من المفترض أن يكون الفضاء مكاناً نظيفاً، صامتاً، وقابلاً للتوقع ، هناك يفترض أن يرى رائد الفضاء الأرض، النجوم، انعكاسات الألواح الشمسية، وربما بقايا جليدية أو قطعاً صغيرة من الحطام العائم. هذا ما تقوله الفيزياء، وهذا ما تقوله كتيبات التدريب أيضاً.

لكن على امتداد عقود من الرحلات المدارية، ظهرت روايات أغرب بكثير من مجرد "حطام فضائي" ، أجسام نابضة تتحرك كما لو كانت "حية"، أضواء تتجمع في تشكيلات هندسية ثم تختفي، أصوات أو همسات مسموعة في ظروف يفترض أن يسودها الصمت، بل وحتى هياكل ظلية قيل إنها ظهرت في الفراغ قرب المركبات والمحطات المدارية.

هل كانت تلك مجرد أوهام بصرية ناتجة عن ظروف المدار القاسية ؟ أم أن بعض رواد الفضاء رأوا بالفعل أشياء لا تزال علوم الفضاء عاجزة عن تفسيرها بشكل يرضي ؟ 

نستعرض  أبرز "الأشياء المستحيلة" المنسوبة إلى مشاهدات في الفضاء مع محاولة التمييز بين الأسطورة والالتباس البصري، وما قد يبقى مفتوحاً على الغموض.

لماذا تؤخذ شهادات رواد الفضاء على محمل الجد ؟

بعكس شهود كثيرين في قضايا الظواهر الغامضة، فإن رواد الفضاء ليسوا أشخاصاً عاديين يحدقون في السماء من الشارع ، إنهم أفراد خضعوا لتدريب صارم وفحوص نفسية واختبارات تحمل وضغط، ويعملون وسط بيئة شديدة المراقبة، محاطة بالكاميرات وأجهزة القياس والحساسات ، وهذا لا يعني أنهم معصومون من الخطأ لكنه يعني أن شهاداتهم  حين تظهر لا يمكن تجاهلها بسهولة، خاصة عندما تتكرر أنماط متشابهة على فترات زمنية متباعدة، ومن أطقم مختلفة.

ومع ذلك، ينبغي الحذر أيضاً: فبيئة الفضاء نفسها قد تخلق ظروفاً فريدة جداً من الانعكاسات والتشوهات البصرية والشحنات الكهربائية والتداخلات الراديوية والتعب الذهني، ما يجعل أي "ظاهرة" هناك أكثر التباساً من أي مكان آخر.

1- "قناديل كونية" تتحرك قرب المركبات

من أكثر الصور الغريبة تداولاً في أدبيات الغموض الفضائي، روايات عن أجسام مضيئة تبدو كأن لها امتدادات أو خيوطاً ضوئية، وكأنها قناديل بحر Jellyfish شفافة تطفو في الفراغ.

 إحدى هذه المشاهدات منسوبة إلى طاقم مكوك كولومبيا عام 1996، حين قيل إن رواد الفضاء لاحظوا أجساماً مضيئة خارج نافذتهم "تنبض" وتتحرك كما لو كانت تتصرف بغاية، بل إن بعضها بدا وكأن له "مجسات" من الضوء تدفعه خلال المدار المنخفض حول الأرض ، كما أن رائد الفضاء الروسي يوري أوساتشوف التقط عام 2001 لقطات لأجسام بدت وكأنها تندمج، ثم تنفصل ثم تعود للنبض في أنماط متزامنة.

تبدو هذه المشاهدات مذهلة لكن المشكلة أن التفسير العلمي هنا لا يختفي تماماً ، فالكثير من اللقطات الشهيرة المصوفة على أنها "أجسام حية" قرب المركبات الفضائية، أمكن تفسيرها لاحقاً بأنها بلورات جليد، أو قطرات متجمدة، أو حبيبات حطام صغيرة تعكس الضوء بطريقة توهم بأنها "تتحكم" بحركتها، بينما تكون في الواقع قريبة من العدسة لا من المركبة ، لكن ما يجعل هذه الروايات تستمر هو أن بعض الشهود لم يصفوا الأجسام بأنها مجرد نقاط ضوء، بل كأشكال تتمدّد وتتقلص وترافق المركبة لفترة أطول من المتوقع.

وهنا يبدأ السؤال: هل نحن أمام سوء تقدير بصري فقط ؟ أم أن بعض الظواهر البلازمية في المدار ناجمة عن مشاهد أغرب بكثير مما اعتدنا رؤيته على الأرض ؟

2- النجوم الهامسة أو الإشارات التي بدت وكأنها كلام

من بين أكثر المزاعم غرابة مشاهدات "النجوم الهامسة" ، تقول الرواية إن أحد رواد الفضاء سمع عبر سماعته أنماطاً إيقاعية وهمسات على تردد يفترض أن يكون صامتاً أثناء مهمة صيانة خارجية للمحطة الدولية ، وتذهب الرواية أبعد من ذلك، إذ تزعم أن مثل هذه الإشارات تكررت في عدة مهمات بين 2009 و2017، وأنها بدأت على هيئة نبضات تتبع تسلسلات رياضية شبيهة بالأعداد الأولية، قبل أن تتحول إلى شيء يشبه "الهمس" أو الكلام المشوّه.

