في تاريخ الظواهر الغامضة هناك حكايات تبدو كأنها ولدت لكي تبقى معلقة بين عالمين: لا يستطيع المؤمنون بالماورائيات أن يتخلوا عنها، ولا يستطيع المتشككون أن يطردوها تماماً من سجل الغرائب،  من بين هذه الحكايات تبرز قصة الفتاة الكندية "استر كوكس" Esther Cox، التي عُرفت في أواخر القرن التاسع عشر باسم "لغز أمهرست العظيم"  The Great Amherst Mystery.

كانت إستر فتاة ريفية فقيرة من مقاطعة نوفا سكوشيا في كندا، لم تكن تملك علماً ولا مكانة اجتماعية ولا مالاً،  ومع ذلك تحولت فجأة إلى مركز واحدة من أشهر قضايا ما يسمى بظاهرة الأشباح الضاجة (بولترجايست) Poltergeist في أمريكا الشمالية.أصوات طرق في الجدران، أثاث يتحرك وحده، أعواد ثقاب مشتعلة تسقط من السقف، رسائل مخيفة مكتوبة على الحائط، وأجساد ترتجف وتنتفخ كأن قوة لا تُرى تعبث بها من الداخل.

لكن السؤال الذي بقي بعد موتها هو: هل كانت إستر كوكس ضحية قوة شريرة حقاً ؟ أم فتاة مضطربة صنعت حولها واحدة من أبرع الخدع في تاريخ البيوت المسكونة ؟ أم أن الحقيقة تقع في منطقة رمادية بين الصدمة النفسية والخرافة والبيئة الاجتماعية القاسية ؟

طفولة عادية قبل العاصفة

ولدت استر كوكس في 28 مارس 1860 في منطقة  ستوياكي العليا Upper Stewiacke في نوفا سكوشا،  كانت أصغر أبناء عائلة ريفية تعمل بالزراعة، ونشأت في بيئة بسيطة لا تعرف الرفاهية،  لم تكن حياتها المبكرة توحي بأنها ستصبح لاحقاً اسماً يتردد في الصحف والكتب بوصفها "الفتاة التي سكنتها الأرواح".

في شبابها، انتقلت إستر للعيش مع أختها الكبرى أوليف وزوجها دانييل تيد في بلدة Amherst ، كان البيت صغيراً ومزدحماً يعيش فيه عدد من أفراد العائلة في مساحة محدودة، وهو ما سيصبح لاحقاً مسرحاً لأحداث غريبة زعم شهود كثيرون أنهم رأوها وسمعوها بأعينهم وآذانهم.

كانت إستر في الثامنة عشرة تقريباً حين وقع الحدث الذي ستربط به أغلب الروايات بداية الكارثة، خرجت ذات يوم مع شاب محلي اسمه بوب ماكنيل Bob MacNeil  ثم أخذت الرحلة منحى مرعباً. 

تقول الروايات إنه حاول الاعتداء عليها أو أرهبها بعنف وفي بعض الصيغ قيل إنه هددها بمسدس، نجت إستر من الموقف لكنها عادت إلى البيت وهي تحمل خوفاً عميقاً لم يكن من السهل أن تبوح به أو تفهمه في مجتمع ذلك الزمن.

بعد هذه الحادثة بدأت الأشياء تتغير.

الطرقات الأولى

في البداية لم يكن ما حدث صاخباً، أصوات خفيفة في الليل، حركات لا تجد لها العائلة مصدراً، شعور بأن شيئاً ما يتحرك في البيت ولا يريد أن يُرى،  كانت إستر تشارك الغرفة مع أختها جيني ، وفي إحدى الليالي سمعتا ما يشبه حركة فأر تحت الفراش أو داخل صندوق محفوظ أسفل السرير. بحثتا فلم تجدا شيئاً.

لكن الحوادث لم تتوقف، بعد أيام، قيل إن صندوقاً كان تحت السرير تحرك وحده، ثم قفز أو انقلب أمام الفتاتين،  وفي ليلة أخرى تحولت الأصوات الخافتة إلى ضجة مفزعة وصارت الطرقات تأتي من الجدران والأرض والسقف كأن مطارق غير مرئية تضرب البيت من الداخل.

