في لحظات غريبة من حياتنا قد ينتابنا شعور مقلق بأن ما يحدث الآن قد حدث من قبل… نفس الكلمات، نفس المكان، وربما حتى نفس الانفعال الداخلي ، يصف البعض هذه الحالة بظاهرة ديجافو Deja Vu أو "شوهد من قبل"، لكن بعض الفلاسفة والمتصوفة ذهبوا أبعد من ذلك بكثير، متسائلين: ماذا لو لم يكن هذا الإحساس مجرد خلل عابر في الدماغ ؟ ماذا لو كانت حياتنا نفسها تتكرر بالفعل ؟

في بدايات القرن العشرين، ظهر مفكر روسي غامض يدعى أوسبنسكي P. D. Ouspensky حاول أن يربط بين الرياضيات والوعي والتصوف والزمن، مقدماً أفكاراً بدت للكثيرين أقرب إلى روايات الخيال الماورائي منها إلى الفلسفة التقليدية،  وقد ارتبط اسمه لاحقاً بالمعلم الروحي غوردجييف  George Gurdjieff المثير للجدل ، الرجل الذي ادعى أن البشر يعيشون في "نوم روحي" عميق، وأن القليل فقط يستطيعون الاستيقاظ فعلاً.

لكن ما الذي كان يقصدانه بالاستيقاظ ؟ وهل يمكن فعلاً أن يكون الزمن دائرة مغلقة تتكرر فيها حياتنا إلى الأبد ؟

الرجل الذي أراد فهم الكون عبر الوعي

ولد أوسبنسكي في روسيا عام 1878، وكان مهتماً بالرياضيات والفلسفة وعلم النفس والتصوف الشرقي، لم يكن مجرد فيلسوف تقليدي، بل كان يبحث عن "المعرفة المخفية" خلف الواقع الظاهر ، سافر إلى الشرق ودرس الأفكار الباطنية وتأثر بالفلسفات الهندية والبوذية ثم بدأ يطرح أسئلة غريبة بالنسبة لعصره:

هل الزمن حقيقي كما نراه ؟ هل الإنسان يملك وعياً حقيقياً ؟ هل توجد أبعاد أخرى غير التي ندركها ؟ وهل تتكرر حياتنا بلا نهاية ؟

في كتابه الشهير "نموذج جديد للكون " A New Model of the Universe، حاول أوسبنسكي تقديم تصور جديد للواقع، يمزج فيه بين العلم والتصوف والفلسفة وكان يعتقد أن الإنسان يرى جزءاً صغيراً جداً من الحقيقة، وأن وعينا العادي محدود بصورة مخيفة.

فكرة "الرجوع الأبدي"

كان أوسبنسكي من المؤمنين بما يسمى "الرجوع الأبدي" أو Eternal Recurrence، وهي فكرة قديمة ظهرت بأشكال مختلفة لدى حضارات وفلاسفة عدة، لكنها ارتبطت لاحقاً بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه.

الفكرة ببساطة تقول: الكون لا يسير إلى الأمام في خط مستقيم، بل يعيد نفسه باستمرار… إلى ما لا نهاية.

أي أن حياتك الحالية، بكل تفاصيلها الدقيقة، قد تكون قد حدثت سابقاً عدداً لا نهائياً من المرات وستتكرر مستقبلاً بالطريقة نفسها.

اللقاءات نفسها ، الأخطاء نفسها ، الحب نفسه ، والنهاية نفسها.

هذه الفكرة ليست مجرد تصور شعري، بل تحمل بعداً نفسياً ووجودياً مرعباً، فإذا كانت حياتك ستتكرر بلا نهاية فهل يمكنك تغيير شيء ؟ وهل لديك إرادة حقيقية أصلاً ؟

الزمن كدائرة لا كخط مستقيم

في التصور التقليدي، يتحرك الزمن من الماضي إلى المستقبل مثل سهم مستقيم، لكن بعض المدارس الصوفية والباطنية رأت أن الزمن أشبه بحلقة أو دائرة ، في الهندوسية والبوذية مثلاً نجد فكرة "دورات الكون" المتكررة وفي بعض المذاهب الغنوصية القديمة، كان يُعتقد أن الأرواح عالقة داخل دوامة زمنية لا تنتهي.

أما أوسبنسكي، فكان يعتقد أن الإنسان يعيش حياته بصورة آلية، ويكرر أنماطه النفسية نفسها مراراً، لأنه لا يمتلك وعياً حقيقياً يحرره من هذه الحلقة ، وهنا تبدأ أفكاره بالاقتراب من تعاليم غوردجييف.

غوردجييف: البشر نائمون

كان غوردجييف شخصية غامضة للغاية، بعض أتباعه اعتبروه معلماً روحياً عظيماً بينما رآه آخرون متلاعباً خطيراً ، ادعى غوردجييف أن معظم البشر لا يعيشون بوعي حقيقي، بل يتحركون بصورة ميكانيكية أشبه بالآلات،  الإنسان –بحسب رأيه– يظن أنه يختار ويقرر، لكنه في الواقع مجرد مجموعة من العادات والانفعالات والبرمجات النفسية.

