تتعالى الطبول وتدور الشامان أمام القرابين، فيما ينتظر الحاضرون أن يتغيّر مصير يخشون وقوعه، في بعض المعتقدات الكورية، قد يُنسب الأذى إلى قوة خفية أو روح مضطربة، وتصبح مواجهته محاولة لاسترضاء تلك القوة أو تحويل خطرها إلى بديل، من هذا التصور نشأ "دايسال غوت" 대살굿 التي تضرب جذوره بطقوس القرابين في الشامانية الكورية.
وراء السكاكين والحركات العنيفة عالم لا يُفهم بالرعب وحده؛ عالم يحمل فيه الموتى مظالمهم، وتُقدَّم فيه الموائد لضيوف غير مرئيين، ويتولى الوسيط الشاماني التوفيق بين مطالب الأرواح ومخاوف الأحياء، فما الذي يعنيه القربان ؟ ولماذا يتغير الصوت واللباس أثناء المراسم ؟ وكيف تجتمع الرغبة في دفع الأذى مع مواساة الموتى وإكرامهم ؟
الغوت: لقاء مع العالم غير المرئي
لفهم "دايسال غوت" ينبغي أولاً التعرف إلى "الغوت" 굿 الذي يُكتب بالإنجليزية Gut أو Kut إنه اسم عام لطقوس يقودها متخصصون في التقليد الشاماني الكوري وتتداخل فيها القرابين والغناء والرقص والكلام المنسوب إلى القوى الروحية.
ولا توجد صيغة واحدة تمثل جميع هذه الطقوس؛ فهي تختلف باختلاف المنطقة والغرض والتقاليد التي يتعلمها الممارسون، قد تُقام طلباً لسلامة أسرة أو رخاء قرية، أو لتوديع ميت، أو لاستقبال قوى حامية، ولهذا فإن ترجمتها ببساطة إلى "طرد الأرواح" تختزل معناها؛ فكثيراً ما تُدعى الأرواح إلى الحضور وتُكرَم وتُخاطَب، ثم تُودَّع.
الغوت، بهذا المعنى، مناسبة لإعادة ترتيب العلاقة بين البشر والعالم الخفي وفق تصورات المشاركين فيه، وهو وصف لمعتقد وممارسة ثقافية، لا إثبات لوجود القوى التي يتوجه إليها.
دايسال وتاسال: دفع الأذى واسترضاء قوى الموت
يرتبط تفسير "دايسال" بفكرة تحمّل الأذى أو تحويله عن الشخص المهدَّد به، وتشير كلمة "سال" 살 / 煞 في هذا السياق إلى تأثير مؤذ أو قوة شؤم تُنسب إليها المصائب، ولا تعني بالضرورة روحاً محددة لها اسم وشخصية.
لكن من الضروري التمييز بين هذه التسمية وبين "تاسال غوت" 타살굿 الموثَّق في تقاليد منطقة هوانغهي، فقد ربط الباحث كوون تاي هيو، من المتحف الوطني للفلكلور الكوري، بينهما، موضحاً أن الجزء المعروف باسم "دايسال" نادراً ما يُقام مستقلاً على النحو الذي يتصوره الجمهور، نحن أمام عناصر ضمن تقاليد طقسية أوسع، وليست أمام مراسم موحدة في كوريا كلها.
وتصف موسوعة الثقافة الكورية "تاسال غوت" المعروف أيضاً باسم "تاسال غونونغ غوت" بأنه طقس لإكرام قوى "غونونغ" المرتبطة، في وصفه التراثي، بمن ماتوا موتاً دموياً، والتماس الوقاية من مصائر عنيفة مماثلة، وهنا يتجاور الخوف من الموت مع محاولة استرضاء قوى تحمل ذكراه.
القربان : حين يُمنح الخطر بديلاً
تقوم فكرة الاستبدال الطقسي على تصور أن الأذى يمكن أن يتحول عن الإنسان إلى ما يمثّله أو يُقدَّم عنه، ويمكن قراءة هذا المنطق ثقافياً باعتباره محاولة لمنح المصيبة مساراً آخر: إذا تعذّر إلغاء الخطر، فهل يمكن إبعاده عمّن نخشى فقدهم ؟
لكن معنى القربان لا ينحصر في الاستبدال، ففي "تاسال غوت" يحضر أيضاً إكرام القوى الروحية والتماس حمايتها، وتتضمن أوصافه التراثية تقديم حيوان، وخصوصاً الخنزير، ضمن أداء يستحضر العنف ويتوسل الوقاية منه، ومن ثمّ لا يصح افتراض أن كل قربان في الشامانية الكورية يؤدي الوظيفة نفسها، أو أن الذبائح عنصر لازم في جميع طقوس الغوت.
