لو طلب منك أحد أن تذكر أقدم الكتب التي تحدثت عن الملائكة الساقطين، والعمالقة، ورحلات الإنسان إلى السماوات، والعرش الإلهي، ويوم الحساب، وشخصية غامضة تدعى "ابن الإنسان" تجلس على عرش المجد قبل خلق العالم، فمن المرجح أن تتجه أفكارك إلى أسفار العهد القديم أو الجديد، لكن المفاجأة أن معظم هذه الأفكار وردت بصورة متكاملة في كتاب أقدم من المسيحية نفسها، هو سفر أخنوخ.

لقد تحول هذا السفر خلال القرون الأخيرة إلى واحد من أكثر النصوص الدينية إثارة للجدل، فهناك من يصفه بأنه "الكتاب المفقود من الكتاب المقدس"، بينما يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، مدعين أن الكنيسة أخفته عمداً لأنه يحتوي على أسرار تهدد العقيدة الرسمية. وفي المقابل، يرى باحثون أن هذه الروايات تبالغ كثيراً، وأن استبعاد السفر من قانون الأسفار المقدسة كان نتيجة تطور طويل ومعقد في الفكر اليهودي والمسيحي، لا نتيجة مؤامرة واحدة.

بين هذين الموقفين يقف المؤرخ أمام سؤال بسيط لكنه بالغ الأهمية:

ما هو سفر أخنوخ حقاً ؟

وهل نحن أمام كتاب ديني ضائع ؟ أم مجموعة من النصوص اليهودية القديمة ؟ وهل كان له بالفعل تأثير عميق في المسيحية الأولى ؟ أم أن شهرته الحديثة هي التي ضخمت مكانته ؟

هذا المقال يحاول الإجابة عن هذه الأسئلة بالاعتماد على ما توصل إليه البحث الأكاديمي الحديث، بعيداً عن الإثارة غير المنضبطة، ودون إغفال ما جعل هذا الكتاب واحداً من أكثر الكتب غموضاً في التاريخ.

من هو أخنوخ ؟

يرد اسم أخنوخ في سفر التكوين ضمن سلسلة أنساب آدم من ابنه شيت وهو في نفس الوقت جد النبي نوح،  لكنه يختلف عن جميع من سبقوه ولحقوهم بعبارة قصيرة أثارت خيال المؤمنين عبر آلاف السنين :

"وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه."

هذه الجملة المقتضبة، التي لا تتجاوز كلمات قليلة، فتحت الباب أمام تأويلات لا تنتهي، فبينما يذكر الكتاب المقدس تفاصيل حياة كثير من الأنبياء والملوك، لا يخبرنا شيئاً تقريباً عن أخنوخ سوى أنه عاش في رضى الله، ثم اختفى من العالم بطريقة استثنائية.

وفي التراث الإسلامي، يذهب عدد كبير من المفسرين والمؤرخين إلى أن أخنوخ هو نفسه النبي إدريس عليه السلام، مستندين إلى روايات إسلامية قديمة، وإن لم يرد هذا التطابق نصاً في القرآن الكريم، ولذلك أصبح اسم أخنوخ مألوفاً للقارئ العربي منذ قرون، وإن كان ارتباطه بإدريس لا يحظى بإجماع الباحثين المعاصرين.

لكن اليهود في العصر الثاني قبل الميلاد رأوا في هذه الشخصية الغامضة أكثر من مجرد رجل صالح، فقد تحول أخنوخ في الأدب اليهودي إلى الحكيم الذي صعد إلى السماوات وشاهد أسرار الكون والتقى بالملائكة واطلع على القضاء الإلهي، ثم عاد ليكتب ما رآه لأجيال المستقبل.

ومن هنا وُلد سفر أخنوخ.

ليس كتاباً واحداً كما يظن كثيرون

يعتقد كثير من القراء أن سفر أخنوخ كتاب واحد ألّفه شخص واحد في زمن واحد، لكن الدراسات الحديثة تكشف صورة مختلفة تماماً.

