منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، لم يسأل فقط: كيف بدأ هذا العالم ؟ بل راوده سؤال أشد رعباً: كيف سينتهي ؟

الغريب أن الحضارات التي لم تعرف بعضها وعاشت بينها صحارى ومحيطات وقرون طويلة تخيلت نهايات متشابهة بصورة تثير التأمل: شمس تنطفئ، نجوم تتساقط، أرض تهتز، بحار تطغى، نار تلتهم الوجود وآلهة أو قوى خفية تخوض معركتها الأخيرة،  لكن هذه النهايات لا تحمل المعنى نفسه دائماً؛ ففي بعض الأديان هي نهاية الزمن وموعد الحساب، بينما تنظر إليها معتقدات أخرى بوصفها مجرد ختام لدورة كونية، يعقبه عالم جديد يولد من رماد العالم السابق.

1- المعتقدات الإسلامية

لعل أشد هذه الرؤى حسماً هي صورة يوم القيامة في العقيدة الإسلامية؛ فالعالم هنا لا يموت نتيجة شيخوخة طبيعية أو حادث كوني عشوائي، بل لأن الأجل الذي حدده الله للخلق قد انتهى، تنهار القوانين التي حافظت على انتظام الكون: تتكور الشمس وتنطفئ النجوم أو تتساقط، وتُسيَّر الجبال وتنفجر البحار وتنشق السماء، ومع النفخة الأولى في الصور التي يقوم بها الملاك إسرافيل يفنى من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، ثم تأتي نفخة البعث ليقف البشر أمام الحساب حيث تُبعثر القبور ويخرج الموتى، تصف سورة التكوير انطفاء الشمس وتساقط النجوم وزوال الجبال، بينما تجمع سورة الانفطار بين انشقاق السماء وانتثار الكواكب وتفجير البحار وبعثرة القبور، وتصور سورة الحاقة الأرض والجبال وقد حُملتا ودُكّتا دكة واحدة.

ليست القيامة الإسلامية إذن مجرد دمار للأرض، بل نهاية للنظام الكوني الذي يعرفه الإنسان، يتبعها بعث وحساب ووجود آخر لا يخضع لدورات الفناء الدنيوية،  ولهذا لا يشكل الدمار نفسه ذروة القصة؛ فالزلزال الأخير وانشقاق السماء ليسا سوى إعلان بانتهاء الحياة الدنيا وبداية اللحظة التي يواجه فيها كل إنسان حصيلة أعماله، حينما يرى كل إنسان ما قدم من خير أو شر ولو كان في وزن ذرة.

2- المعتقدات المسيحية

في المسيحية وخصوصاً في سفر رؤيا يوحنا، تأتي نهاية العالم في سلسلة من الصور الرمزية العنيفة: أختام تُفتح، أبواق تُنفخ، كوارث تضرب الأرض، وقوى الشر تظهر في هيئة وحوش وتجمع الملوك للحرب الأخيرة، تبلغ الأحداث ذروتها في الصراع المرتبط بـ هرمجدون، ثم يُهزم الشيطان وتأتي الدينونة الكبرى، حيث يقف الموتى أمام العرش وتُفتح الأسفار ويحاسب كل واحد بحسب أعماله. لكن سفر الرؤيا لا ينتهي بسماء سوداء وأرض محترقة؛ إذ يرى يوحنا بعد زوال العالم القديم «سماء جديدة وأرضاً جديدة» ومدينة مقدسة تنزل من السماء، حيث لا موت ولا حزن ولا ألم.

تبدو النهاية المسيحية، مثل النهاية الإسلامية، حدثاً خطياً لا يتكرر: بدأ التاريخ بالخلق، ثم دخل إليه الفساد وسينتهي بالدينونة وانتصار الخير، ومع ذلك فإن الفناء ليس الهدف الأخير بل تطهير العالم وإعادة تأسيسه في صورة كاملة، فالعالم القديم لا يُصلح تدريجياً وإنما يمر عبر قطيعة كبرى تفصل زمن المعاناة عن زمن الخلاص.