أما موائد الطعام الأوسع حضوراً، فليست زينة احتفالية، توضح دراسة متخصصة أن أصناف الطعام وترتيبها تكشف غرض المناسبة وهوية القوى المدعوة إليها، تصبح المائدة لغة للضيافة: مَن نستقبل، وكيف نكرمه، وماذا نرجو منه ؟ ويكتسب إطعام غير المرئي معنى قريباً من العلاقات البشرية التي تُبنى بالاستقبال والاعتراف وتبادل العطاء.
المودانغ: من يتحدث باسم الأرواح ؟
يُعرف المتخصص في هذه الممارسات باسم "مودانغ" 무당، وللنساء حضور بارز في هذا الدور، مع وجود ممارسين رجال، وتتأسس مكانته على القدرة المنسوبة إليه في الوساطة بين البشر والقوى الروحية، وعلى اعتراف الجماعة بخبرته.
وتختلف طرق اكتساب هذه المكانة، ففي بعض التقاليد يتحدث الممارسون عن نداء روحي وتجربة حلول، ويُعرف هذا النمط باسم "كانغشينمو" وفي تقاليد أخرى تنتقل الوظيفة والمهارات داخل العائلة، ويُعرف النمط الوراثي باسم "سيسوبمو" وهذه تقسيمات عامة لا تلغي الفروق المحلية ولا التعقيد داخل كل تقليد.
يرتبط المسار الأول أحياناً بمفهوم "شينبيونغ" 신병: معاناة جسدية أو نفسية تُفسَّر داخل المعتقد بوصفها نداءً إلى العمل الشاماني، وهي تسمية دينية وثقافية، وليست تشخيصاً طبياً، وحتى في هذا المسار، لا تكفي التجربة الشخصية؛ فالممارس يتعلم الأناشيد والحركات وأدوار المراسم وطريقة التعامل مع الحاضرين.
جسد يتغير وصوت يتكلم
قد تبدو حركة الشامان للمراقب الغريب عن الثقافة اندفاعاً عشوائياً، لكنها تقع ضمن لغة أدائية يتعرف إليها المشاركون، ففي بعض تقاليد الحلول، يُفهم تغيّر الصوت والملامح والسلوك باعتباره علامة على حضور شخصية روحية، ويُقدَّم الكلام الذي يصدر في هذه الحالة، المعروف بـ"غونغسو"، بوصفه رسالة أو نصيحة أو تحذيراً منها.
وتغيّر الملابس جزء من هذه اللغة، تصف المصادر الخاصة بطقوس هوانغهي أزياء متعددة ترتبط بأدوار وقوى مختلفة، ومنها ملابس تحاكي لباس القادة والمحاربين، وهكذا يساعد الزيّ الحاضرين على إدراك التحول في الشخصية التي تمثلها الشامان داخل المراسم.
وتحضر السكاكين والحركات القتالية في وصف "تاسال غوت" ضمن أداء يستدعي العنف والقوة، أما عروض الوقوف على النصال في بعض الطقوس الأوسع، فتُفهم لدى المشاركين باعتبارها دليلاً على الحماية الروحية، هذا هو معناها الاعتقادي وليس برهاناً على حصانة الجسد من الإصابة.
ليس كل ميت مخيفاً… وليس كل مخيف عدواً أبدياً
من أكثر جوانب هذا العالم إثارة أن الروح المقلقة قد تُفهم بوصفها ضحية قبل أن تكون تهديداً، ففي المعتقد الشعبي، قد يرتبط الموت العنيف أو المفاجئ أو بعيداً عن الأهل بروح لم تجد مقاماً مستقراً.
تصف الموسوعة الكورية "غيكغوي" 객귀، وهي أرواح متجولة تُشبَّه بالضيوف الذين لا يملكون موضعاً يقيمون فيه، وتُقدَّم لها الأطعمة في أجزاء من الطقوس لتهدئتها ودفع أذاها، بل يمكن، بحسب المصدر نفسه، أن تكتسب بعض هذه الأرواح مكانة سلف أو قوة حامية إذا حظيت بالرعاية الطقسية.