فالكتاب الذي نعرفه اليوم باسم سفر أخنوخ الأول (1 Enoch) ليس مؤلفاً واحداً، بل مجموعة من النصوص اليهودية التي كُتبت خلال عدة قرون، ثم جُمعت في كتاب واحد.

ويرى معظم الباحثين أن أقدم أقسامه تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، بينما يرجع أحدثها إلى أواخر القرن الأول قبل الميلاد أو بداية القرن الأول الميلادي.

وبذلك فإن أجزاء كبيرة منه أقدم من السيد المسيح عليه السلام، وهو ما يفسر التشابه اللافت بين بعض أفكاره وما يرد لاحقاً في العهد الجديد.

ويتكون السفر من خمسة أقسام رئيسية :

- كتاب المراقبين The Book of the Watchers

- كتاب الأمثال The Book of Parables

- الكتاب الفلكي

- كتاب الرؤى

- رسالة أخنوخ

ولكل قسم منها أسلوبه الخاص، بل وربما مؤلفه المختلف أيضاً ، ولهذا يتحدث الباحثون عن "الأدب الأخنوخي" أكثر مما يتحدثون عن كتاب واحد متجانس.

لماذا أصبح هذا السفر مشهوراً إلى هذا الحد ؟

السبب بسيط ، لأنه يجيب عن أسئلة لم تجب عنها أسفار أخرى بصورة مباشرة.

من أين جاء الشر إلى العالم ؟ من هم أبناء الله الذين تزوجوا بنات البشر؟

من هم الجبابرة أو النيفليم ؟ كيف تعمل السماوات ؟

ما وظيفة الملائكة ؟ كيف سيحدث يوم القيامة ؟

ومن هو "ابن الإنسان" الذي سيجلس على عرش القضاء ؟

كل هذه الموضوعات، التي لا تظهر في الكتاب المقدس إلا بإشارات مقتضبة، تتحول في سفر أخنوخ إلى روايات كاملة، مليئة بالأسماء والتفاصيل والحوارات والمشاهد الكونية.

ولهذا السبب أصبح السفر مصدراً لا غنى عنه لفهم الفكر اليهودي في القرون التي سبقت ظهور المسيحية ، فهو لا يخبرنا فقط بما كان اليهود يؤمنون به، بل يكشف أيضاً البيئة الفكرية التي خرج منها كثير من مفاهيم العهد الجديد.

كان مفقوداً وتحول إلى قلب الدراسات الدينية

طوال قرون طويلة اعتقد علماء أوروبا أن سفر أخنوخ قد ضاع إلى الأبد.

كان اسمه معروفاً، لأن بعض آباء الكنيسة الأوائل اقتبسوا منه، ولأن رسالة يهوذا في العهد الجديد تنقل نصاً صريحاً منسوباً إلى أخنوخ، لكن أحداً لم يكن يمتلك الكتاب نفسه، ولم يبق منه سوى اقتباسات متناثرة في مؤلفات قديمة حتى أصبح كثير من الباحثين يظنون أن السفر اندثر تماماً.

غير أن الحقيقة كانت مختلفة ، فبينما اختفى السفر من أوروبا والشرق البيزنطي، ظل محفوظاً في مكان بعيد لم يكن علماء الغرب يتوقعونه: الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، التي حافظت عليه ضمن قانونها الكتابي على مدى قرون طويلة.

وكان هذا الاكتشاف بداية واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ المخطوطات الدينية...

عندما اختفى سفر أخنوخ من معظم أنحاء العالم المسيحي، بدا وكأن التاريخ قد أغلق صفحته إلى الأبد، فبحلول القرن الخامس الميلادي، لم يعد الكتاب يُتداول في أوروبا ولا في الإمبراطورية البيزنطية، ولم يبق منه سوى اقتباسات متناثرة في كتابات بعض آباء الكنيسة، بينما ظن كثير من العلماء أنه ضاع نهائياً.

لكن الحقيقة كانت أكثر إثارة.

فالكتاب لم يختفِ... بل انتقل إلى مكان لم يخطر ببال الأوروبيين أن يبحثوا فيه.

