قبل نحو 1700 عام كتب المفكر الصيني غِه هونغ Ge Hong 葛洪 تحذيراً لمن يفكر في دخول الجبال: لا يكفي أن تكون قوياً أو تعرف الطريق، لأن الخطر هناك لا يأتي فقط من الوحوش والضياع ، فالجبال، بحسب معتقده، مأهولة بأرواح وكائنات تستطيع التنكر في هيئة البشر وأشجار قد تتكلم وموجودات قديمة تكتسب قوى غريبة ومن يدخل هذا العالم بلا معرفة بطقوس الحماية قد يعرض نفسه للخطر.
هذه الأفكار ترد في كتابه باوبوتسي Baopuzi 抱朴子 وتحديداً في الفصل السابع عشر الذي حمل عنوان "تسلّق الجبال واجتيازها" Dengshe ، إذ يبدو في بعض أجزائه دليلاً باطنياً للنجاة من المجهول ، واللافت أن غِه هونغ لا يكتفي بوصف الكائنات بل يخبر قارئه متى يدخل الجبل وما الذي يحمله وما الذي يتلوه وكيف يكشف الكائنات المتنكرة.
قبل دخول الجبل
تبدأ الحماية حتى قبل الرحلة ، يذكر غِه هونغ أنه عند دخول جبل مشهور في يوم مناسب وفق نظام التقويم الطقسي توضع قطع من الحرير بخمسة ألوان فوق صخرة كبيرة، والألوان المذكورة هي الأحمر والأبيض والأزرق/الأخضر والأسود والأصفر وهي ألوان ذات صلات عميقة بنظام العناصر والاتجاهات في الفكر الصيني التقليدي.
لكن الأغرب هو ما ينبغي للمسافر أن يحفظه ، ينصح الكتاب بمعرفة ما يسميه "التعويذة السرية" Six Jia 六甲秘祝، وهي تسعة أحرف 臨兵鬥者,皆陣列前行 :
ويمكن نطقها : Lin – Bing – Dou – Zhe – Jie – Zhen – Lie – Qian – Xing.
ويأمر بترديدها سراً باعتبارها وسيلة لدفع الأخطار ويعلق غِه هونغ بأن «الطريق الأساسي ليس معقداً»؛ أي أن هذه الكلمات القليلة تكفي، وفق منظومته، لتوفير الحماية.
وهذه العبارة مثيرة تاريخياً لأنها واصلت حياتها بعد كتاب باوبوتسي Baopuzi بقرون وانتقلت إلى تقاليد طقسية لاحقة في شرق آسيا.
الطفل الذي يتحرك إلى الخلف
بعد إجراءات الحماية يبدأ غِه هونغ بوصف سكان الجبل ، أحدها روح تدعى تشي Qi تظهر كطفل صغير له قدم واحدة ويتحرك إلى الخلف، ويقال إنها تحب مهاجمة البشر وإذا سمع المسافر ليلاً صوت إنسان يتحدث بصوت مرتفع في الجبل فقد يكون، بحسب النص، هذا الكائن ، لكن طريقة مواجهته ليست القتال.
نادِه باسمه.
ويذكر الكتاب أرواحاً أخرى أحدها هوي : Hui وهو أحمر اللون يشبه الطبل وله قدم واحدة و جين لي Jinlei الذي يظهر كإنسان طويل يرتدي الفراء وقبعة؛ وفايفي Feifei الشبيه بتنين متعدد الألوان ذي قرون حمراء.
والقاعدة واحدة: إذا عرف الإنسان اسم الكائن وناداه به، فإنه لا يجرؤ على إيذائه وهنا يظهر أحد أهم مفاتيح النص: معرفة الاسم تمنح سلطة على المجهول ، فالخطر لا يكمن فقط في وجود الكائن، بل في جهلك بما يقف أمامك.
عندما تتحدث الأشجار
لا تقتصر غرائب الجبل على الأرواح المتجولة ، يتحدث الكتاب عن أشجار ضخمة يمكن أن يسمع المسافر الكلام صادراً منها، لكن غِه هونغ يقول إن الشجرة نفسها ليست المتكلمة بل قوة تسكنها تدعى يونيانغ Yunyang ويكون نطق اسمها أيضاً وسيلة لاتقاء أذاها ، ويربط النص بعض الأضواء التي تظهر ليلاً بالأشجار الميتة القديمة كما يتحدث عن قوى مرتبطة بالمعادن والأشجار المعمرة.
إنه عالم تصبح فيه الحدود بين الجماد والنبات والحيوان والروح ضبابية؛ فكلما طال عمر الشيء ازدادت إمكانية أن يكتسب، وفق هذا التصور، طبيعة غير عادية.
ولهذا يجب الحذر أيضاً من البشر الذين تقابلهم فقد لا يكونون بشراً.
المرآة التي لا تستطيع الأرواح خداعها
يقول غِه هونغ إن الموجودات التي طال بها العمر تستطيع اتخاذ هيئة الإنسان لتضليل عينيه، لكنها تعاني نقطة ضعف غريبة: لا تستطيع تغيير حقيقتها في المرآة.
