في السماء الباردة قرب الدائرة القطبية اعتاد المصورون ومطارِدو الشفق القطبي أن يروا أحياناً شيئاً غريباً لا يشبه المشهد المألوف: شريطاً ضيقاً من الضوء البنفسجي أو البنفسجي المائل إلى الوردي، يمتد في خط شبه مستقيم من الشرق إلى الغرب، وقد يظهر تحته صف من الشرائط الخضراء العمودية كأنها سياج معلّق في السماء ، كان المشهد يستمر من عشرين دقيقة إلى ساعة تقريباً، ثم يخفت كما لو أنه لم يكن.
في البداية بدا الأمر مجرد نوع غريب من الشفق القطبي، لكن عندما اقترب العلماء منه بالأقمار الصناعية والقياسات الأرضية، ظهرت المفاجأة: هذا الشريط ليس شفقاً قطبياً عادياً، وربما لا يكون شفقاً أصلاً، أطلق عليه الهواة اسماً بسيطاً ومثيراً للفضول: ستيف STEVE.
اسم طريف لظاهرة حقيقية
ظهرت شهرة "ستيف" الحديثة عام 2016 عندما بدأ هواة كنديون في مجموعة لمراقبة الشفق القطبي، خصوصاً في ألبرتا، بمقارنة صورهم لهذا الشريط البنفسجي الغامض، لم يكن لديهم اسم علمي جاهز فاستعاروا الاسم من فيلم الرسوم المتحركة Over the Hedge، حيث تقرر الشخصيات تسمية شيء مجهول باسم "ستيف" ليصبح أقل رعباً وغرابة.
لاحقاً، عندما دخل العلماء على الخط، لم يلغوا الاسم، بل حولوه إلى اختصار علمي: Strong Thermal Emission Velocity Enhancement، أي "تعزيز قوي في الانبعاث الحراري والسرعة" وقد تبنّت ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية الاسم في الأدبيات العلمية المتعلقة بالظاهرة.
ما الذي يراه الناس فعلاً ؟
يظهر ستيف عادة كشريط ضوئي ضيق جداً، ممتد أفقياً عبر السماء، وغالباً بلون بنفسجي أو بنفسجي مائل إلى الأبيض، وتحت هذا الشريط قد يظهر أحياناً ما يعرف باسم السياج الأخضر، وهو صف من الأعمدة أو الأشعة الخضراء العمودية، كأنها أوتاد مضيئة متدلية من الشريط.
بحسب إرشادات ناسا لهواة الرصد، يظهر ستيف أقرب إلى خط الاستواء من مناطق الشفق القطبي المعتادة، أي أبعد قليلاً عن القطبين مقارنة بالشفق الأخضر المعروف.
وقد رُصد في كندا وألاسكا وشمال الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ونيوزيلندا، كما وثقت تقارير حديثة ظهوره فوق جنوب أستراليا أثناء نشاط شمسي قوي، ويمتد الشريط أحياناً لمئات أو آلاف الكيلومترات، لكنه قصير العمر، إذ لا يدوم غالباً إلا بين 20 دقيقة وساعة.
لماذا ليس شفقاً قطبياً عادياً ؟
الشفق القطبي المعروف يحدث عندما تهبط جسيمات مشحونة من الفضاء، قادمة من الرياح الشمسية وموجهة بفعل المجال المغناطيسي للأرض، فتصطدم بذرات وجزيئات في الغلاف الجوي العلوي، عندها تتوهج الذرات بألوان خضراء وحمراء وزرقاء وبنفسجية، بحسب نوع الغاز والارتفاع والطاقة.
لكن ستيف أربك العلماء لأن القياسات لم تجد دائماً العملية نفسها، ففي دراسة نشرتها American Geophysical Union عام 2018، جرى تحليل حدث من أحداث ستيف ووجد القمر الصناعي POES-17 أنه لم تكن هناك جسيمات مشحونة "تمطر" على الأيونوسفير كما يحدث في الشفق القطبي التقليدي، لذلك صرحت الباحثة بياتريس غالاردو-لاكورت بأن الخلاصة الأساسية هي أن "ستيف ليس شفقاً قطبياً".