كان يقول:  " الإنسان يولد نائماً… ويعيش نائماً… ويموت نائماً."

أما "الصحوة" فهو عملية نادرة وصعبة تتطلب مراقبة النفس باستمرار، وكسر الأنماط الآلية التي تتحكم في السلوك.

هذه الفكرة تبدو قريبة بصورة مدهشة من بعض مفاهيم التصوف الإسلامي، خاصة فكرة "الغفلة" مقابل "الصحوة"، حيث يُنظر إلى الإنسان العادي على أنه غارق في الوهم والانشغال بالمادة.

الوعي الحقيقي… هل نملكه فعلاً ؟

أحد أكثر الجوانب المثيرة في فلسفة أوسبنسكي وغوردجييف هو تشكيكهما في طبيعة الوعي البشري نفسه ، فنحن نفترض عادة أننا نمتلك "أنا" واحدة مستقرة، لكنهما كانا يعتقدان أن الإنسان يتكون من "ذوات متعددة" متناقضة.

في الصباح قد تكون شخصاً متحمساً ، بعد ساعات تصبح غاضباً ، وفي الليل تشعر بالندم أو الحزن.

من هو "أنت" الحقيقي وسط كل هذه الشخصيات المتغيرة ؟

كان أوسبنسكي يرى أن الإنسان لا يمتلك ذاتاً موحدة فعلاً، بل يعيش في حالة من التشظي الداخلي، ولا يمكنه الوصول إلى وحدة الوعي إلا عبر جهد روحي طويل.

لماذا انفصل أوسبنسكي عن غوردجييف ؟

في البداية، اعتبر أوسبنسكي غوردجييف معلماً استثنائياً، بل إنه ساهم في نشر أفكاره في أوروبا عبر كتابه الشهير في "البحث عن الإعجاز"  In Search of the Miraculous ، لكن العلاقة بينهما بدأت تتصدع تدريجياً.

ذكر أوسبنسكي لاحقاً أنه شعر بأن غوردجييف "غيّر المبادئ الأولى" وأنه لم يعد يفهمه كما في السابق ويعتقد بعض الباحثين أن السبب الحقيقي كان صدمة أوسبنسكي من الأساليب النفسية القاسية التي استخدمها غوردجييف مع أتباعه ، فـ غوردجييف لم يكن مجرد معلم هادئ، بل كان يتعمد أحياناً استفزاز تلاميذه وتحطيم غرورهم النفسي بطرق عنيفة، معتقداً أن الصدمات قد توقظ الوعي لكن أوسبنسكي بدأ يرى أن هذا الطريق قد يتحول إلى نوع من السيطرة النفسية الخطيرة، فانفصل عنه نهائياً عام 1924.

هل تتقاطع تلك الأفكار مع الماورائيات ؟

رغم أن أفكار أوسبنسكي وغوردجييف لا تتحدث مباشرة عن الأشباح أو الجن أو الكائنات الخارقة، فإنها أثرت بقوة على الكثير من الحركات الروحية والباطنية الحديثة ، كما ارتبطت مفاهيمهما بموضوعات مثل: الخروج من الجسد ، الأحلام الواعية ، تناسخ الأرواح ، الأبعاد الأخرى ، الطاقة الروحية ، الوعي الجمعي ، التجارب الصوفية.

بل إن بعض الباحثين في الظواهر الغامضة يرون أن حالات الـ "ديجافو" أو الإحساس بتكرار الأحداث قد تكون مرتبطة بطريقة إدراكنا للزمن والوعي، وليس مجرد خلل عصبي عابر.

هل نحن أسرى حلقة زمنية ؟

حتى اليوم، لا توجد أدلة علمية تثبت فكرة العود الأبدي أو تكرار الحياة حرفياً، لكن الغريب أن هذه الفكرة لا تزال تظهر في الفلسفة والأدب والسينما وحتى الفيزياء النظرية ، بعض نماذج الكون الدائري في علم الكونيات تتحدث فعلاً عن إمكانية أن يمر الكون بدورات متكررة من الانفجار والانهيار ، وفي ميكانيكا الكم ظهرت تفسيرات غريبة للزمن والاحتمالات جعلت بعض المفكرين يعيدون التفكير في طبيعة الواقع نفسه ، لكن ربما تبقى القيمة الحقيقية لفكرة "الرجوع الأبدي" في بعدها النفسي لا الكوني.

فإذا كنت ستعيش حياتك نفسها إلى الأبد… فهل أنت راض عنها حقاً ؟

وهل تعيش بوعي ؟ أم أنك، كما قال غوردجييف، مجرد نائم يحلم بأنه مستيقظ ؟