ولهذا كان الطاوي الذي يدخل الجبال، بحسب النص، يحمل على ظهره مرآة لامعة يبلغ قطرها تسعة تسون أو أكثر (22 سنتمتر أو أكثر) وإذا اقترب منه غريب يستطيع الالتفات إلى المرآة لمعرفة ما يقف أمامه بالفعل.
ويضيف الكتاب علامة أغرب: بعض تلك الكائنات القديمة تسير إلى الخلف عند مغادرتها، وإذا وجهت المرآة نحوها أمكن تمييزها أيضاً من حقيقة أنها بلا كعبين؛ أما من له كعبان فقد يكون من أرواح الجبل الأخرى.
ويروي غِه هونغ قصة اثنين من المتعبدين ظهر أمامهما رجل يرتدي ثياباً صفراء، وعندما نظرا إليه في المرآة اكتشفا أنه غزال قديم اتخذ هيئة إنسان، ولما واجهاه بحقيقته فتحول إلى غزال وفرّ.
وفي قصة أخرى، كان هناك مكان يشتهر بمرض أو موت من يبيت فيه فجاء رجل وأشعل مصباحه وجلس يتلو النصوص ثم ظهر ليلاً رجال ونساء وجلسوا معه ، نظر إليهم خفية بواسطة المرآة فلم ير بشراً ، رأى مجموعة من الكلاب وعندما قتل أحدهم تقول الرواية إنه عاد بعد موته إلى هيئة كلب فهرب الباقون.
ترسانة المسافر الباطنية
لكن المرآة والتعويذة ليستا سوى جزء من وسائل الحماية ، يكشف الفصل عن ترسانة كاملة تقريباً من الأدوات الطقسية التي كان يُعتقد أنها تحمي من أرواح الجبال ، ويضع غِه هونغ درجات لهذه الوسائل فأفضل الممارسين، بحسب اعتقاده، يحملون النص الداخلي للأباطرة الثلاثة 三皇內文وخريطة الأشكال الحقيقية للجبال الخمسة المقدسة 五岳真形圖وهي خريطة/رسم طقسي يفترض أن يمنح حامله سلطة مرتبطة بالجبال المقدسة ،ومن خلالها يمكن استدعاء أرواح الجبال والاستفسار منها، فلا تجرؤ أرواح الخشب والصخور والأنهار والجبال على اختبار حاملها ، ثم تأتي مرتبة أخرى تستخدم تمائم لقمع الأرواح الاثنين والسبعين وأختاماً طقسية توضع حول المكان الذي يقيم فيه المسافر، بحيث تصبح الجهات الأربع محمية من القوى الشريرة ، ويذكر النص أيضاً أدوات وأختاماً أخرى، منها «عصا/شارة القوى الثماني» و«لوح لاوتسه اليشمي» حتى يصل التصور إلى أن روح الجبل نفسها يمكن إخضاعها بدلاً من مجرد الهرب منها.
وهنا ندرك أن الفصل ليس مجرد مجموعة قصص عن الوحوش ، إنه نظام للحماية من عالم غير مرئي.
لماذا الجبال تحديداً ؟
كانت الجبال بالنسبة إلى إنسان الصين القديمة أماكن فعلية للخطر والعزلة: الضباب، والحيوانات المفترسة، والضياع، والانهيارات، والأصوات الغامضة والظلام.
ويمكن اليوم تفسير بعض التجارب التي غذت هذه المعتقدات بصورة طبيعية؛ فصرخات الحيوانات قد تشبه أصوات البشر، والأشجار والرياح تنتج أصواتاً مخيفة، كما أن الخوف والإرهاق والعزلة تجعل الإنسان أكثر عرضة لإساءة تفسير ما يراه ويسمعه.
لكن ذلك وحده لا يفسر عالم باوبوتسي، فبالنسبة إلى غِه هونغ لم تكن الطبيعة منفصلة عن العالم الروحي كما نتصورها اليوم، الجبل مكان تتداخل فيه الحيوانات والنباتات والمعادن والأرواح، ويمكن للأشياء القديمة أن تتحول وللحيوان أن يرتدي وجه الإنسان، وللمظهر أن يكذب ، ومن هنا نفهم لماذا احتاج المسافر إلى كل هذه الاحتياطات.
موعد مناسب لدخول الجبل ، أقمشة بخمسة ألوان تقدم عند الصخور ، تسعة أحرف تردد سراً للحماية ، تمائم وأختام تحصّن المكان ، أسماء تكبح كائنات الجبل ، ومرآة تكشف ما يختبئ خلف الوجه البشري.
إنها منظومة كاملة لمواجهة المجهول عمرها نحو سبعة عشر قرناً وربما كان أكثر ما يثير فيها أن الخطر الأكبر ليس الوحش الذي تراه قادماً نحوك... بل ذلك الذي يبدو أمامك إنساناً تماماً.