منذ أكثر من ثمانية قرون عاش في الأندلس رجل لم يكن يتحدث عن العالم غير المرئي كفكرة بعيدة، بل كأنه فضاء يمكن دخوله ومشاهدة ما فيه والعودة منه بمعرفة جديدة.
كان ذلك محيي الدين ابن عربي، أحد أبرز أعلام التصوف في التاريخ الإسلامي، ترك مؤلفات ضخمة مثل الفتوحات المكية وفصوص الحكم، لكن بين صفحاتها يظهر عالم أكثر غرابة: أحلام ورؤى للأنبياء، لقاءات مع شخصيات ماتت قبل زمنه، حديث عن الجن، وعالم وسيط تتجسد فيه الأرواح والمعاني، ورحلات روحية إلى مستويات غير مألوفة من الإدراك.
ولم يتوقف الأمر عند التجارب الشخصية، فقد كتب ابن عربي أيضاً عن المهدي وأحداث آخر الزمان، وربط بعض هذه الموضوعات بما يسميه الصوفية بالكشف والشهود.
فماذا كان ابن عربي يرى ؟ وهل عدّ هذه المشاهد مجرد أحلام، أم اتصالاً حقيقياً بعالم الغيب ؟
رجل عاش بين عالمين
ولد محمد بن علي بن عربي في مرسية بالأندلس سنة 1165، وتنقل بين الأندلس والمغرب ومكة والأناضول وبلاد الشام حتى استقر في دمشق حيث توفي سنة 1240 ، أما «محيي الدين» فهو لقب وقد اشتهر به إلى درجة أن المصادر المتخصصة تسميه ببساطة "محيي الدين ابن عربي".لم تكن تجربته الصوفية مجرد تأمل فكري، بل قامت في جانب كبير منها على ما يسميه الصوفية الكشف والمشاهدة ، والـكشف، ببساطة، هو أن تنكشف للإنسان معرفة لا يصل إليها بالطريق المعتاد للحواس أو التفكير أما المشاهدة فهي أن تصبح الحقيقة الروحية حاضرة أمام صاحب التجربة كما لو أنه يراها.
ولهذا تعامل ابن عربي مع بعض رؤاه بوصفها مصدراً للمعرفة، لا مجرد صور ذهنية عابرة ومن هنا تبدأ علاقته بالعالم غير المرئي.
رؤى الأنبياء
في قرطبة سنة 586هـ، الموافق تقريباً لسنة 1190 سجّل ابن عربي واحدة من أشهر رؤاه، قال إنه شهد الأنبياء من آدم إلى محمد في مشهد واحد، وأن النبي هود خاطبه وبيّن له سبب اجتماعهم.
ولم تكن هذه الرؤية حادثة منفردة في حياته فالأحلام والرؤى تكررت في كتاباته حتى إنه ألّف رسالة عرفت باسم المبشرات، جمع فيها عدداً من الأحلام التي رأى أنها تحمل معنى أو معرفة.
وفي إحدى هذه الرؤى رأى القيامة قائمة والناس في اضطراب، ثم وجد نفسه يصعد إلى مقام علوي حيث التقى النبي إبراهيم وقرأ القرآن أمامه وهو يشعر بالطمأنينة.
بالنسبة إلى الإنسان المعاصر تبدو التجربة حلماً شديد الوضوح والرمزية، لكن ابن عربي لم يكن يرسم فاصلاً حاداً بين الحلم والحقيقة كما نفعل اليوم ، فالحلم لديه قد يكون أحياناً باباً إلى معرفة لا تأتي في اليقظة العادية.
الكتاب الذي جاء في رؤيا
من أشهر الأمثلة ما رواه ابن عربي في مقدمة كتابه فصوص الحكم ، يقول إنه كان في دمشق سنة 627هـ عندما رأى النبي محمد في رؤيا وبيده كتاب، وقال له:
«هذا كتاب فصوص الحكم، خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به».
ويخبر ابن عربي أنه امتثل لما رآه وأخرج الكتاب للناس.
بغض النظر عن تفسير التجربة، فإن الأمر لافت: أحد أشهر مؤلفات الرجل قُدّم من صاحبه نفسه بوصفه ثمرة تجربة رؤيوية مباشرة لكن إذا كانت الشخصية التي يراها ليست موجودة أمامه بجسد مادي، فأين يحدث هذا اللقاء ؟
هنا نصل إلى إحدى أكثر أفكار ابن عربي ارتباطاً بعالم ما وراء الطبيعة.
عالم الخيال: ليس وهماً
يتحدث ابن عربي كثيراً عن عالم الخيال لكن كلمة «الخيال» هنا لا تعني الوهم أو الأشياء التي يخترعها العقل بلا وجود، بل يقصد بها مستوى وسيطاً بين العالم المادي والعالم الروحي.