3- المعتقدات الهندوسية

في التصور الهندوسي للبرالايا لا يسير الزمن في خط مستقيم بل يدور مثل عجلة هائلة، الأكوان تظهر ثم تنسحب، والخلق ليس حدثاً وقع مرة واحدة، بل نبض كوني يتكرر على مقاييس زمنية تكاد تتجاوز الخيال،  عند نهاية «يوم براهما» أو الكالبا تبدأ عملية الانحلال: تتحول العوالم إلى محيط كوني واحد وتنسحب الموجودات والعناصر تدريجياً إلى أصولها؛ فالأرض تذوب في الماء والماء تمتصه النار، والنار تنحل في الريح ثم تعود العناصر والمادة المتجلية إلى حالتها غير الظاهرة،  يدخل الكون بعد ذلك في «ليل» كوني، قبل أن يبدأ الخلق من جديد عند استيقاظ الدورة التالية.

هذه ليست نهاية أخلاقية بالمفهوم الإبراهيمي؛ فلا توجد محكمة واحدة تغلق كتاب التاريخ إلى الأبد، بل انطفاء دوري للوجود المادي. الكون في الرؤية الهندوسية أشبه بكائن يتنفس: يزفر العوالم إلى الوجود ثم يستنشقها عائدة إلى المصدر،  وقد تكون هذه أكثر النهايات رهبة لأنها لا تمنح العالم فرادة مطلقة؛ فكل حضارة وكل مأساة وكل انتصار سبق أن وقع في دورة ما أو سيظهر بصورة أخرى في دورة قادمة.

4- المعتقدات الاسكندنافية

تخيل الإسكندنافيون القدماء نهاية أكثر وحشية في أسطورة راجناروك، مصير الآلهة، تسبق النهاية سنوات من الفوضى والانهيار الأخلاقي ثم يحل شتاء فمبول القاسي: ثلاثة فصول شتاء متعاقبة بلا صيف. تنفك القيود التي كانت تحبس الوحوش، فيخرج الذئب فنرير والحية العالمية يورمونغاند، ويتقدم لوكي وقوى العمالقة نحو المعركة الأخيرة. يلتهم فنرير أودين، ويقتل ثور الحية العظيمة، لكنه لا يبتعد سوى خطوات قبل أن يسقط متأثراً بسمها. وفي النهاية يرفع العملاق الناري سورت سيفه المشتعل، فتحترق العوالم وتسقط الأرض في البحر.

لكن الراجناروك، على الرغم من موت معظم الآلهة وانهيار الكون، ليست فناءً مطلقاً. فبعد النار والطوفان ترتفع أرض خضراء جديدة من البحر، وينجو بعض الآلهة، كما ينجو رجل وامرأة ليبدآ نسلاً بشرياً جديداً. ولهذا تحمل الأسطورة تناقضاً مؤثراً: حتى الآلهة تعرف أنها ستموت، وتعرف أن المعركة لا يمكن تجنبها، لكنها تتقدم إليها مع ذلك. النهاية هنا ليست عقاباً بقدر ما هي قدر لا يستطيع بشر أو إله الهرب منه، وبعده يبدأ العالم من جديد فوق أنقاض العالم القديم.

5- المعتقدات الزرادشتية

تقدم الزرادشتية واحدة من أقدم صور النهاية التي لا تكتفي بهزيمة البشر، بل تعد بالقضاء النهائي على الشر نفسه، يُعرف هذا التجديد الكوني باسم «فراشوكرتي» أي جعل الخليقة كاملة وممتازة من جديد، بعد الصراع الطويل بين أهورا مزدا وقوى الخير من جهة، وأهريمان وقوى الظلام من جهة أخرى يظهر المخلّص الأخير ويُبعث الموتى ثم تمر الخليقة بمرحلة تطهير نهائية وفي التقاليد الزرادشتية المتأخرة يجري نهر من المعدن المصهور عبر العالم؛ يشعر به الصالحون كأنه حليب دافئ، بينما يكون عذاباً للمذنبين قبل أن يُطهّر الوجود من الفساد والموت وتنتهي العملية لا بإبادة الخليقة بل بتحويلها إلى عالم كامل خالد، بعد طرد الشر منه إلى الأبد.