كانت العائلة تسمع دقاً متواصلاً، أحياناً لساعات، وحين حاولوا تحديد مصدره بدا كأنه ينتقل من مكان إلى آخر،  ثم بدأت الظاهرة تتصرف كأنها تملك وعياً: إذا طُرح عليها سؤال، أجابت بالطرق، طرقة واحدة تعني "نعم"، وطرقتان تعني "لا"، لم يعد الأمر مجرد صوت مجهول، بل "حضور" يرد ويتواصل ويستفز ، وهنا دخلت القصة منطقة أكثر رعباً.

الكلمات التي خرجت من الجدار

مع تصاعد الظواهر، لم تعد الطرقات وحدها هي وسيلة الاتصال، بدأت تظهر كلمات وعبارات على الجدران وكأن يداً لا تُرى تخدش الجص أو تكتب عليه، بعضها كان بذيئاً وبعضها كان تهديدياً على نحو صادم.

أشهر عبارة ارتبطت بالقضية كانت: 

Esther Cox, you are mine to kill

أي: " إستر كوكس، أنتِ لي لأقتلك".

هذه العبارة وحدها كانت كافية لتحويل البيت من مكان عائلي فقير إلى مسرح رعب حقيقي، لم تعد العائلة أمام أصوات مجهولة، بل أمام كيان يبدو وكأنه يعلن امتلاكه للفتاة، ويتوعدها بالموت.

كانت إستر تؤكد أنها تشعر بمن يطاردها، خصوصاً حين تنزل إلى القبو لأداء الأعمال المنزلية، لم تكن ترى شيئاً لكنها تشعر بحضور خلفها، قريب بما يكفي ليثير القشعريرة في جسدها. 

وفي عالم القرن التاسع عشر، حيث كان الإيمان بالأرواح والجن والشياطين لا يزال حياً في المخيلة الشعبية، لم يكن صعباً أن تتحول هذه المشاعر إلى تفسير واحد: هناك شيء شرير يلاحق الفتاة.

جسد ينتفخ كالبالون

ما جعل قضية إستر أكثر غرابة من كثير من قصص البيوت المسكونة أن الظواهر لم تقتصر على البيت، بل امتدت إلى جسدها نفسه.

كانت تصاب بنوبات مفاجئة ينتفخ فيها جسدها على نحو مرعب، حتى يخشى من حولها أن تختنق أو تنفجر،  كان وجهها يحمرّ، جلدها يصبح ساخناً جداً، وأطرافها تنتفض بلا سيطرة، في إحدى الليالي صرخت قائلة إنها تموت فركضت العائلة إلى الغرفة وهناك وجدوا جسدها منتفخاً وبشرتها مشدودة ولامعة في ضوء المصباح.

قالت أختها جيني لاحقاً أنها فقدت السيطرة على نفسها، كان تنفسها صعباً، وجسدها متوتراً، وحرارة جلدها غير طبيعية، حاولت العائلة تثبيتها وإعادتها إلى الفراش، ثم دوّى في البيت صوت عظيم، تبعته أصوات أخرى ، وبعد دقائق عاد جسد إستر إلى طبيعته كما لو أن شيئاً خرج منها فجأة أو أُجبر على الانسحاب.

تكررت هذه النوبات أكثر من مرة، فاستدعت الأسرة الطبيب المحلي الطبيب كاريت Dr. Carritte ، جاء الطبيب وهو يحمل أدوات الطب لا أدوات طرد الأرواح، لكنه وجد نفسه أمام حالة لا تنسجم بسهولة مع التشخيص العادي.

في الروايات، قيل إنه شاهد وسادة تتحرك تحت رأس إستر وسمع خدشاً في الجدار بلا مصدر، بل ورأى كلمات تهديدية تظهر كما لو أن شيئاً غير مرئي يكتبها أمام عينيه.

وبحسب القصة، لم يسلم الطبيب نفسه من الهجوم، فقد قيل إن قطعة من الجدار انفصلت وقُذفت نحوه، وأنه في زيارة أخرى شاهد حبات بطاطا تُرمى في الغرفة بقوة غير مرئية، كان رجلاً متعلماً لكنه خرج من البيت مقتنعاً على الأقل في الرواية الشعبية، بأن ما يحدث أكبر من قدرته كطبيب.