نهر ساخن يجري فوق رؤوسنا
عندما مرت أقمار Swarm التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية عبر منطقة مرتبطة بظهور ستيف، كشفت القياسات شيئاً مذهلاً: في طبقات عالية من الغلاف الجوي، على ارتفاع يقارب 300 كيلومتر، كانت هناك قناة ضيقة من الغاز أو البلازما الساخنة، عرضها نحو 25 كيلومتراً، تتحرك غرباً بسرعة تقارب 6 كيلومترات في الثانية، مقارنة بسرعات أبطأ بكثير على جانبيها، كما سُجلت قفزة حرارية تقارب 3000 درجة مئوية في تلك المنطقة.
هذه القناة مرتبطة بما يعرف في فيزياء الفضاء باسم Subauroral Ion Drift – SAID، أي انجراف أيوني سريع تحت المنطقة الشفقية، والغريب أن العلماء كانوا يعرفون هذا النوع من الانجرافات منذ عقود، لكنهم لم يكونوا يدركون أن له أثراً بصرياً يمكن رؤيته من الأرض، وصفت وكالة الفضاء الأوروبية ستيف بأنه "وحش مختلف" عن الشفق رغم أنه قد يظهر في الليالي نفسها التي ينشط فيها الشفق القطبي.
اللغز الحقيقي: لماذا يضيء ؟
هنا تبدأ العقدة العلمية الأهم، العلماء يعرفون الآن أن ستيف مرتبط بقناة ساخنة وسريعة من الجسيمات في الأيونوسفير، يعرفون سرعته التقريبية وحرارته وموضعه النسبي قرب مناطق الشفق، لكن السؤال الذي لا يزال مفتوحاً هو: لماذا يتحول ذلك كله إلى شريط بنفسجي مرئي ؟
مراجعة علمية منشورة عام 2023 في مجلة Frontiers in Astronomy and Space Sciences عدّدت الأسئلة المفتوحة حول ستيف والسياج الأخضر: لماذا يميل إلى الظهور في مواسم الاعتدال ؟ كيف تتحكم الرياح الشمسية والعواصف أو شبه العواصف المغناطيسية في ظهوره ؟ لماذا يبدو نادراً رغم أنه لا يحتاج دائماً إلى ظروف شديدة ؟ ما آلية اللون البنفسجي ؟ وما العلاقة الدقيقة بينه وبين السياج الأخضر ؟
بعبارة أبسط: العلم لا يقف أمام ستيف بلا أدوات، لكنه يقف أمام ظاهرة لم تُغلق ملفاتها بعد، هناك قياسات، ونماذج، وفرضيات، لكن الوصفة الكاملة التي تجعل السماء ترسم هذا الشريط البنفسجي لا تزال ناقصة.
السياج الأخضر: لغز داخل اللغز
أحياناً يظهر تحت ستيف صف أخضر رأسي يطلق عليه العلماء والهواة اسم Picket Fence، أي "سياج الأوتاد"، قد يبدو للعين وكأنه جزء من الظاهرة نفسها، لكنه ربما يكون آلية مختلفة أو مرحلة مختلفة من التفاعل بين الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي.
توضح ناسا أن هذا السياج الأخضر قد يتكون من نقاط أو خطوط ضوئية صغيرة وسريعة الحركة، تظهر في الصور كشرائط بسبب حركة الضوء وزمن التعريض في الكاميرات، كما تشير أبحاث حديثة إلى أن تفسيره أصعب مما كان متوقعاً؛ فقد يكون مرتبطاً بجسيمات إلكترونية، أو بمجالات كهربائية داخل الغلاف الجوي، أو باضطرابات دقيقة في البلازما.
بعض المشاهدات تُظهر ستيف بلا سياج أخضر، وأحياناً يظهر السياج الأخضر في لحظات يكون فيها الشريط البنفسجي قد تلاشى، لذلك لا يتعامل العلماء معهما كشيء واحد تماماً، بل كظاهرتين متداخلتين قد تنشآن من نظام فيزيائي واحد، لكن بآليات مختلفة.