في هذا العالم، وفق تصوره، تستطيع المعاني والأرواح أن تظهر في صور يمكن إدراكها ، ولتبسيط الفكرة يمكن التفكير في الحلم: عندما نرى شخصاً أثناء النوم نراه بوجه وصوت وجسد، مع أن ذلك الجسد ليس موجوداً مادياً أمامنا.
رأى ابن عربي أن هذه القدرة على ظهور ما هو غير مادي في صورة محسوسة لا تقتصر بالضرورة على الأحلام، بل تكشف عن مستوى أوسع من الوجود ، وهذا المستوى يرتبط بمفهوم آخر سماه البرزخ.
البرزخ: الحد بين عالمين
البرزخ هو الشيء الذي يفصل بين شيئين وفي الوقت نفسه يصل بينهما وعند ابن عربي يمكن للبرزخ أن يكون الحد الفاصل بين الروح والمادة، وبين المرئي وغير المرئي كأنه مرآة بين عالمين، ومن خلال هذه الفكرة يصبح من الممكن، في تصوره، أن يرى الإنسان روحاً أو شخصية غائبة في صورة واضحة من دون أن يعني ذلك أن جسدها المادي قد عاد إلى الحياة ، بهذا المنطق فهم ابن عربي الكثير من رؤاه ولقاءاته.
لقاء مع أرواح موتى
من الأمثلة المثيرة علاقة ابن عربي بالصوفي الشهير أبي مدين الغوث، كان شديد الإعجاب به، لكنه لم يلتقه لقاءً جسدياً، ومع ذلك تحدث عنه كما لو أنه عرفه في البرزخ أو العالم الوسيط.
وتنقل المصادر المرتبطة بسيرة ابن عربي روايات عن تواصل روحي بين الرجلين، وعن فكرة أن اللقاء الحقيقي بينهما لن يحدث في العالم المادي، وإنما «في الروح».
كما يذكر ابن عربي لقاءات بـ الخضر، الشخصية الغامضة المرتبطة في التراث الإسلامي والصوفي بالمعرفة الخفية والهداية ،لكن ينبغي الانتباه إلى أن لغة ابن عربي لا تسمح دائماً بأن نحدد بصورة قاطعة: هل كان يتحدث عن حلم أثناء النوم ؟ رؤية في اليقظة ؟ أم حالة روحية يسميها «الكشف» ؟
هذه الحدود نفسها لم تكن واضحة في تجربته.
الجن في عالم ابن عربي
لا يقتصر العالم غير المرئي عند ابن عربي على الأنبياء والأولياء، ففي الفتوحات المكية خصص فصلاً للحديث عن الجن، وحاول تفسير طبيعتهم وموقعهم بين الكائنات ويربطهم بالعنصر الناري الوارد في التراث الإسلامي لكنه يمنحهم كذلك طبيعة وسطية تجعلهم، في تصوره قادرين على الظهور في صور متعددة، وهذا يجعل الجن قريبين أيضاً من مفهوم البرزخ: كائنات لا تنتمي بصورة كاملة إلى العالم المادي الذي تدركه حواسنا لكنها يمكن أن تتداخل معه ومن هنا نجد عنده فكرة مألوفة في التراث الشعبي الإسلامي: الكائن الخفي الذي يتشكل أو يظهر للإنسان في هيئة محسوسة.
لكن يجب الحذر عند قراءة نصوصه لأن ابن عربي يستخدم اللغة الرمزية كثيراً، فكلمة «جن» يمكن أن ترتبط أحياناً أيضاً بمعنى الخفاء والاستتار، وليس بكل مرة بوصف مباشر لكائن خارق يقف أمام الإنسان.
هل خرج ابن عربي من جسده ؟
يتحدث ابن عربي كذلك عن معراج الأولياء، أي الرحلة الروحية التي يمكن للعارف أن يمر خلالها بمستويات مختلفة من الإدراك ، قد يبدو هذا قريباً مما يسمى اليوم تجربة الخروج من الجسد أو OBE، لكن التشبيه لا ينبغي أن يؤخذ حرفياً.
في تجربة الخروج من الجسد الحديثة يقول الشخص عادة إنه شعر بأنه انفصل عن جسده ورآه من الخارج أو تحرك في مكان آخر أما ابن عربي فيتحدث أكثر عن صعود الروح أو الإدراك إلى مراتب أخرى، حيث تظهر المعاني في صور ، هناك تشابه في وصف الانتقال خارج حدود الإدراك اليومي، لكن لا توجد أسباب كافية للقول إن الظاهرتين شيء واحد.