تكشف الفكرة عن حدود مرنة بين الخطر والحماية: فالعلاقة بالروح قد تتغير عندما تُكرَم ويُعترف بها، وهنا يصبح النسيان والحرمان من الرعاية جزءاً من تفسير المصيبة، وتصبح الضيافة وسيلة لمعالجتها داخل المعتقد.
القبر امتداد للعائلة
لا تنتهي الروابط بين الأجيال عند الموت في هذه التصورات، ومن الأفكار الفلكلورية الكورية "ميوتبارام" أو "ريح القبر" التي تشير إلى أذى يُعتقد أنه يصيب الأحفاد بسبب اضطراب يتعلق بمدفن أحد الأسلاف.
لا يُقصد بذلك وصف ظاهرة جوية، بل التعبير عن استمرار تأثير الميت في حياة ذريته، وعند قراءتها ثقافياً، يصبح القبر امتداداً للعائلة، وتغدو العناية به جزءاً من مسؤولية الأحياء تجاه الماضي، فالوفاة تنهي حياة فرد، لكنها لا تُنهي بالضرورة مكانه في شبكة القرابة والواجبات والذاكرة.
الطقس الذي يتيح قول المسكوت عنه
وراء الحديث عن الأرواح توجد حياة يومية: خلافات أسرية، وخوف على الأبناء، وقلق من الفقر والفقد، ولهذا درست الأنثروبولوجيا الغوت بوصفه مساحة اجتماعية للتعبير عن المشاعر، إلى جانب كونه ممارسة دينية.
تروي الباحثة لوريل كيندال أنها فوجئت في إحدى مشاهداتها الأولى بنساء يضحكن ويصرخن ويصلّين، بينما جلس الرجال جانباً، وقد تستطيع الشامان، وهي تتكلم باسم سلطة روحية، توجيه لوم أو نصيحة يصعب توجيههما في حديث عادي، وتصف شهادات ميدانية انتقال الحاضرين بين المزاح والبكاء والرقص؛ فليس الغوت مرادفاً للكآبة والخوف.
تتيح هذه المراسم للألم أن يُقال، وللشكوى أن تُسمع أمام الآخرين، ويمكن فهم قيمتها التعبيرية والاجتماعية دون افتراض صحة تفسيرها الروحي، ودون اعتبارها علاجاً مثبتاً للأمراض.
تراث أوسع من القرابين والسكاكين
لا تختزل "دايسال غوت" أو "تاسال غوت" الشامانية الكورية كلها، ففي جزيرة جيجو، يقام "تشيلموريدانغ يونغديونغ غوت" طلباً لهدوء البحر ووفرة الصيد والمحصول، وقد أُدرج على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي عام 2009، هنا يرتبط الطقس بالمواسم وأرزاق الناس وانتظار عودة القوارب.
وفي مهرجان "غانغنونغ دانوجي" تتجاور المراسم الشامانية مع الموسيقى والأغاني والمسرح المقنّع والألعاب الشعبية، تكشف هذه الأمثلة أن الموروث يحمل فنوناً وذاكرة جماعية وروابط بالمكان، إلى جانب معتقداته في القوى غير المرئية.
من هذه الزاوية، تروي طقوس دفع الأذى شيئاً عن الإنسان بقدر ما تروي عن الأرواح التي يؤمن بها، إنها تمنح الخوف شكلاً، وتحوّل انتظار المصيبة إلى فعل تشترك فيه الجماعة، وقد لا يتبنى المراقب تفسيرها الغيبي، لكنه يستطيع أن يرى في قلبها سؤالاً إنسانياً مألوفاً: ماذا نفعل حين نخشى على من نحب، ولا نعرف كيف نحميهم ؟
فيلم نبش القبور Exhuma
لفت فيلم "نبش القبور" Exhuma الصادر عام 2024، الأنظار إلى تسمية "دايسال غوت"، ورجّح الباحث كوون تاي هيو أن مشهده استلهم "تاسال غوت" من منطقة هوانغهي مع إعادة توظيف عناصره لخدمة الدراما، وقالت كيم غو أون إنها شاهدت الطقس وتعلمت من شامانات استعداداً لدورها، تمنح هذه الاستعانة المشهد جذوراً واقعية في الممارسة، لكنها لا تجعل النسخة السينمائية توثيقاً مطابقاً لها.