إذا كان هناك سبب واحد جعل سفر أخنوخ يحظى بهذه الشهرة الواسعة، فهو أنه يقدم تفسيراً مفصلاً لواحدة من أكثر الفقرات غموضاً في الكتاب المقدس. هذا المقال هو تتمة لما ورد في الجزء الأول من سفر أخنوخ.
إنها بضعة أسطر فقط في سفر التكوين (الإصحاح السادس)، لكنها أشعلت نقاشاً استمر أكثر من ألفي عام .
يقول النص إن "أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات فاتخذوا لأنفسهم زوجات..."
ثم يذكر ظهور الجبابرة أو النيفليم على الأرض.
لا يزيد النص على ذلك تقريباً، فلا يخبرنا من هم أبناء الله، ولا كيف حدث هذا الاتحاد، ولا من هم العمالقة، ولا لماذا جاء الطوفان بعد ذلك بوقت قصير.
أما سفر أخنوخ، فيملأ هذا الفراغ برواية طويلة ومتشعبة أصبحت لاحقاً من أكثر القصص تأثيراً في الأدب الديني والباطني.
المراقبون... الملائكة الذين أقسموا على العصيان
يطلق سفر أخنوخ على هؤلاء اسم "المراقبين" The Watchers، وهي ترجمة لكلمة آرامية تعني الحراس أو الساهرين، بحسب الرواية، كان هؤلاء ملائكة أو كائنات سماوية أوكلت إليهم مهمة مراقبة الأرض والبشر، لكن مجموعة منهم قررت التمرد على الأمر الإلهي ويقودهم ملاك يدعى شميحازا Shemyaza أو Semyaza.
ويذكر السفر أن عددهم بلغ مئتي ملاك، اجتمعوا على قمة جبل حرمون (جبل الشيخ) الواقع عند الحدود الحالية بين سوريا ولبنان وفلسطين، وهناك أقسموا قسماً جماعياً على تنفيذ خطتهم، حتى لا يتراجع أحد منهم إذا واجه العقاب.
ويكتسب جبل حرمون في هذا السياق مكانة رمزية كبيرة، إذ يربط السفر اسم الجبل بالفعل العبري الذي يعني "القَسَم" أو "التحريم"، في إشارة إلى العهد الذي قطعه المراقبون على أنفسهم.
ولا يوجد دليل تاريخي على أن هذا الحدث وقع فعلاً في ذلك الجبل، لكن اختيار حرمون لم يكن اعتباطياً، فقد كان الجبل منذ العصور القديمة محاطاً بالأساطير، واعتُبر مكاناً يلامس السماء، وارتبط في عدد من الثقافات الكنعانية والآرامية بعالم الآلهة والكائنات السماوية.
لماذا هبطوا إلى الأرض ؟
لا يذكر السفر أن هدفهم كان تدمير البشرية منذ البداية ، بل يقول إنهم رأوا جمال النساء البشر، واشتهوا الزواج منهن.
قد تبدو هذه الفكرة غريبة بالنسبة للقارئ المسلم، الذي يؤمن بعصمة الملائكة من المعصية، ولذلك ينبغي التأكيد على أن هذه الرواية تنتمي إلى الأدب اليهودي القديم، ولا تمثل العقيدة الإسلامية.
ففي التصور الذي يقدمه سفر أخنوخ، أدى هذا الاتحاد بين المراقبين والنساء إلى ولادة جيل جديد من الكائنات الهجينة وهنا تظهر واحدة من أشهر شخصيات الكتاب.
النيفليم... العمالقة الذين ابتلعوا العالم
يطلق السفر على أبناء هذا الاتحاد اسم الجبابرة أو العمالقة، ويربطهم بما يسميه سفر التكوين النيفليم Nephilim ويصورهم على أنهم مخلوقات هائلة الحجم والقوة، حتى إن الأرض لم تعد قادرة على إطعامهم.
في البداية استهلكوا محاصيل البشر ،ثم مواشيهم، ثم ممتلكاتهم ، ثم – بحسب الرواية – بدأوا يأكلون البشر أنفسهم ، ويضيف السفر أنهم نشروا الفوضى والقتل والافتراس في أنحاء الأرض، حتى امتلأ العالم بالعنف والفساد.
قد تبدو هذه الصورة اليوم أقرب إلى الأساطير الملحمية، لكنها كانت بالنسبة لليهود في العصر الهلنستي محاولة لتفسير سؤال ديني عميق:
كيف وصل الشر إلى هذا المستوى الذي استدعى الطوفان ؟
فبينما يربط سفر التكوين الطوفان بفساد البشر عامة، يضيف سفر أخنوخ سبباً آخر هو تدخل قوى سماوية في التاريخ البشري.