المهدي وآخر الزمان
تحدث ابن عربي في الفتوحات المكية عن المهدي المنتظر الذي يظهر في آخر الزمان ليعيد العدل بعد انتشار الظلم، وخصّص الباب 366 للحديث عنه وعن مجموعة من «الوزراء» أو المساعدين الذين يحيطون به، ويربط بعض صفاتهم بـالكشف والمعرفة الروحية. كما يضع ظهوره ضمن المشهد الإسلامي المعروف لأحداث النهاية، بما فيه الدجال ونزول عيسى بن مريم. وتظهر إشارات رمزية أخرى إلى المهدي في كتابه عنقاء مغرب، لكن لغته هناك شديدة الرمزية ولا ينبغي قراءتها دائماً كنبوءات حرفية. لذلك، رغم أن اهتمام ابن عربي بالمهدي وآخر الزمان ثابت في مؤلفاته، فإن كثيراً من التنبؤات الحديثة المنسوبة إليه حول دول وحروب وتواريخ محددة لا تثبت نسبتها إليه، ويجب التمييز بينها وبين نصوصه الأصلية.
الكشف: مفتاح عالم ابن عربي
إذا أردنا اختصار علاقة ابن عربي بالعالم غير المرئي في كلمة واحدة فستكون الكشف ، تخيل نافذة يغطيها ستار، وما وراء الستار موجود لكنك لا تراه، وعندما يُرفع الستار يظهر لك ما كان محجوباً ، هذه تقريباً فكرة الكشف في التصوف.
رأى ابن عربي أن الحواس والعقل مهمان، لكنهما لا يستطيعان وحدهما إدراك كل مستويات الحقيقة فالإنسان قد يرى في المنام أو الرؤية أو التجربة الروحية ما لا يستطيع الوصول إليه في حالة الوعي المعتادة.
ومن هنا نفهم لماذا احتلت الرؤى واللقاءات والعوالم الخفية هذا الموقع الكبير في حياته ، بالنسبة إليه، لم تكن مجرد صور يصنعها العقل بل كانت نافذة محتملة على الغيب.
ماذا يقول العلم ؟
من منظور معاصر، توجد تفسيرات مختلفة لمثل هذه التجارب فالدماغ قادر أثناء الأحلام ، خصوصاً الأحلام الجلية Lucid Dreamsأو شديدة الوضوح وخلال الحالات الواقعة بين النوم واليقظة وكذلك أثناء بعض حالات التأمل العميق، على إنتاج تجارب تبدو حقيقية للغاية ، قد يرى الإنسان شخصاً، يسمع صوته، يشعر بوجوده وربما يجري معه حواراً كاملاً وقد تحدث حالات مشابهة خلال ما يسمى الحالات المتغيرة للوعي ASC، أي الأوقات التي تختلف فيها طريقة عمل الإدراك عن اليقظة اليومية المعتادة ، لكن هذه التفسيرات لا تسمح لنا بتشخيص رجل عاش قبل ثمانية قرون كما أن تفسير الآلية الدماغية للتجربة لا يحسم السؤال الذي كان يعني ابن عربي نفسه :
هل كل ما يظهر للوعي يأتي من داخله، أم يستطيع الوعي أحياناً استقبال شيء من خارج حدوده ؟
العلم يستطيع دراسة الأحلام والهلوسات وحالات الوعي أما إثبات وجود «عالم مثال» مستقل أو أرواح يمكن التواصل معها أو معرفة غيبية تأتي عبر الكشف، فهو أمر لم تثبته التجارب العلمية حتى الآن.عالم المثال عند ابن عربي هو عالمٌ وسيط بين المادة والروح، تتجسد فيه المعاني والأرواح في صور يمكن رؤيتها وإدراكها.
بين الرجل والأسطورة
بعد وفاة ابن عربي نمت حول شخصيته هالة ضخمة ونسبت إليه أقوال ونبوءات وكرامات وحكايات لا يمكن التحقق من كثير منها لكن المفارقة أن ابن عربي الحقيقي لا يحتاج إلى تلك الأساطير كي يكون شخصية استثنائية في تاريخ الماورائيات والروحانيات.
نصوصه نفسها تقدم لنا رجلاً يقول إنه رأى الأنبياء، وسجل أحلامه، وربط أحد أشهر كتبه برؤيا، وتحدث عن لقاء الغائبين في البرزخ، وكتب عن الجن، ووصف الرحلات الروحية، ثم خصص صفحات للمهدي وأشخاص يحيطون به في نهاية الزمان.
ويبقى السؤال بعد ثمانية قرون:
هل كانت هذه التجارب أحلاماً شديدة الوضوح ؟ حالات وعي صنعتها حياة طويلة من التصوف والتأمل ؟ لغة رمزية لوصف تجارب نفسية عميقة ؟ أم أن ابن عربي، كما كان يعتقد، استطاع بالفعل أن يزيح الستار للحظات عن مستوى من الوجود لا تدركه حواسنا ؟
ربما تكمن جاذبيته في أنه لم ير العالم مقسوماً ببساطة إلى واقع وخيال ، بينهما برزخ كما قال ، وفي ذلك البرزخ وضع الأرواح والرؤى والأحلام والجن والمعرفة الخفية، وربما حتى بعض أسرار ما سيأتي في نهاية الزمان.