هذه الفكرة مغرية جداً لكل من يحب ألغاز الفضاء، لأنها تمس أكثر السيناريوهات إثارة: هل يمكن أن تكون هناك إشارات ذكية أو غير مفهومة تلتقطها الأنظمة البشرية في المدار ؟

لكن هنا أيضاً يجب الحذر ، فالتداخلات الراديوية في الفضاء ليست خيالاً. هناك ضجيج كهرومغناطيسي، وتشويش، وارتدادات إشارة، وتداخل بين الأنظمة، فضلاً عن أن الدماغ البشري نفسه بارع في تحويل الأنماط غير المكتملة إلى شيء "يشبه الكلام". وهي ظاهرة معروفة في علم النفس الإدراكي تشبه ما يحدث عندما يسمع الإنسان كلمات داخل ضجيج أبيض أو تسجيل مشوش.

ومع ذلك، تبقى الفكرة مقلقة: إذا كانت بعض هذه الإشارات قد سُمعت بالفعل على نحو متكرر أثناء السير الفضائي تحديداً، فلماذا في هذه اللحظات بالذات ؟ هل لأن الأجهزة الخارجية تكون أكثر عرضة للتداخل ؟ أم لأن الإنسان خارج المركبة يكون في أعلى درجات التوتر والانتباه، فيلتقط ما لا يلتقطه في الظروف العادية ؟

3-  المحطة الفضائية الشبحية

هي من القصص التي تبدو وكأنها مقتطعة من رواية خيال علمي، عن رصد هيكل ضخم شبه شفاف قرب المدار، وصفه بعضهم بأنه بدا بحجم محطة فضائية تقريباً ، إحدى هذه الروايات منسوبة إلى طاقم محطة “مير” عام 1991، حين أفاد بعض رواد الفضاء بأنهم شاهدوا على مسافة تقارب كيلومترين هيكلاً شفافاً أو ظلياً كبيراً بدا وكأنه "محطة أخرى" أو شيء يشبهها. 

علاوة على ظهور تقارير مشابهة لاحقة لدى أطقم أخرى بين منتصف التسعينيات وبداية الألفية، وأن الظاهرة ارتبطت أحياناً باضطرابات في الاتصالات أو شذوذات في الأجهزة.

إذا صحت هذه المزاعم، فهي من أكثرها إثارة للقلق ، لأن رؤية نقطة ضوء شيء، ورؤية هيكل كامل شيء آخر تماماً.

لكن التفسير الواقعي هنا قد يكون أقل درامية وأكثر إقناعاً: الفضاء بيئة مثالية لخلق انعكاسات شبحية بسبب الزجاج متعدد الطبقات، والأسطح العاكسة، والضوء الشمسي الحاد، وانكسار المشهد بين الداخل والخارج. كما أن مراقبة أجسام بعيدة في الخلفية المظلمة للفضاء قد تجعل الحجم والمسافة خادعين للغاية.

ومع ذلك، فإن هذا النوع من الروايات يظل صامداً في الذاكرة الجماعية لسبب بسيط: فكرة أن يرى الإنسان، وحيداً فوق الأرض، بنية أخرى "هناك" لا يفترض أن تكون موجودة أصلاً… فكرة مرعبة بما يكفي لتعيش طويلًا، حتى لو كان أصلها مجرد خداع بصري معقد.

4- عناكب الفضاء والشبكات التي ظهرت على المحطة

من أكثر المقاطع غرابة ما أُطلق عليه اسم "عناكب الفضاء" ، تذكر المرويات أن رواداً كانوا يجرون أعمال صيانة خارجية على الجزء الروسي من المحطة الدولية عام 2011 لاحظوا تراكيب خيطية شبيهة بالشبكات على مقابض ومعدات خارجية، رغم أنها لم تكن موجودة — وفق السرد — قبل أيام قليلة فقط.

وتضيف الرواية أن هذه "الشبكات" كانت تتمدد وتنثني، بل ويُفترض أن عينات أُعيدت منها أظهرت مركبات سيليكون مع آثار كربون مرتبة في أنماط لا تشبه عمليات التبلور المعتادة، مع مزاعم أكثر غرابة تقول إنها بدت وكأنها "تصلح نفسها" بعد أضرار دقيقة سببها اصطدام غبار مجهري أو شظايا دقيقة ، هذا النوع من القصص يلامس مباشرة فكرة الحياة غير المعروفة أو البنية شبه الحية في الفضاء، ولهذا ينتشر بسرعة.