ظاهرة قديمة باسم جديد
من المغري الاعتقاد أن ستيف ظاهرة جديدة ظهرت في عصر الكاميرات الرقمية، لكن الأرجح أنها كانت هناك منذ زمن طويل، الجديد هو أننا أصبحنا قادرين على تصويرها ومقارنتها وربطها ببيانات الأقمار الصناعية.
تشير دراسات عن الملاحظات التاريخية إلى أن أوصافاً قديمة لأقواس ضوئية قصيرة أو أشرطة سماوية منخفضة العرض ربما كانت حالات مبكرة لما نعرفه الآن باسم ستيف، كما ناقشت أبحاث حديثة ملاحظات تعود إلى القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لظواهر شبيهة بظهور ستيف عند خطوط عرض أدنى من مناطق الشفق التقليدية.
هذا يضيف بعداً مثيراً للقصة: ستيف لم يظهر فجأة، بل ربما كان يمر فوق رؤوس البشر منذ قرون، لكننا لم نكن نملك الاسم ولا الأدوات الكافية لتمييزه عن الشفق أو السحب أو "الأضواء الغريبة".
لماذا يهمنا ستيف ؟
قد يبدو ستيف مجرد منظر جميل في السماء، لكنه علمياً نافذة على منطقة شديدة الأهمية: الأيونوسفير والغلاف المغناطيسي للأرض. هذه المنطقة ليست بعيدة عن حياتنا اليومية كما نتصور؛ فهي تؤثر في الاتصالات اللاسلكية، والملاحة بالأقمار الصناعية، وسلوك الأقمار الصناعية في المدار، وفهم ما يسمى طقس الفضاء.
ناسا تشير إلى أن تتبع ستيف يساعد العلماء على فهم العمليات الكيميائية والفيزيائية في الفضاء القريب من الأرض، وهي عمليات قد ترتبط باضطرابات تؤثر في الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصال.
وهنا تكمن قيمة الظاهرة: ليست مجرد "ضوء غريب" بل علامة مرئية على تفاعلات خفية بين الشمس والأرض والمجال المغناطيسي والغلاف الجوي العلوي.
هل ستيف خطر ؟
لا توجد دلائل على أن ستيف نفسه يمثل خطراً مباشراً على الإنسان، من يراه من الأرض لا يتعرض لشيء غير طبيعي، لكن الظروف الفضائية التي ترافقه مثل النشاط الشمسي والعواصف المغناطيسية قد تكون مهمة تقنياً لأنها جزء من منظومة طقس الفضاء التي قد تؤثر في الاتصالات والملاحة والأقمار الصناعية.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع ستيف كـ "نذير كارثة" ولا كدليل على نشاط خارق بل كظاهرة طبيعية نادرة المظهر، معقدة التفسير، وتستحق المتابعة.
عندما اكتشف الهواة ما لم ينتبه إليه العلماء
من أجمل جوانب قصة ستيف أنها لم تبدأ في مختبر مغلق، بل بين هواة ومصورين يرفعون أعينهم إلى السماء، الصور التي التقطها مطاردو الشفق ومشاركاتهم في مجموعات الرصد وبياناتهم الزمنية والمكانية، كلها ساعدت العلماء على ملاحظة نمط لم يكن مصنفاً بوضوح.
تصف وكالة الفضاء الأوروبية ستيف بأنه مثال ممتاز على "العلم الشعبي" أو مساهمة المواطنين في الاكتشاف العلمي؛ فلولا صور الهواة وملاحظاتهم، ربما بقيت الظاهرة زمناً أطول ضمن خانة "أشياء غريبة تظهر أحياناً في صور الشفق".
يكمن سحر ستيف في أنه يذكرنا بأن المجهول ليس دائماً في أعماق المحيطات أو في أطراف الكون البعيدة، أحياناً يكون المجهول فوق رؤوسنا مباشرة ممتداً كشريط بنفسجي هادئ ينتظر من ينظر إليه طويلاً بما يكفي ليسأله: ما أنت ؟