الناجي الوحيد في مرتفعات الحبشة

في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة الغربية ترسم حدود قانونها الكتابي، كانت مملكة أكسوم، في مرتفعات إثيوبيا، تعيش تطوراً دينياً مختلفاً نسبياً عن روما والقسطنطينية.

وصلت المسيحية إلى تلك المنطقة في القرن الرابع الميلادي، لكنها احتفظت بكثير من التقاليد اليهودية القديمة. ولذلك ضمت الكنيسة الإثيوبية إلى قانونها عدداً من الأسفار التي لم تعتمدها الكنائس الأخرى، وكان من بينها سفر أخنوخ.

ترجم الكتاب إلى اللغة الجعزية Ge'ez، وهي اللغة الكنسية القديمة في إثيوبيا، وأصبح يُقرأ باعتباره جزءاً من الكتب المقدسة.

وهكذا، بينما اندثر السفر في معظم العالم المسيحي، ظل الرهبان الإثيوبيون ينسخونه جيلاً بعد جيل داخل الأديرة الجبلية النائية، دون أن يدركوا أن العالم الخارجي يعتقد أنه مفقود منذ قرون.

ولم يكن ذلك نتيجة خطة لإنقاذ الكتاب، بل لأن الكنيسة الإثيوبية لم تشارك تماماً في عملية توحيد القانون الكنسي التي جرت في الإمبراطورية الرومانية.

الرحالة الذي أعاد الكتاب إلى أوروبا

ظل الغرب يجهل وجود النص الكامل حتى القرن الثامن عشر، عندما وصل المستكشف الاسكتلندي جيمس بروس James Bruce إلى إثيوبيا سنة 1769، في رحلة اشتهرت أساساً بمحاولته البحث عن منابع النيل.

وخلال إقامته هناك، اكتشف أن الكنيسة الإثيوبية ما تزال تحتفظ بسفر أخنوخ كاملاً ، ولدى عودته إلى أوروبا عام 1773 حمل معه ثلاث نسخ كاملة من المخطوط.

في البداية، لم يصدقه كثير من العلماء، إذ بدت فكرة العثور على كتاب مفقود منذ أكثر من ألف عام أقرب إلى الأساطير منها إلى الواقع. لكن بعد فحص المخطوطات، اتضح أنها تمثل بالفعل النص الكامل لسفر أخنوخ الذي عرفه آباء الكنيسة الأوائل.

وبعد عقود، نشر الباحث البريطاني ريتشارد لورنس أول ترجمة إنجليزية كاملة للسفر عام 1821 لتبدأ مرحلة جديدة من الدراسات الأخنوخية.

ثم جاءت المفاجأة الأكبر...

رغم أهمية المخطوطات الإثيوبية، ظل بعض العلماء يشككون في أصلها.

هل يمكن أن يكون الرهبان الإثيوبيون قد ألّفوا الكتاب بأنفسهم ؟

هل هو نص مسيحي متأخر نُسب زوراً إلى أخنوخ ؟

ظل هذا السؤال مطروحاً حتى منتصف القرن العشرين.

ثم وقع أحد أعظم الاكتشافات الأثرية في العصر الحديث.

قمران... حين خرج أخنوخ من الكهوف

في عام 1947، اكتشف رعاة بدو بالصدفة مجموعة من الجرار الفخارية داخل كهوف قرب البحر الميت، لتبدأ واحدة من أشهر الحفريات الأثرية في التاريخ.

كانت تلك هي مخطوطات قمران، ومن بين مئات المخطوطات المكتشفة، عثر الباحثون على أجزاء عديدة من سفر أخنوخ، مكتوبة باللغة الآرامية، وهي اللغة التي كانت شائعة بين اليهود في فلسطين قبل الميلاد.

وقد نُشرت الدراسات التفصيلية لهذه المخطوطات لاحقاً، ولا سيما أعمال الباحث البولندي جوزيف ميليك Józef Milik الذي أثبت أن أجزاء من سفر أخنوخ كانت متداولة بالفعل بين جماعة قمران قبل الميلاد.