النار التي هددت البيت

كلما مر الوقت أصبحت الظواهر أكثر عدوانية، لم تعد مجرد أصوات وكتابات، بل أخذت تهدد حياة الناس وممتلكاتهم، قيل إن الكيان الغامض أعلن نيته إحراق بيت عائلة تيد، ثم بدأت أعواد ثقاب مشتعلة تسقط من السقف، وظهرت نيران صغيرة في أماكن مختلفة من المنزل.

كان يتم إخماد الحرائق قبل تحولها إلى كارثة، لكنها بثت رعباً حقيقياً في البيت، فالطرقات يمكن احتمالها والكتابات يمكن محوها لكن النار شيء آخر، إنها لا تهدد الخيال فقط، بل تهدد السقف والجدران والأطفال النائمين وكل من يعيش في المكان.

ولأن إستر كانت محور كل شيء، بدأ بعض أفراد الأسرة والجيران يعتقدون أن الكارثة تتبعها أينما ذهبت، حين تمرض تخف الظواهر أو تتوقف، وحين تنتقل إلى مكان جديد تهدأ الأمور لفترة ثم تعود،  وكأن القوة المجهولة لا تريد البيت بحد ذاته، بل تريد الفتاة.

الضربات والدبابيس والسكين

استمرت الهجمات على إستر بطرق أكثر قسوة،  قيل إن الموجودين حولها كانوا يسمعون صوت صفعة مفاجئة، فيلتفت رأسها بعنف إلى جانب، وبعد ثوان يظهر أثر يد حمراء على خدها، وقيل إن دبابيس وإبراً كانت تظهر من لا مكان وتنغرس في وجهها أو جسدها، أمام شهود لا يعرفون من أين جاءت.

وفي حادثة أشد خطورة، كان صبي من الجيران يحمل سكين جيب، وفجأة طارت السكين من يده وطعنت إستر في ظهرها، دافع الشهود عن الصبي، مؤكدين أنه بدا مذعوراً ومندهشاً مثلهم، وأنه لم يكن هو من فعل ذلك بإرادته.

بالنسبة للمؤمنين بالقصة، كانت هذه الحوادث دليلاً على أن إستر ضحية كيان حاقد يتعمد إيذاءها، أما المتشككون فرأوا فيها فرصة للتساؤل: هل كانت إستر تختلق بعض هذه الحوادث ؟ هل كان معها من يساعدها ؟ أم أن الرعب الجماعي جعل الشهود يرون أكثر مما حدث فعلاً ؟

الكنيسة لا تمنحها الأمان

حاولت إستر أن تجد ملاذاً في الدين، ذهبت إلى الكنيسة ظناً منها أن المكان المقدس قد يبعد عنها ما يطاردها،  لكنها بحسب الروايات لم تجد السلام هناك أيضاً، ما إن جلست في المقعد حتى امتلأ المكان بأصوات طرق عالية، تلفّت المصلون في ذهول، لكن الصوت لم يكن له مصدر واضح.

كانت هذه اللحظة مهمة في بناء الأسطورة، فلو كان الكيان شريراً فحتى الكنيسة لم تمنعه من اللحاق بها، ولو كانت القصة خدعة فإن نقلها إلى مكان عام أمام الناس زادها تعقيداً،  في الحالتين كبرت شهرة إستر وبدأت الصحف والجيران والفضوليون يتحدثون عن الفتاة المسكونة في أمهرست.

ولتر هابل  يدخل القصة

مع انتشار الأخبار وصل إلى أمهرست رجل سيجعل قصة إستر خالدة في الكتب، كان ولتر هابل Walter Hubbell ممثلاً وكاتباً وله معرفة بعالم المسرح والحيل البصرية ولذلك قدّم نفسه كمن يستطيع كشف الخداع إن كان هناك خداع.

جاء هابل إلى البيت وهو يميل إلى الشك ، لكنه قال لاحقاً إنه شاهد من الظواهر ما جعله يؤمن بأن ما يحدث حقيقي، عاش فترة مع العائلة أو قريباً منها، ودوّن ما رآه وسمعه، ثم نشر عام 1879 كتاباً بعنوان The Haunted House: A True Ghost Story، الذي أصبح المصدر الأشهر لقضية إستر كوكس، وفي طبعات لاحقة عُرفت القصة أكثر باسم The Great Amherst Mystery.