تختلف هذه الرؤية عن النهايات الدورية؛ فالزرادشتية لا تتوقع عودة الشر في دورة لاحقة، إنها نهاية المعركة ذاتها، لا مجرد نهاية جولة منها، وما يجعلها مميزة أن النار والمعدن المنصهر لا يؤديان وظيفة الهلاك فقط بل يكشفان حقيقة الإنسان ويطهران الكون، كما لو أن العالم كله يدخل فرن تنقية هائلاً ليخرج منه خالياً من المرض والشيخوخة والموت.

6- معتقدات الأزتك

اعتقد الأزتك وشعوب الناهوا أن البشرية لا تعيش في العالم الأول بل تحت «الشمس الخامسة» فقد سبقتها عوالم أو شموس انتهى كل منها بكارثة مختلفة: عالم افترسته الجوارح وآخر مزقته الرياح وثالث هلك بمطر من النار ورابع ابتلعه الطوفان،  أما العصر الحالي فهو عصر «الحركة»  وكان يُعتقد أنه مهدد بأن ينتهي بالزلازل والانهيار، يظهر مفهوم العصور المتعاقبة في حجر الشمس الأزتكي الذي يرتبط بأسطورة الخلق المتكرر وتعاقب الشموس السابقة.

لم تكن الشمس في هذا التصور جسماً مضيئاً يعمل من تلقاء نفسه بل قوة تحتاج إلى الغذاء والطاقة كي تواصل مسيرتها ولهذا ارتبطت الطقوس والقرابين بفكرة الحفاظ على التوازن الكوني ومنع الشمس الخامسة من السقوط، عاش الإنسان الأزتكي إذن داخل عالم مؤقت، محاطاً بآثار نهايات سابقة ومدركاً أن الأرض الحالية ليست أكثر ثباتاً من العوالم التي سبقتها، يكمن رعب هذه الأسطورة في أنها لا تسأل إن كانت النهاية ستأتي بل متى ستلحق الشمس الخامسة بأخواتها الأربع.

7- معتقدات الرواقيين في اليونان

قدم الرواقيون في اليونان القديمة نهاية لا تعتمد على وحوش أو معركة إلهية بل على طبيعة الكون نفسه، اعتقد عدد من الفلاسفة الرواقيين أن العالم يمر بدورات متكررة تنتهي بعملية تسمى «إكبيروسيس» أي الاحتراق الكوني ، في لحظة معينة يعود كل شيء إلى النار الأولى التي نشأ منها فتلتهم النار النجوم والأرض والكائنات وتذيب الاختلافات كلها في مبدأ كوني واحد ثم يتشكل العالم مرة أخرى وتعود العناصر والنظام والحياة وربما تتكرر الأحداث والأشخاص أنفسهم بصورة مطابقة أو شديدة الشبه.

في هذه الرؤية لا توجد فوضى حقيقية؛ فالاحتراق جزء من العقل الكوني والنظام الشامل، العالم لا يحترق لأن الآلهة غضبت منه، بل لأن النار هي حالته الأصلية التي يعود إليها دورياً. إنها نهاية فلسفية باردة رغم لهيبها: ليس هناك مهرب، لأن حتى الهرب نفسه ربما حدث في دورة سابقة وسيتكرر في الدورة التالية.

الصور الثلاث لنهاية العالم

عند مقارنة هذه النهايات السبع يبدو جلياً أن البشرية تخيلت الدمار النهائي بثلاث صور أساسية:

الأولى هي الحساب النهائي حيث يتوقف التاريخ ويُفصل بين الخير والشر كما في الإسلام والمسيحية والزرادشتية.

والثانية هي نهاية الدورة حيث يموت العالم ليولد غيره كما في البرالايا والراجناروك والشموس الأزتكية والاحتراق الرواقي، أما الصورة الثالثة فهي نهاية التطهير حيث لا يكون الدمار شراً خالصاً، بل وسيلة لإزالة الفساد وإعادة الكون إلى حالة كاملة.

