملة للعدالة الأخروية: هناك سجلات ومحاكم وقضاة وحراس ورسل، والميت ينتقل بينها في رحلة طويلة.
أين الرجل ذو الملابس السوداء ؟
إذا بحثنا اليوم عن جوسيونغ ساجا فسنجد غالباً رجلاً شاحب الوجه يرتدي ثياباً سوداء وقبعة كورية تقليدية، يسير بهدوء بحثاً عن الأرواح ، لكن هذه الصورة ليست قالباً قديماً ثابتاً.
تذكر موسوعة الثقافة الكورية أن الصورة الحديثة للرجل ذي الرداء الأسود والغات gat والوجه الشاحب ترسخت بدرجة كبيرة عبر الثقافة المرئية والتلفزيون، بينما يظهر رسول الموت في بعض الطقوس التقليدية بصورة مختلفة تماماً، أقرب أحياناً إلى الجندي أو التابع الرسمي، أي أن الشخصية أقدم من مظهرها الشهير.
ومع الدراما والسينما الكورية عادت الفكرة لتتطور مرة أخرى، أعمال حديثة مثل Guardian: The Lonely and Great God (Goblin) وAlong with the Gods وTomorrow لم تكتف بإحياء رسول الموت، بل أعادت تخيله موظفاً له حياته الخاصة وذكرياته ومشكلاته، وأحياناً رغبته في العودة إلى عالم البشر.
وتشير دراسة كورية حديثة تناولت هذه الأعمال إلى أنها احتفظت بفكرة الرسول المكلف بإحضار الموتى، لكنها منحت الشخصية وظائف ودوافع لم تكن جزءاً بالضرورة من الروايات التقليدية.
عندما يصبح الموت قابلاً للفهم
وراء كل تلك القصص المرعبة يكمن سؤال إنساني أبسط بكثير.
ماذا يحدث لمن نحبهم عندما يرحلون ؟
لم تستطع المجتمعات القديمة الإجابة عن السؤال، لكنها استطاعت بناء عالم يمنح الموت شكلاً ومعنى، في ذلك العالم لا تختفي الروح ببساطة؛ هناك من يأتي لأخذها، وهناك طريق تسلكه، وقضاة تستقبلها، وقوانين تحكم مصيرها.
ولهذا أيضاً كان أهل الميت يضعون الطعام عند الباب ، فربما لم يكن الطعام مقدماً إلى كائن مخيف فحسب، بل كان تعبيراً عن أمنية شديدة الإنسانية: إذا كان لا بد أن يأخذ الموت عزيزنا، فليأخذه أحد يعرف الطريق... وليكن رفيقاً به.
وهكذا بقي جوسيونغ ساجا Jeoseung Saja واقفاً على الحدود بين عالمين؛ ليس الموت نفسه، وإنما الرجل الذي يأتي عندما يصدر الأمر، ويفتح للروح أول باب في الرحلة إلى المجهول.