لكن وجود هابل  يفتح باباً آخر للشك،  فهو لم يكن مجرد شاهد محايد بل كاتب وممثل يعرف قيمة القصة المثيرة، وقد حاول لاحقاً تنظيم جولات أو عروض مرتبطة بإستر لكنها لم تنجح كما توقع، بعض الجمهور كان عدائياً وبعضهم رأى في الأمر استغلالاً لمأساة فتاة فقيرة أو دليلاً على أن وراء القصة رغبة في المال والشهرة.

ومع ذلك، زعم هابل أن عدداً من الشهود وقّعوا إفادات تؤكد صحة ما ورد في كتابه، ومن بين هؤلاء أفراد من العائلة وجيران، وشخصيات محلية إضافة إلى الطبيب كاريت الذي ظل مقتنعاً بأن ما تعرضت له إستر لم يكن مجرد تمثيل.

المجتمع ينقسم : ضحية أم مخادعة ؟

لم تكن إستر محبوبة من الجميع، في نظر المتعاطفين معها كانت فتاة مسكينة تعرضت لصدمة، ثم أصبحت هدفاً لقوة غامضة لا تملك الهرب منها، كانوا يرون أن اتهامها بالخداع ظلم مضاعف، لأنها عانت جسدياً ونفسياً واجتماعياً.

أما خصومها، فرأوا فيها فتاة بارعة في التلاعب، قالوا إنها اكتشفت أن الناس يصدقون ما يحدث حولها فاستمرت في اللعبة، بعضهم وصفها كأنها "ساحرة" قادرة على التأثير في إدراك من حولها، تجعلهم يرون ما تريد لهم أن يروه. وذهب آخرون إلى أنها كانت تبحث عن المال أو الشهرة، وأنها توقفت حين أدركت أن الشهرة لن تجلب لها الثروة.

لكن هذا الاتهام يواجه سؤالاً صعباً: كيف استطاعت فتاة ريفية محدودة التعليم أن تخدع عائلة كاملة، وجيراناً، وزواراً، وطبيباً، وصحفاً، طوال شهور ؟  وكيف استطاعت أن تجعل أشياء تتحرك، ورسائل تظهر، وحرائق تندلع، ودبابيس تنغرس في جسدها، من دون أن يُضبط عليها دليل حاسم ؟

السؤال نفسه لا يثبت أن الظاهرة خارقة، لكنه يفسر لماذا بقيت القضية عصية على الحسم.

السجن ونهاية الظواهر

بعد أشهر من الاضطراب، غادرت إستر بيت عائلة تيد وانتقلت بين أماكن مختلفة،  وفي مرحلة لاحقة، كانت تعيش أو تعمل في بيت رجل آخر حين وقع حريق في حظيرة. اتُّهمت إستر بإشعال النار، وحُكم عليها بالسجن أربعة أشهر.

قالت هي إن الكيان الذي يطاردها هو الذي أشعل الحريق، وإنها لم تكن سوى أداة بريئة في لعبة لا تفهمها، لكن المحكمة لم تأخذ بتفسير الأرواح ، ومع ذلك تعاطف بعض الناس معها وقدّموا التماسات لتخفيف الحكم، فأُطلق سراحها بعد أن قضت شهراً واحداً فقط خلف القضبان.

وهنا تقع إحدى أكثر نقاط القصة إثارة: بعد خروج إستر من السجن، توقفت الظواهر، لا مزيد من طرقات الجدران، لا رسائل تهديد، لا حرائق غامضة، لا انتفاخات جسدية مرعبة، كأن اللغز انطفأ فجأة.

ظهرت شائعة لاحقة تقول إن معالجاً روحياً من شعب ميكماق Mi’kmaq وهم من السكان الأصليين في كندا زار إستر أثناء سجنها، وأنه هو من طرد الروح الشريرة التي كانت تلاحقها، لكن هذه الرواية بقيت في منطقة الفولكلور أكثر من كونها حقيقة موثقة، بالنسبة للبعض كانت زيارة هذا "الشامان" هي الخاتمة الروحية المناسبة للقصة،  أما للمتشككين فتوقف الظواهر بعد السجن كان دليلاً على أن إستر فهمت أخيراً أن اللعبة أصبحت خطرة، فتوقفت.