عزازيل... الشخصية الأكثر إثارة للجدل
إذا كان شميحازا قائد التمرد، فإن أكثر شخصيات السفر شهرة هو بلا شك عزازيل Azazel ، يختلف دوره عن بقية المراقبين ، فهو لا يكتفي بالنزول إلى الأرض، بل يصبح معلم البشرية.
لكن ما الذي علمهم ؟
يقدم السفر قائمة طويلة تكشف عن رؤية اليهود القدماء لمصدر كثير من المعارف التي يمكن أن تتحول إلى أدوات فساد.
علم الرجال صناعة: السيوف ، الرماح ، الدروع ، أدوات الحرب.
وعلم النساء: الزينة ، الحلي ، مستحضرات التجميل ، صبغ الشعر ، الأحجار الكريمة.
كما علم البشر: السحر ، الرقى ، استخدام النباتات ، أسرار المعادن.
ومن منظور مؤلف السفر، لم تكن المشكلة في المعرفة نفسها، بل في أنها وصلت إلى البشر قبل أوانها، ومنحتهم قوة لم يكونوا مستعدين لتحمل مسؤوليتها.
ولهذا يُحمّل السفر عزازيل مسؤولية انتشار الفساد في الأرض أكثر من أي ملاك آخر.
هل يقصد السفر أن العلم شر ؟
قد يظن القارئ ذلك لأول وهلة، لكن الأمر أكثر تعقيداً.
فالكاتب لا يهاجم المعرفة بوصفها معرفة، وإنما يميز بين الحكمة التي يمنحها الله والأسرار التي تُنتزع خارج النظام الإلهي.
إنها فكرة نجدها لاحقاً في عدد من الأساطير العالمية.
ففي الأسطورة اليونانية، يسرق بروميثيوس النار من الآلهة ويقدمها للبشر.
وفي بعض التقاليد الرافدية، يحصل الإنسان على أسرار الآلهة بطرق غير مشروعة.
وفي سفر أخنوخ، يقوم المراقبون بالدور نفسه، لكنهم لا يسرقون النار، بل ينقلون إلى البشر معارف سماوية يعتبرها الكاتب سبباً في انحراف الحضارة.
ولهذا يرى بعض مؤرخي الأديان أن السفر لا يتحدث عن "السحر" بالمعنى الشعبي بل عن القلق القديم من المعرفة غير المنضبطة، وهي فكرة تكررت في ثقافات عديدة.
لماذا أصبح عزازيل رمزاً في التراث الباطني ؟
لأن شخصيته لم تتوقف عند حدود سفر أخنوخ ، ففي القرون اللاحقة ظهر عزازيل في الأدب اليهودي ثم في بعض الكتابات المسيحية، ثم تبنته لاحقاً تيارات باطنية وسحرية غربية بوصفه أحد الكائنات المرتبطة بالأسرار المحرمة.
لكن ينبغي التمييز هنا بين مرحلتين مختلفتين:
- عزازيل في سفر أخنوخ، وهو شخصية تنتمي إلى الأدب اليهودي قبل الميلاد.
- عزازيل في التراث السحري الأوروبي، وهي صورة تطورت بعد ذلك بقرون طويلة، وأضافت إليه صفات وأدواراً لم ترد في النص الأصلي.
والخلط بين الصورتين هو أحد أكثر الأخطاء شيوعاً في الكتب الشعبية ومحتوى وسائل التواصل.
لماذا أمر الله بالطوفان ؟
بعد أن يصور السفر انتشار العنف والفساد، يروي أن الأرض نفسها صارت تصرخ طالبة الإنصاف ، فتصل شكواها إلى رؤساء الملائكة ومنهم ميخائيل ورافائيل وجبرائيل وأوريئيل فيرفعون الأمر إلى الله.
وهنا يصدر الحكم الإلهي :
يُقبض على عزازيل ويُقيّد في الصحراء حتى يوم الدينونة ، يُلقى المراقبون في ظلمات الأرض انتظاراً للحساب، ويُترك العمالقة ليهلك بعضهم بعضاً في حرب مدمرة، قبل أن يأتي الطوفان ليطهر الأرض مما بقي من فسادهم.
لكن الرواية لا تنتهي هنا.
فما يحدث بعد موت العمالقة سيصبح أحد أكثر أفكار سفر أخنوخ تأثيراً في تاريخ المعتقدات، إذ يفسر أصل الأرواح الشريرة بطريقة تختلف عما نجده في معظم النصوص الدينية الأخرى.