لكن حتى هنا، توجد بدائل تفسيرية أقل إثارة ، فالمحطات الفضائية تتعرض لظروف قاسية جداً: تجمد، تسخين، إشعاع، تفريغ كهربائي، بقايا عوادم، جزيئات متطايرة، نمو ترسبات دقيقة على الأسطح. وقد تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تشكل طبقات أو خيوط دقيقة تبدو "عضوية" رغم أنها ليست كذلك.

ومع ذلك، تظل هذه الفئة من الروايات من أكثرها إثارة للرعب النفسي ، ففكرة أن تخرج لإصلاح المحطة ثم تجد على سطحها بنية لم تكن هناك قبل أيام… ليست مجرد قصة غامضة، بل سيناريو كابوسي حقيقي لأي رائد فضاء.

5- عناقيد ضوء هندسية فوق المحيط

وردت رواية عن عنقود أضواء شوهد من المدار فوق جنوب المحيط الهادئ عام 2005 ، لم تكن الأضواء عشوائية كأضواء المدن أو سفن الصيد، بل رتبت نفسها في أشكال هندسية واضحة: مثلثات، مربعات، ودوائر قبل أن تتفرق، واستمرت الظاهرة نحو 76 ثانية.

بينما يرجع تفسير رسمي لاحقاً المشهد إلى قوارب صيد تستخدم أضواء قوية لجذب الحبار، لكن أصحاب الرواية يرون أن نمط الحركة بدا أسرع وأكثر تنسيقاً من أن يكون صادراً عن سفن متباعدة في البحر.

هذه الحكاية من النوع الذي يضع القارئ بين احتمالين كلاهما محرج: إما أن المشهد كان ظاهرة بشرية عادية شوهدت من زاوية غير مألوفة، أو أن هناك شيئاً غير مفهوم ظهر في الأسفل بينما كان الشهود يراقبونه من الأعلى.

والحقيقة أن مراقبة الأضواء من المدار قد تكون مضللة جداً ، فالمسافات الهائلة وانعدام المرجع البصري وسرعة المحطة نفسها، قد تجعل أي مجموعة أضواء تبدو وكأنها ترسم تشكيلات ذكية بينما تكون مجرد مصادر أرضية منفصلة.

لكن هذا لا يمنع أن بعض هذه المشاهدات تبقى عصية على الإغلاق الكامل، خاصة عندما يصر الشهود على أن الحركة نفسها هي ما كان غير طبيعي، لا مجرد شكل الأضواء.

هل هناك سجل رسمي لهذه "الأشياء المستحيلة" ؟

ليس كل ما يتم تداوله تحت عنوان "أسرار رواد الفضاء"  موثقاً بالطريقة التي توحي بها المقالات التشويقية ، فالكثير من هذه القصص يعيش في المنطقة الرمادية بين شهادات منسوبة لرواد أو تقنيين دون توثيق مباشر متاح للعامة، إعادة صياغة قديمة لقصص منتديات ومواد تلفزيونية، وسوء فهم لمشاهدات حقيقية لكنها قابلة للتفسير.

بمعنى آخر:

هناك فرق بين "رائد فضاء رأى شيئاً غريباً" وبين " ناسا أكدت وجود شيء غير بشري أو غير مفهوم".

الأولى حدثت مراراً أما الثانية فلا يوجد حتى الآن ما يثبتها بشكل صريح.

وهذا لا يقتل الغموض، بل يجعله أكثر إثارة ، لأن ما يبقى بعد إزالة المبالغات ليس "لا شيء"… بل مجموعة من الالتباسات الحقيقية التي ما زالت تُظهر لنا أن الفضاء ليس بيئة مفهومة بالكامل كما نحب أن نتخيل.

بين العلم… والرعب الكوني

ربما كان كثير من هذه "الأشياء المستحيلة" مجرد بلورات جليد، انعكاسات، تشويش، أو سوء تقدير بصري ، وربما سيأتي يوم نفسر فيه حتى أكثر القصص غرابة ببرودة علمية كاملة ، لكن حتى ذلك الحين يبقى شيء واحد مثيراً للتأمل: أن أكثر البشر تدريباً وانضباطاً، وهم يطفون فوق الأرض، قد خرج بعضهم بانطباع واحد مشترك: أن الفضاء ليس دائماً ذلك المكان الصامت والواضح الذي نظنه.

وربما لهذا السبب تحديداً، تبقى بعض القصص القادمة من المدار مخيفة أكثر من أي قصة أرضية ، لأننا حين نسمع عن شيء غامض في بيت مهجور، نستطيع أن نغلق الباب ونغادر ، أما في الفضاء… فلا يوجد باب نغلقه على المجهول.