في خريف عام 1934 لم تكن مدينة سرقسطة الإسبانية تنتظر معجزة ولا فضيحة ولا ظهوراً شيطانياً،  كانت المدينة تعيش إيقاعها اليومي المعتاد، قبل أن تتحول شقة عادية في الطابق الثاني من مبنى سكني في شارع Gascón de Gotor رقم 2 إلى واحدة من أغرب الحكايات المحلية في تاريخ إسبانيا الحديث: حكاية عفريت الموقد، أو كما يسميه الإسبان: El duende de la hornilla. 

فقد بدأت أصوات غامضة وضحكات لا يُعرف مصدرها تخرج من موقد فحم داخل مطبخ صغير لتربك السكان والشرطة والصحفيين والسلطات وتترك خلفها لغزاً لم يجد تفسيراً حاسماً حتى اليوم.

لم يكن الاسم في بدايته أكثر من وصف ساخر أو شعبي لظاهرة غير مفهومة "العفريت" ، هنا لم يظهر على هيئة كائن صغي كما في قصص الأطفال ولم يترك آثار أقدام ولم يحرك الأثاث ولم يكتب رسائل على الجدران، كل ما فعله أنه تكلّم ، صوت بلا جسد، قادم من مكان لا يتوقعه أحد: موقد فحم، لكن الصوت حين يأتي من داخل الجدار أو من بطن الموقد لا يحتاج إلى مظهر مرعب كي يزرع الخوف، يكفي أن يضحك في الظلام أو ينادي أحداً باسمه حتى يتحول البيت كله إلى مسرح للمجهول.

تذكر الرواية المتداولة أن بداية الحكاية تعود إلى أواخر سبتمبر 1934، حين سمع بعض سكان المبنى ضحكات غريبة في الليل، لكن الأمر لم يتحول فوراً إلى قضية ثم عادت الظاهرة بصورة أوضح في نوفمبرعندما قيل إن الخادمة الشابة باسكوالا ألكوسير كانت في المطبخ تستعد لاستخدام الموقد، فإذا بصوت مجهول يصدر من ناحيته، هنا لم يعد الأمر ضجة عابرة بين الجدران، بل صوتاً يتكلم، يتفاعل ويبدو كأنه يعرف من حوله، ومن تلك اللحظة بدأت الشقة تفقد معناها كمسكن عادي وتتحول إلى ما سيُعرف لاحقاً باسم  "بيت العفريت" Casa del Duende.

المثير في هذه القضية أن الرعب لم يأت من حادثة قتل أو ظهور شبح امرأة بثوب أبيض أو لعنات مقبرة، بل من شيء أكثر بساطة وإزعاجاً: صوت لا يستطيع أحد تحديد مصدره،  فكلما حاول السكان تفسيره بأنه مزحة أو خدعة أو انتقال للصوت عبر أنابيب وفتحات التهوية عاد الصوت ليجعل التفسير أقل راحة. 

بعض الروايات تقول إنه كان يضحك ضحكات شريرة وبعضها يذكر أنه كان يجيب من يدخل المطبخ أو يعلق على ما يحدث حوله، ومع تكرار الحكاية صار الموقد نفسه مركز الخوف كما لو أن شيئاً غير مرئي يسكن في بطنه.

سرعان ما خرجت القصة من حدود الشقة، تجمع الفضوليون أمام المبنى وبدأت الصحافة تلاحق التفاصيل وتحولت الحادثة إلى خبر واسع التأثير.

بحسب بلدية سرقسطة، فإن الواقعة أبقت المواطنين والشرطة والصحفيين والسلطات في حالة ترقب، ونشرت الصحافة الخبر تحت اسم "عفريت الموقد" بعدما عجز الناس عن إيجاد تفسير واضح للأصوات. أما صحيفة Heraldo de Aragón فقد عادت إلى القصة بعد تسعين عاماً ووصفتها بأنها من أوائل الظواهر الماورائية المسجلة في إسبانيا، وأن شهرتها تجاوزت حدود سرقسطة.

لم تتعامل السلطات مع القصة بوصفها مجرد نكتة شعبية، دخلت الشرطة إلى المبنى وبدأت عمليات تفتيش وفحص وجرى البحث في المطبخ والجدران والموقد والممرات عن أي وسيلة ميكانيكية أو خدعة صوتية، لكن اللافت أن القضية انتقلت أيضاً إلى القضاء، فبحسب ما تذكره بلدية سرقسطة، مرّ الملف عبر القاضي بابلو دي بابلوس ثم إلى القاضي البلدي لويس فرناندو، وانتهت الإجراءات إلى الحفظ لعدم العثور على شخص مسؤول.