من أين جاءت الأرواح الشريرة ؟ وكيف تحول أخنوخ إلى أول إنسان يطوف بالسماوات ويشاهد العرش الإلهي ؟إذا كان سفر أخنوخ قد اشتهر بقصة الملائكة الساقطين، فإن شهرته لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد سقوط المراقبين واندلاع الحرب بين العمالقة، ينتقل النص إلى مرحلة مختلفة تماماً، حيث يتحول أخنوخ نفسه إلى الشخصية الرئيسية.
فلم يعد مجرد راوٍ للأحداث، بل أصبح ـ بحسب السفر ـ الإنسان الذي اختير ليعبر بين الأرض والسماء، ويرى ما لم يُرَ من قبل.
وهنا يبدأ القسم الأكثر تأثيراً في الأدب الديني والباطني عبر التاريخ.
من أين جاءت الأرواح الشريرة ؟
من أكثر الأفكار غرابة في سفر أخنوخ تفسيره لأصل الأرواح الشريرة فالكتاب لا يقول إن هذه الأرواح هي الملائكة الساقطون أنفسهم.
ولا يقول إنها شياطين خُلقت بهذه الصورة منذ البداية ، بل يقدم تصوراً مختلفاً تماماً.
فبعد أن هلك العمالقة، بقي جزء غير مادي منهم على الأرض ، يصف السفر هذه البقايا بأنها أرواح الجبابرة التي فقدت أجسادها لكنها لم تفقد رغبتها في الإفساد.
ولهذا أصبحت ـ بحسب الرواية ـ تجوب الأرض، وتغوي البشر، وتثير الحروب، وتنشر المرض والعنف والجنون حتى يوم الدينونة.
وهذه الفكرة تركت أثراً بالغاً في بعض اتجاهات الفكر اليهودي، ثم في عدد من التفسيرات المسيحية المبكرة المتعلقة بالشياطين، وإن لم تصبح عقيدة رسمية في معظم الكنائس.
أما في الإسلام، فلا نجد هذا التصور؛ إذ يختلف فهم القرآن والسنة لأصل الشياطين والجن اختلافاً جوهرياً عن الرواية الأخنوخية، وهو ما ينبغي للقارئ المسلم أن يضعه في اعتباره عند قراءة هذا النص.
أخنوخ: الإنسان الذي أصبح رسولاً إلى الملائكة
بعد صدور الحكم على المراقبين، يروي السفر مشهداً غير مألوف ، فالملائكة الساقطون أنفسهم يطلبون من أخنوخ أن يشفع لهم ، لقد أدركوا أن مصيرهم قد حُسم، لكنهم يأملون في الحصول على الرحمة ، يكتب أخنوخ دعاءً نيابة عنهم، ثم ينام ، وفي أثناء نومه تبدأ سلسلة من الرؤى التي تنقله إلى السماء ، هناك يسمع الجواب الإلهي.
الطلب مرفوض ، لقد انتهى زمن التوبة بالنسبة للمراقبين ، وسيظلون مقيدين حتى يوم الدينونة.
هذه الفكرة تمنح أخنوخ مكانة فريدة ، فهو ليس نبياً بالمعنى التقليدي فحسب، بل وسيط بين السماء والكائنات السماوية نفسها.
الرحلة الكبرى إلى السماوات
بعد ذلك يصف السفر واحدة من أقدم الرحلات السماوية في الأدب الديني ، يصعد أخنوخ بصحبة الملائكة ويشاهد طبقات الكون كما يتصورها الفكر اليهودي القديم.
يرى: الجبال النارية ، الأنهار المتوهجة ، مخازن الثلوج ، خزائن البرد ، مستودعات الرياح ، أماكن البرق والرعد ، نهايات الأرض ، أبواب السماء.
ولا يقدم الكاتب هذه الصور بوصفها أساطير للتسلية، بل باعتبارها كشفاً إلهياً عن النظام الذي يدير الكون.
وهنا ينبغي أن نتذكر أننا أمام نص كُتب قبل أكثر من ألفي عام، عندما كان تصور الكون مختلفاً تماماً عن المفهوم العلمي الحديث ، ولذلك فإن القيمة الأساسية لهذه المشاهد ليست في دقتها العلمية، وإنما في أنها تكشف كيف تخيل الإنسان القديم بنية العالم وعلاقة السماء بالأرض.
بيت النار والعرش العظيم
من أكثر المشاهد تأثيراً في السفر وصف أخنوخ للعرش الإلهي ، فهو يدخل إلى بناء عظيم تحيط به ألسنة من النار ، جدرانه من البلور ، وأرضيته من الكريستال ، واللهيب يحيط بكل شيء ، ثم يرى عرشاً مهيباً يفوق الوصف.
وتقف حوله أعداد لا تُحصى من الملائكة، ويؤكد الكاتب أن المشهد يفوق قدرة اللغة البشرية على التعبير عنه.