ما بعد الرعب

بعد انتهاء القضية، حاولت إستر أن تعيش حياة عادية، تزوجت لاحقاً وانتقلت في نهاية المطاف إلى الولايات المتحدة واستقرت في ولاية ماساتشوستس، هناك عاشت بعيداً عن شهرة أمهرست ويقال إن كثيرين ممن عرفوها في سنواتها الأخيرة لم يكونوا يعلمون أنها كانت يوماً ما بطلة إحدى أشهر قصص الأشباح في كندا.

توفيت إستر كوكس في 8 نوفمبر 1912 في مدينة بروكتون Brockton بولاية ماساتشوستس، عن عمر اثنين وخمسين عاماً، رحلت ومعها سرها الأكبر: هل كانت مسكونة حقاً ؟ أم مصابة باضطراب نفسي عميق ؟ أم أنها اختلقت كل شيء ؟ لم تترك اعترافاً نهائياً، ولم تقدم تفسيراً يطوي الملف.

كيف فسر الباحثون القضية ؟

تعددت التفسيرات منذ ذلك الوقت، المؤمنون بالماورائيات رأوا في القضية مثالاً كلاسيكياً على نشاط ظاهرىة الأشباح الضاجة (بولترجايست)  Poltergeist، أي "الروح المزعجة" التي ترتبط غالباً بالمراهقين أو الأشخاص الواقعين تحت ضغط نفسي شديد، وتظهر حولهم في شكل طرقات، حركات أشياء، أصوات، وحرائق صغيرة.

في المقابل، رأى المتشككون أن القصة تضخمت عبر الصحف وكتاب هابل وأن كثيراً من الشهادات جاءت بعد انتشار الشهرة ،لا قبلها. كما أن معظم التفاصيل وصلتنا من مصادر متحمسة أو منحازة وليست من تحقيق علمي مضبوط بالمعنى الحديث.

هناك أيضاً تفسير نفسي أكثر حساسية: ربما كانت إستر فتاة تعرضت لصدمة، تعيش في بيت مزدحم، وسط ضغوط اجتماعية وشخصية لا تستطيع التعبير عنها. 

في القرن التاسع عشر، لم يكن الحديث عن الاعتداء والصدمة النفسية والاضطرابات التفارقية شائعاً كما هو اليوم، لذلك قد يكون جسد إستر وبيئتها قد تحولا إلى مسرح رمزي لألم لا تستطيع قوله بالكلمات.

بعض الباحثين في الظواهر النفسية اقترحوا تفسيراً وسطاً: أن إستر ربما كانت مسؤولة عن بعض الظواهر، لكن من دون وعي كامل، في حالة تشبه الانفصال النفسي أو الشخصية الثانية. 

هذا التفسير لا يثبت وجود الأشباح لكنه لا يحول الفتاة ببساطة إلى محتالة شريرة، إنه يراها كإنسانة مجروحة، خرج ألمها بطريقة غامضة ومدمرة.

لماذا بقي لغز إستر كوكس حياً ؟

قصة إستر كوكس لا تعيش فقط بسبب الأشباح، لو كانت مجرد طرقات في الجدران لنُسيت مثل مئات القصص الشعبية، ما يجعلها باقية هو اجتماع عناصر كثيرة في حكاية واحدة: فتاة شابة، صدمة أولى، بيت مزدحم، مجتمع متدين ومتشدد، صحف جائعة للإثارة، كاتب مسرحي يعرف كيف يصنع من الوقائع قصة، وأحداث يصعب التحقق منها بعد مرور الزمن.

إنها قصة عن البيت المسكون، لكنها أيضاً قصة عن الجسد المسكون بالخوف،  قصة عن الأرواح لكنها كذلك عن المجتمع حين يعجز عن سماع صوت فتاة فيترجم ألمها إلى شيطان،  وقصة عن الخداع المحتمل، لكنها تذكّرنا بأن الاتهام بالخداع أحياناً يكون أسهل من مواجهة جرح إنساني عميق.

لهذا بقيت إستر كوكس على الحافة: ليست قديسة ولا ساحرة، ليست دليلاً قاطعاً على الأشباح ولا خدعة مثبتة بالكامل، إنها واحدة من تلك الشخصيات الغامضة التي تفتح الباب ولا تغلقه، تترك القارئ أمام السؤال نفسه الذي حيّر أهل أمهرست قبل أكثر من قرن:

هل كانت الجدران تكتب فعلاً ؟ 

أم أن أحداً لم يكن يريد أن يقرأ ما كان مكتوباً داخل روح إستر نفسها ؟