كان لهذا الاكتشاف أثر بالغ ، فهو لم يثبت فقط أن السفر قديم بل أكد أيضاً أن النص الإثيوبي لم يكن اختراعاً متأخراً، بل ترجمة حافظت، بدرجة كبيرة، على مؤلف يهودي أقدم بكثير.

وبذلك انتهى أحد أكبر الشكوك التي أحاطت بالسفر.

هل أثبتت مخطوطات قمران صحة كل ما في السفر ؟

هنا يجب التمييز بين أمرين كثيراً ما يختلطان في النقاشات الشعبية، لقد أثبتت مخطوطات قمران أن سفر أخنوخ نص يهودي قديم بالفعل، وأن أجزاءه كانت معروفة قبل ظهور المسيحية.

لكنها لم تثبت أن كل ما يرويه السفر أحداث تاريخية وقعت فعلاً.

فوجود مخطوطة قديمة لا يعني بالضرورة صحة مضمونها التاريخي، تماماً كما أن امتلاكنا لنسخ قديمة من الإلياذة أو المهابهارتا لا يجعل كل أحداثهما وقائع تاريخية.

وهذا التفريق أساسي لفهم قيمة السفر ، فالباحثون يهتمون به لأنه يكشف لنا ما كان بعض اليهود يؤمنون به في تلك الفترة، لا لأنه يقدم سجلاً تاريخياً يمكن التحقق من كل تفاصيله.

هل حظرت الكنيسة سفر أخنوخ ؟

ربما تكون هذه أكثر نقطة تعرضت للمبالغة على الإنترنت ، تنتشر مقاطع فيديو تزعم أن الإمبراطور قسطنطين، أو مجمع نيقية، أو الكنيسة الكاثوليكية "حذفت" سفر أخنوخ لأنها خافت من محتواه.

لكن الصورة التاريخية أكثر تعقيداً ، فلا يوجد دليل على أن مجمع نيقية سنة 325م ناقش سفر أخنوخ أصلاً كما لا يوجد قرار واحد صادر عن ذلك المجمع يقضي بحظره.

الذي حدث في الواقع هو أن تكوين قانون الأسفار المقدسة استغرق عدة قرون، واختلف من منطقة إلى أخرى، ومع مرور الزمن، لم يعد سفر أخنوخ يُقرأ في معظم الكنائس، وبدأ يُعامل باعتباره من الأسفار غير الشرعية أو الغير قانونية Apocryphal أو Pseudepigraphal، أي النصوص التي لم تدخل ضمن القانون الكنسي الرسمي.

وبذلك خرج تدريجياً من الاستخدام الليتورجي في الغرب والشرق البيزنطي، بينما بقي ضمن قانون الكنيسة الإثيوبية.

إذن، لم يكن الأمر قراراً واحداً اتخذ في يوم واحد، بل عملية تاريخية طويلة شاركت فيها عوامل لاهوتية ونصية ومؤسساتية.

لماذا استُبعد إذاً ؟

هنا تبدأ الأسئلة الأكثر إثارة.

إذا كان السفر معروفاً للمسيحيين الأوائل، وإذا كانت رسالة يهوذا في العهد الجديد تقتبس منه صراحة، وإذا كانت مخطوطاته أقدم من المسيحية نفسها...

فلماذا لم يصبح جزءاً من الكتاب المقدس لدى معظم الكنائس ؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من فهم محتوى السفر نفسه.

ففي صفحاته نجد عالماً مختلفاً تماماً عن الصورة المختصرة التي يقدمها سفر التكوين: ملائكة ينزلون إلى الأرض، وعمالقة يفسدون البشرية، وأسراراً فلكية، ورحلات إلى السماوات، ومحكمة كونية، وشخصية غامضة تدعى ابن الإنسان ستصبح لاحقاً محوراً لجدل لاهوتي واسع.

وهنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة في قصة سفر أخنوخ ، أكمل رحلتك مع الجزء الثاني من سفر أخنوخ.