في غرب تونس، قرب الحدود الجزائرية، يرتفع جبل الشعانبي كأعلى قمة في البلاد بارتفاع يقارب 1544 متراً فوق سطح البحر. ورغم أن الجبل اليوم يُعرف بوصفه محمية طبيعية وغابة كثيفة تضم تنوعاً بيئياً غنياً، فإن ذاكرة السكان المحليين تحمل عنه صورة أخرى أكثر غموضاً. ففي الحكايات الشعبية المتوارثة في القرى المحيطة به، لا يُنظر إلى الشعانبي بوصفه مجرد جبل، بل كفضاء غامض تسكنه قوى خفية، وتدور حوله قصص عن الجن والكهوف المظلمة والأضواء الليلية الغريبة.
هذه الروايات لا تنتمي إلى زمن بعيد فقط، بل ما زالت تتردد في أحاديث بعض الرعاة وسكان المناطق الجبلية حتى اليوم، حيث يتقاطع الفولكلور مع التجربة الشخصية، ويتداخل الواقع مع الأسطورة.
جبل تحيط به الكهوف والأماكن المنعزلة
يتميز جبل الشعانبي بطبيعته الوعرة وغاباته الكثيفة من الصنوبر والعرعر، إضافة إلى شبكة من الوديان والكهوف الطبيعية. هذا النوع من التضاريس كان دائماً أرضاً خصبة لنشوء الأساطير في مختلف الثقافات، لأن الأماكن الوعرة والمعزولة تُعد في المخيلة الشعبية موطناً للكائنات الخفية.
في الروايات المحلية، يقال إن بعض الكهوف في الجبل ليست مجرد تجاويف طبيعية، بل “مساكن للجن”. وقد كان الرعاة في الماضي يتجنبون المبيت قرب بعض المغارات، خاصة تلك التي تصدر منها أصوات الرياح أو الأصداء الغريبة.
وتحكي بعض القصص الشعبية أن أشخاصاً حاولوا دخول كهوف معينة ثم خرجوا منها مرتبكين، وكأنهم ضلوا طريقهم داخلها رغم صغر حجمها. وفي التفسير الشعبي، يُقال إن الجن يمكن أن “يضلّل الإنسان” داخل الجبل.
الأضواء الغامضة في الليل
من أكثر القصص انتشاراً حول جبل الشعانبي حديث السكان عن أضواء تظهر أحياناً في الليل بين المنحدرات والغابات. وتصف بعض الروايات هذه الأضواء بأنها كرات ضوء صغيرة تتحرك ببطء ، ومضات تظهر فجأة ثم تختفي ، أو ضوء ثابت يظهر في مكان مرتفع من الجبل ، في المخيلة الشعبية، تُفسر هذه الظاهرة على أنها نار الجن أو إشارات من كائنات غير مرئية تسكن الجبل.
لكن مثل هذه الروايات ليست فريدة في تونس، فظاهرة الأضواء الغامضة في المناطق الجبلية معروفة في ثقافات كثيرة، وغالباً ما ترتبط بما يسمى في الفولكلور الأوروبي Will-o'-the-wisp، وهي أضواء تظهر في البيئات الرطبة أو الوعرة وتفسر شعبياً على أنها أرواح أو كائنات خارقة.
أصوات غريبة في الوديان
تتحدث بعض الحكايات أيضاً عن أصوات يسمعها الرعاة ليلاً في الجبل، مثل صرخات بعيدة ، طرقات تشبه ضرب الحجارة ، أو أصوات تشبه الكلام غير المفهوم ، في الروايات الشعبية يُعتقد أن هذه الأصوات قد تكون حديث الجن في الجبل.
لكن الجبال بطبيعتها يمكن أن تنتج ظواهر صوتية غريبة بسبب انعكاس الصوت في الوديان العميقة. فالرياح التي تمر بين الصخور قد تولد أصواتاً تشبه الصفير أو العواء، كما أن صدى الحيوانات البرية قد يتضخم بطريقة تجعل الصوت يبدو غير مألوف.
لماذا ارتبطت الجبال دائماً بعالم الجن ؟
لا تقتصر هذه المعتقدات على تونس وحدها. ففي ثقافات كثيرة حول العالم، تُعد الجبال أماكن يسكنها عالم خفي. ففي المغرب والجزائر تنتشر قصص مشابهة عن جبال الأطلس، وفي آسيا الوسطى توجد أساطير عن أرواح تسكن القمم الجبلية.
ويرى الباحثون في الفولكلور أن السبب يعود إلى عدة عوامل:
- العزلة الجغرافية التي تجعل الجبال تبدو كعالم منفصل عن حياة البشر.
- الكهوف والظلال العميقة التي تثير الشعور بالغموض.
- الظواهر الطبيعية غير المألوفة مثل الأصداء والضباب والأضواء.
كل هذه العوامل ساهمت عبر القرون في ترسيخ فكرة أن الجبال هي أماكن تقيم فيها كائنات غير مرئية.
أخطر بقعة في تونس
لم يكتسب جبل الشعانبي سمعته الغامضة من الأساطير وحدها، بل أصبح أيضاً واحداً من أخطر المناطق في تونس خلال السنوات الماضية. فبعد الثورة التونسية عام 2011 تسلل إلى الجبل مسلحون أعلنوا انتماءهم إلى كتيبة عقبة بن نافع المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، معظمهم قادمون عبر الحدود الجزائرية. ومنذ عام 2013 شهدت المنطقة مواجهات عنيفة بين الجيش التونسي وهذه الجماعات، شملت تبادل إطلاق النار وانفجار ألغام أرضية أدت إلى مقتل وجرح عدد من الجنود وبتر أطراف بعضهم. وكان من أبرز الأحداث الكمين الذي وقع في 29 يوليو 2013 وأودى بحياة ثمانية جنود. وعلى إثر ذلك أطلق الجيش التونسي عمليات عسكرية واسعة النطاق مستخدماً الطائرات والمروحيات والمدفعية الثقيلة، وأُعلنت المنطقة منطقة عسكرية مغلقة لفترة طويلة في محاولة للقضاء على الجماعات المسلحة التي اتخذت من الجبل ملاذاً لها.
بين الأسطورة والواقع
اليوم يُعد جبل الشعانبي منتزهاً وطنياً ومقصداً لمحبي الطبيعة والتخييم، وقد زاره آلاف السياح دون أن يشهدوا شيئاً خارقاً. ومع ذلك، فإن القصص القديمة لم تختفِ تماماً، بل بقيت جزءاً من التراث الشفهي في المنطقة.
هذه الحكايات لا تعكس بالضرورة أحداثاً خارقة، لكنها تكشف جانباً مهماً من الخيال الشعبي في شمال أفريقيا، حيث تتداخل الطبيعة القاسية مع الأسطورة، ويتحول الجبل إلى مسرح للحكايات الغامضة.
وهكذا يظل جبل الشعانبي مثالاً على الطريقة التي يصنع بها الإنسان قصصه حول الأماكن المهيبة في الطبيعة. فحين يقف المرء ليلاً في تلك الغابات الكثيفة، تحت سماء مظلمة وصمت عميق، قد يدرك بسهولة كيف يمكن لخيال البشر أن يملأ الجبل بالأسرار… حتى لو لم يكن هناك شيء سوى الريح بين الصخور.