وقد أصبحت هذه الصورة لاحقاً من أكثر النصوص تأثيراً في أدب الرؤى اليهودي، كما تركت بصمتها في كثير من التصورات المسيحية المبكرة عن العرش الإلهي.
لماذا اهتم أخنوخ بالفلك ؟
بعد الانتهاء من قصة المراقبين، ينتقل السفر إلى قسم يبدو مختلفاً تماماً ، بدلاً من الحديث عن الملائكة والشياطين، يبدأ بوصف حركة الشمس والقمر والنجوم ، ولأول وهلة قد يظن القارئ أنه أمام كتاب فلك.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك ، فالكاتب لا يحاول تفسير الكون بالمعنى العلمي، بل يريد إثبات فكرة لاهوتية مهمة:
الكون كله يعمل وفق نظام إلهي دقيق ، ولهذا يصف الشمس وهي تدخل وتخرج من "بوابات" في الأفق.
ويتحدث عن القمر ومراحله ، وعن النجوم ومساراتها ، وعن الفصول ، وعن الرياح ، وعن المطر.
إنها محاولة لرؤية الكون كله باعتباره معبداً هائلاً يخضع لقوانين وضعها الخالق.
التقويم الذي أثار الخلاف
من أكثر ما يميز هذا "القسم الفلكي" اعتماد السفر على تقويم شمسي من 364 يوماً ، وقد يبدو هذا تفصيلاً ثانوياً لكنه كان في الحقيقة قضية دينية شديدة الحساسية ، ففي تلك الفترة كانت جماعات يهودية مختلفة تستخدم تقاويم مختلفة لتحديد الأعياد والطقوس.
ويرى كثير من الباحثين أن جماعة قمران، التي حفظت مخطوطات أخنوخ، كانت تؤيد هذا التقويم الشمسي معتبرة أنه أكثر انسجاماً مع النظام الإلهي، في حين اعتمدت جماعات أخرى تقويماً قمرياً.
وهكذا تحول التقويم إلى رمز للخلاف حول كيفية فهم إرادة الله، لا مجرد وسيلة لحساب الأيام.
النجوم التي عصت أمر الله
من أكثر المشاهد غرابة في الكتاب الفلكي حديثه عن نجوم لم تلتزم بالمسار الذي حدده لها الخالق ، ويصورها السفر وكأنها كائنات عاقلة خالفت الأمر الإلهي فعوقبت وربطت بالسلاسل حتى يوم الحساب.
قد تبدو الفكرة غريبة للقارئ الحديث، لكنها تعكس نظرة قديمة كانت ترى أن كل عناصر الكون ــ من الملائكة إلى النجوم ــ تشترك في نظام أخلاقي واحد وأن الخروج على هذا النظام يجر العقاب سواء صدر من إنسان أو من جرم سماوي.
هل كان "أخنوخ" كتاباً في الفلك ؟
رغم كثرة حديثه عن الشمس والقمر والنجوم، فإن الإجابة هي: لا ، فسفر أخنوخ ليس كتاباً علمياً بالمعنى الحديث، ولا ينبغي قراءته بهذه الطريقة.
إنه يستخدم لغة الفلك لبناء رؤية دينية للكون، تماماً كما استخدمت حضارات أخرى صور السماء والنجوم للتعبير عن النظام والعدالة والقدر.
ومع ذلك، فقد أثرت هذه التصورات في عدد من التيارات اللاحقة، وأصبح القسم الفلكي من أكثر أجزاء السفر اهتماماً لدى بعض المهتمين بتاريخ علم الفلك القديم، وكذلك لدى الجماعات الباطنية التي رأت فيه معرفة سماوية مفقودة.
لكن أعظم مفاجآت سفر أخنوخ لم تكن الملائكة ولا النجوم... بل شخصية غامضة تظهر في القسم التالي من الكتاب.
شخصية موجودة قبل خلق العالم ، تجلس إلى جوار "قديم الأيام" ، وتُمنح سلطة الحكم على البشر والملائكة في نهاية الزمان.
يطلق عليها السفر لقباً سيصبح فيما بعد من أشهر الألقاب الدينية في التاريخ: "ابن الإنسان".
وهنا يبدأ أكثر فصول سفر أخنوخ إثارة للجدل، لأنه يقودنا مباشرة إلى واحدة من أعقد القضايا في تاريخ اليهودية والمسيحية، وإلى السؤال الذي لا يزال يناقشه الباحثون حتى اليوم:
هل أثّر سفر أخنوخ في لغة العهد الجديد، أم أن التشابه بينهما جاء من البيئة الدينية المشتركة التي نشآ فيها ؟تابع معنا في الجزء الثالث والأخير من سفر أخنوخ.