في لحظات التوتر القصوى، حين تبلغ الحروب ذروتها ويعجز المنطق أحياناً عن تقديم إجابات مقنعة، يعود الإنسان إلى أقدم مخزونه الثقافي: الغيب، السحر، والقوى غير المرئية، ومن هنا، لم تكن مزاعم استخدام "السحر" أو "الجن" في الحروب مجرد قصص هامشية، بل ظاهرة متكررة عبر التاريخ، تتخذ أشكالاً مختلفة تبعاً للزمان والمكان.
ممارسات السحر في الحروب القديمة
منذ أقدم الحضارات، لم تكن الحرب تُخاض بالسيوف وحدها، بل أيضاً بالتعاويذ والطقوس:
- في مصر القديمة وبلاد الرافدين، كان الكهنة يؤدون طقوساً قبل المعارك، يطلبون فيها الحماية من الآلهة أو اللعنات على الأعداء. وقد تم العثور على ألواح طينية تتضمن نصوصاً أشبه بـ "تعويذات حرب" تهدف إلى إضعاف الخصم نفسياً وروحياً.
- أما في أوروبا العصور الوسطى، فقد كان الإيمان بالسحر جزءاً من الواقع اليومي. لم يكن غريباً أن يُستدعى "ساحر البلاط" لتفسير نذير أو التنبؤ بنتيجة معركة، بل إن بعض القادة كانوا يعتقدون أن النصر قد يكون محسوماً في عالم غير مرئي قبل أن يبدأ القتال الفعلي.
- وفي الثقافات الشامانية في آسيا وإفريقيا، لعب "الشامان" دور الوسيط بين المحاربين والعالم الروحي، حيث كانوا يعتقدون بأن الشامان (الساحر الكاهن) قادر على استدعاء الأرواح لحماية القبيلة أو إلحاق الضرر بالأعداء.
الطلاسم والتعاويذ: أسلحة غير مرئية
لم تكن الطلاسم مجرد رموز، بل كانت أدوات ذات تأثير فعلي:
ففي التراث الإسلامي، عُرفت "الأوفاق" وعلوم الحرف (حساب الجمل والمربعات السحرية) ، حيث تُستخدم مربعات رقمية وحروفية لأغراض الحماية أو التأثير. وفي التصوف اليهودي (الكابالا)، استُخدمت أسماء مقدسة وتركيبات حروفية يُعتقد أنها تحمل قوى خفية. وفي أوروبا، انتشرت "الجراموار" (كتب السحر) التي تحتوي على طقوس لاستدعاء كيانات غير مرئية.
هذه الأدوات، سواء كانت حقيقية التأثير أو نفسية فقط، لعبت دوراً مهماً في رفع معنويات الجيوش أو بث الرعب في صفوف الخصوم.
العصر الحديث: هل اختفى السحر من الحروب ؟
مع تطور العلم، لم تختف فكرة "الحرب الغيبية"، بل تغير شكلها ، ومثال على ذلك ما جرى خلال حقبة الحرب الباردة حيث أطلقت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA برامج مثل الرؤية عن بعد Remote Viewing حيث حاولت استخدام قدرات نفسية مزعومة للتجسس. وفي الاتحاد السوفيتي، وُجدت مشاريع مشابهة تبحث في "القدرات الخارقة".
ورغم أن معظم هذه المشاريع نالها الإغلاق لاحقاً لعدم وجود نتائج حاسمة، فإنها تعكس حقيقة مهمة: حتى القوى العظمى لم تكن بعيدة تماماً عن استكشاف "اللامرئي" عندما يتعلق الأمر بالتفوق العسكري.
اليوم، يجري استبدال السحر التقليدي بما يمكن تسميته "السحر النفسي": حرب إعلامية، تضليل، وبث الخوف ، وهي أدوات لا تقل تأثيراً عن أي تعويذة قديمة ، ونذكر منها حالة معاصرة عن الحرب بين إيران وإسرائيل.
مزاعم "الحرب السحرية" بين إيران وإسرائيل
في يوليو 2025، عادت هذه الفكرة إلى الواجهة بشكل صريح، عندما صرح مسؤول إيراني بأن إسرائيل استخدمت "الجن وقوى خارقة" خلال المواجهات ، ترافقت هذه التصريحات مع تقارير عن العثور على "طلاسم" وأوراق تحمل رموزاً غامضة في شوارع طهران، وجرى ربطها بما وُصف بأنه "نشاط سحري منظم".
لكن هذه المزاعم لم يتم دعمها بأدلة علمية، واعتبرها كثير من المحللين جزءاً من خطاب دعائي أو محاولة لتفسير اختراقات أمنية أو عسكرية بطريقة غير تقليدية.
لماذا تستمر هذه الفكرة حتى اليوم ؟
اللافت أن فكرة استخدام السحر في الحروب لم تختف رغم التقدم العلمي والسبب يعود إلى عدة عوامل:
- الحاجة لتفسير المجهول: عندما تحدث أحداث غير مفهومة، يميل الإنسان إلى ربطها بقوى خفية.
- القوة النفسية: الإيمان بأن العدو يمتلك "قوى خارقة" قد يكون سلاحاً بحد ذاته.
- الجذور الثقافية: المجتمعات التي تؤمن بالجن والسحر أكثر استعداداً لتقبل هذه الروايات.
- الدعاية السياسية: أحياناً يتم توظيف هذه القصص لصرف الانتباه أو تعبئة الرأي العام.
بين الواقع والأسطورة
هل جرى استخدام السحر فعلاً في الحروب ؟ والإجابة المعقدة هي:
نعم، من حيث الاعتقاد والتأثير النفسي والتاريخي .
لكن لا، من حيث وجود دليل علمي على تأثير خارق مباشر في نتائج المعارك.
ما يتكرر عبر العصور ليس بالضرورة "السحر نفسه"، بل الإيمان به وهذا الإيمان قد يكون في حد ذاته قوة مؤثرة، قادرة على رفع المعنويات أو تحطيمها.
وختامأً ، من ألواح بابل إلى تصريحات 2025، لم تغب فكرة "الحرب السحرية" عن عقل الإنسان ، فهي مرآة تعكس خوفه من المجهول ورغبته في السيطرة عليه، حتى لو عبر وسائل غير مرئية.
وفي عالم اليوم، ربما لم تعد الطلاسم هي التي تحسم المعارك…لكن الخوف، الإيمان، والتأثير النفسي لا يزالون يلعبون الدور نفسه، فقط بأدوات أكثر حداثة.