حين يرى المحتضرون الراحلين أم هل هي هلاوس أم آخر أسرار الوعي ؟

قبل ساعات أو أيام من رحيل بعض الناس، يحدث أمر غريب يتكرر في مستشفيات العالم وغرف الرعاية التلطيفية، فبينما يتوقع الأطباء أن يزداد المريض اضطراباً أو خوفاً، يبتسم فجأة، وينظر إلى زاوية من الغرفة، ثم يقول بهدوء: "أمي هنا... جاءت لتأخذني."

وربما تهمس امرأة تحتضر: " لا تبكوا... أبي يقول إن الطريق جميل."

أما طفل يحتضر بسبب مرض عضال، فقد يشير إلى السقف قائلاً: "انظروا... إنهم ينتظرونني."

وبعد ساعات أو أيام قليلة، يرحل.

هذه المشاهد لا تنتمي إلى روايات الرعب أو القصص الشعبية، بل هي شهادات وثقتها أسر المرضى وأطباء الرعاية التلطيفية في دول عديدة وقد أصبحت معروفة في الأدبيات الطبية باسم رؤى وأحلام نهاية الحياة End-of-Life Dreams and Visions أو اختصاراً   ELDVs 

ما هي رؤى وأحلام نهاية الحياة ؟

هي أحلام أو رؤى أو تجارب بصرية وسمعية يعيشها بعض الأشخاص في الأيام أو الساعات الأخيرة قبل الوفاة، وغالباً ما تتميز بأنها شديدة الوضوح وتحمل معنى عاطفياً عميقاً للمحتضر، حتى إنه يصفها بأنها "أكثر واقعية من أي حلم عرفه في حياته".

ورغم اختلاف الثقافات والديانات، فإن مضمون هذه الرؤى يتشابه بصورة لافتة، ففي معظم الحالات لا يرى المحتضر مناظر مرعبة أو كائنات غامضة بل يرى أشخاصاً أحبهم وفقدهم منذ سنوات: أماً، أو أباً، أو زوجاً، أو صديقاً، أو طفلاً رحل قبله ، وكثيراً ما يشعر بعد تلك الرؤى براحة وسكينة لم يعرفهما منذ بداية مرضه.

عندما بدأ الطب ينصت

ظل الأطباء لسنوات طويلة يفسرون هذه التجارب بأنها نتيجة للأدوية أو اضطرابات الدماغ مع اقتراب الوفاة، لكن مع تكرار القصص بدأ بعض الباحثين يتساءلون: ماذا لو كانت هذه الظاهرة تستحق الدراسة بدلاً من التجاهل ؟

كان من أبرزهم الطبيب الأمريكي كريستوفر كير Christopher Kerr الذي وثق على مدى سنوات طويلة تجارب أكثر من ألف مريض في وحدات الرعاية التلطيفية، وقد لاحظ أن نسبة كبيرة منهم كانت تمر بأحلام أو رؤى تحمل نمطاً متشابهاً وأن هذه التجارب كانت تخفف بصورة ملحوظة من خوفهم وقلقهم تجاه الموت ، وقد دفعته هذه النتائج إلى نشر كتابه الشهير "الموت ليس إلا حلماً" Death Is But a Dream الذي أعاد فتح باب النقاش العلمي حول هذه الظاهرة.

ملامح تتكرر بصورة مدهشة

عند مقارنة مئات الشهادات، ظهرت عناصر مشتركة يصعب تجاهلها:

- رؤية أقارب أو أصدقاء متوفين.

- شعور بأن أحدهم جاء "ليصطحبهم".

- الحديث عن مكان جميل أو عن "العودة إلى البيت".

- رؤية حدائق أو نور هادئ أو أطفال راحلين.

- إحساس عميق بالطمأنينة بعد الرؤية.

واللافت أن الشخص الذي يظهر في هذه الرؤى يكون غالباً من أكثر الأشخاص قرباً إلى قلب المحتضر، وليس بالضرورة شخصية دينية أو رمزاً مقدساً.

كيف يفسرها العلم ؟

لا يوجد حتى اليوم تفسير علمي حاسم ، فالبعض يرجعها إلى تغيرات تحدث في الدماغ مع اقتراب الموت أو إلى تأثير الأدوية أو إلى اضطرابات كيميائية ناتجة عن المرض ، لكن هذه التفسيرات لا تفسر جميع الحالات، خاصة عندما يكون المريض في كامل وعيه، أو عندما تتكرر الرؤى نفسها لدى أشخاص من ثقافات مختلفة لم تجمعهم أي خلفية مشتركة.

لهذا السبب، أصبح كثير من أطباء الرعاية التلطيفية يتعاملون مع هذه التجارب باحترام، حتى وإن لم يستطيعوا تفسيرها بصورة قاطعة.

بين العلم والماورائيات

بالنسبة للمهتمين بالماورائيات، تفتح هذه الظاهرة باباً واسعاً للأسئلة.

هل يرى المحتضر بالفعل أحباءه الراحلين ؟ هل يبدأ الوعي بإدراك واقع لا يستطيع الأحياء الوصول إليه ؟ أم أن الدماغ، في لحظاته الأخيرة، يستدعي أكثر الذكريات دفئاً ليخفف عن الإنسان رهبة الرحيل ؟

حتى الآن، لا يملك أحد إجابة نهائية ، لكن المدهش أن النتيجة تكاد تكون واحدة في معظم الشهادات: فبدلاً من الذعر، يشعر المحتضر بالسلام.

أكثر من مجرد لغز

ربما لن نستطيع يوماً أن نثبت ما إذا كانت رؤى وأحلام نهاية الحياة نافذة على عالم آخر، أم أنها آخر ما يبدعه العقل الإنساني قبل أن يطوي صفحته الأخيرة ، لكن قيمتها لا تكمن في تفسيرها وحده ، فقبل الرحيل بقليل وبين أجهزة المستشفى وصمت الغرف البيضاء، يجد كثير من الناس عزاءً في رؤية وجه أحبوه يوماً، أو في سماع صوت افتقدوه سنوات طويلة، وكأن أكثر ما يحتاجه الإنسان في لحظاته الأخيرة ليس معرفة ما ينتظره بعد الموت، بل أن يشعر بأنه لن يعبر هذا الطريق وحيداً.

ولعل هذا هو السر الذي جعل هذه الظاهرة تترك أثراً عميقاً في نفوس الأطباء وأسر المرضى على حد سواء، فمهما اختلفت التفسيرات يبقى المعنى واحداً: أن الحب قد يكون آخر ما يحتفظ به الإنسان... وربما أول ما يلقاه وهو يودع هذه الحياة.