أما الثالثة فهي التطهير النهائي وأوضح أمثلتها الفراشوكرتي في الزرادشتية حيث تمر الخليقة بنار أو معدن منصهر يزيلان منها الشر والفساد قبل أن تتحول إلى عالم كامل لا يعرف المرض أو الشيخوخة أو الموت، وفي هذه الصورة يكون الدمار عملية تنقية كونية تمهد لوجود أفضل.

ماذا يقول العلم عن سيناريوهات النهاية ؟

لا يستطيع العلم اختبار البعث أو الحساب أو ظهور المخلّص أو انتصار قوى غيبية، لأن هذه أمور تنتمي إلى مجال العقيدة ولا تقدم ظواهر قابلة للرصد المسبق والتجربة، لكنه يؤكد أن الأرض والكون ليسا خالدين بصورتهما الحالية، فالشمس ستنفد من الوقود في قلبها بعد مليارات السنين وتتمدد إلى عملاق أحمر وهذا بدوره سيؤدي إلى تغيير النظام الشمسي جذرياً ويجعل الأرض غير صالحة للحياة، سواء ابتلعها الغلاف الشمسي في النهاية أم أفلتت إلى مدار أبعد؛ إذ لا تزال التفاصيل البعيدة لمصير الكوكب موضع نمذجة وبحث.

كما أن اصطدام كويكب ضخم أو نشاطاً بركانياً هائلاً يمكن أن يحجب ضوء الشمس ويصنع برداً وظلاماً يشبهان شتاء الراجناروك، وأن الزلازل والطوفانات والحرائق الكونية ظواهر حقيقية، وإن لم يوجد دليل علمي على إمكانية اجتماعها في التسلسل الذي تصفه الأساطير.

 ولهذا تراقب وكالة ناسا الأجرام القريبة من الأرض وتطوّر وسائل للدفاع الكوكبي بينما يدرس علماء الأرض الزلازل باعتبارها أحداثاً تكتونية مدمرة، لكنها ليست آلية معروفة لتمزيق الكوكب كله في لحظة واحدة.

أما على مستوى الكون، فتشير الرصود الحالية إلى أنه يتمدد بمعدل متسارع بفعل ما يسمى الطاقة المظلمة، وإذا استمر هذا التمدد فقد تكون النهاية العلمية الأرجح كوناً بارداً ومظلماً تتباعد فيه المجرات وتنطفئ نجومه تدريجياً، لا احتراقاً كونياً متكرراً، ومع ذلك لا تزال طبيعة الطاقة المظلمة مجهولة ولذلك لا يمكن استبعاد كل نماذج الانكماش أو التحول الكوني بصورة نهائية.

وهكذا لا يثبت التشابه بين نبوءة دينية وظاهرة طبيعية أن القدماء امتلكوا معرفة علمية مخفية، فالنار والفيضان والظلام والزلازل كانت أعظم قوى الدمار التي عرفها الإنسان ومن الطبيعي أن تتحول في مخيلته إلى أدوات لنهاية العالم، لكن هذه المعتقدات لم تكن تحاول شرح طريقة موت الكوكب بقدر ما كانت تسأل سؤالاً أعمق: هل للوجود غاية ؟ وهل ينتصر العدل في النهاية ؟ وهل يولد شيء بعد الدمار ؟

وربما لهذا السبب نادراً ما تنتهي قصص نهاية العالم بالصمت المطلق، بعد القيامة يأتي الخلود وبعد سفر الرؤيا تظهر أرض جديدة وبعد البرالايا يستيقظ الخلق وبعد الراجناروك ترتفع اليابسة خضراء من البحر، حتى الحضارات التي تخيلت العالم محترقاً أو غارقاً لم تستطع أن تتصور أن يكون العدم هو الكلمة الأخيرة.

في معظم هذه المعتقدات، ليست نهاية العالم موتاً للوجود بل موتاً للعالم كما نعرفه، إنها لحظة ينطفئ فيها القديم كي يُكشف ما كان مختبئاً خلفه: حساب، أو تطهير، أو دورة جديدة.

وربما كان أكثر ما يرعب الإنسان في فكرة النهاية ليس الدمار ذاته بل احتمال أن تكون النهاية باباً وأن ما ينتظره خلف ذلك الباب أعظم من العالم الذي تركه وراءه.