هنا تبدأ منطقة الالتباس في القصة، فقد اتجهت بعض التفسيرات إلى اتهام الخادمة باسكوالا ألكوسير بأنها مصدر الصوت، ربما عبر نوع من "التكلم من البطن" أو ما سمي لاحقاً في بعض الروايات بـ "الاستبطان الصوتي غير الواعي" أي أن الشخص قد يصدر الصوت من دون وعي كامل ، لكن هذا التفسير لم يحسم القضية، لأن الروايات اللاحقة تشير إلى أن الأصوات قيل إنها استمرت حتى في ظروف لا تجعل اتهام الخادمة كافياً لتفسير كل شيء. 

ومن هنا بقيت القضية معلقة بين ثلاثة احتمالات: خدعة بشرية، ظاهرة صوتية غير مفهومة داخل بنية المبنى أو حالة من الذعر الجماعي غذتها الصحافة والفضول الشعبي.

من الناحية العقلانية، يمكن تخيل عدة تفسيرات، ربما كان هناك شخص يستغل تجاويف المبنى أو المدخنة لنقل الصوت، خصوصاً أن الأبنية القديمة قد تحتوي على فتحات ومجارٍ تجعل الأصوات تنتقل بطريقة مضللة،  وربما أدت حالة التوتر والانتظار إلى تضخيم كل صوت عابر،  وربما كانت هناك خدعة محلية بدأت صغيرة ثم خرجت عن السيطرة عندما دخلت الشرطة والصحافة والجمهور. 

لكن المشكلة أن أي تفسير من هذه التفسيرات لم يقدم دليلاً نهائياً، فالقصة لم تنته باعتراف واضح ولا بالعثور على جهاز، ولا بكشف شخص متلبس.

أما التفسير الماورائي، فقد وجد أرضه الخصبة في خيال الناس، إذ كانت إسبانيا الكاثوليكية في الثلاثينيات تعرف جيداً معنى الأرواح، والعفاريت والأصوات القادمة من المجهول ، وعندما يتكلم موقد فحم داخل بيت فإن الخيال الشعبي لا يحتاج إلى الكثير كي يصنع كائناً يسكن المكان، هكذا وُلد "العفريت" لا ككائن مثبت بل كاسم يملأ الفراغ بين الحدث والتفسير،  كلما عجز التحقيق عن الإجابة، صار العفريت أكثر حضوراً.

ولعل أكثر ما يجعل حكاية عفريت الموقد مثيرة هو أنها لا تنتمي بالكامل إلى الماضي، فالمبنى القديم الذي شهد الحادثة هُدم لاحقاً، لكن الذاكرة لم تُهدم معه،  تشير بلدية سرقسطة إلى أن المكان نفسه يضم اليوم مبنى يحمل اسم Edificio Duende، أي "مبنى العفريت"، في إشارة مباشرة إلى تلك الحادثة التي بقيت في ذاكرة المدينة. 

كما تؤكد صحيفة Heraldo de Aragón أن المبنى القديم كان قد صار خراباً في الثمانينيات، ثم أُزيل وشُيّد مكانه مبنى جديد حمل الاسم نفسه.

تحولت القصة بذلك من حادثة رعب داخل مطبخ إلى جزء من هوية المكان، لم يعد السؤال فقط: من أين جاء الصوت ؟ بل كيف استطاع صوت مجهول أن يمنح مبنى اسماً وذاكرة ؟ 

في كثير من قصص ما وراء الطبيعة، تكون الظاهرة نفسها أقل أهمية من الأثر الذي تتركه في المجتمع، قد يختفي الشبح وقد يصمت العفريت، وقد تنتهي التحقيقات بلا نتيجة، لكن المكان لا يعود كما كان ، يصبح عنواناً لحكاية ويمشي الناس قربه وهم يعرفون أن شيئاً ما قيل إنه تكلم هناك ذات يوم.

وبعد تسعين عاماً تقريباً، لا تزال القصة بلا جواب نهائي، قد تكون خدعة ذكية أو ظاهرة صوتية داخل مبنى قديم، أو لحظة ذعر جماعي صنعها الخيال والصحافة، أو شيئاً آخر لم يُفهم في وقته. 

لكن المؤكد أن سرقسطة لم تنس ذلك الصوت ، فالعفريت، إن لم يكن قد سكن الموقد فعلاً، فقد سكن الذاكرة.