لم يكن اسم نيكولا تسلا Nikola Tesla مرتبطاً فقط بالكهرباء والتيار المتناوب والاختراعات المستقبلية، بل ارتبط أيضاً بعالم غامض ظل يثير الجدل حتى اليوم: عالم الأثير والتخاطر والطاقة غير المرئية والوعي الكوني ، فخلف صورة العالم العبقري المنعزل كان هناك رجل يحمل أفكاراً بدت أقرب أحياناً إلى الفلسفة الماورائية منها إلى الفيزياء التقليدية.

ورغم أن كثيراً من الروايات المنسوبة إليه قد جرى تضخيمها لاحقاً من قبل أنصار "العلم الروحي" وكتّاب العصر الجديد، فإن العودة إلى مقالاته الأصلية ومراسلاته تكشف أن تسلا بالفعل كان مفتوناً بفكرة وجود مستويات خفية من الطاقة والوعي تتجاوز المادة المعروفة.

رجل عاش بين العلم والحدس

ولد تسلا عام 1856 في منطقة تخضع حالياً لـ كرواتيا، ونشأ في بيئة دينية وصوفية نسبياً، كانت والدته تملك ذاكرة استثنائية وقدرات ابتكارية لافتة، وكان يعتقد أن جزءاً من موهبته العقلية ورثه عنها ، لكن ما ميز تسلا حقاً لم يكن فقط ذكاؤه، بل طريقته الغريبة في التفكير ، فقد كان يؤكد أنه يستطيع "رؤية" اختراعاته كاملة داخل عقله قبل بنائها وكأنها تظهر أمامه كصور حية ثلاثية الأبعاد ، وكان يقول إنه يدير الآلات في ذهنه لساعات ويراقب تآكل أجزائها قبل تصنيعها فعلياً ، في مقابلاته المتأخرة وصف هذه الظاهرة بأنها أشبه بـ "الإلهام القادم من مصدر خارجي"، لا مجرد خيال عادي.

وقد كتب مرة: " دماغي ليس سوى مستقبل… في الكون نواة نستمد منها المعرفة والقوة والإلهام."

هذه العبارة تحديداً أصبحت لاحقاً حجر الأساس في محاولات ربط تسلا بمفاهيم "العقل الكوني" و"الحقل اللامادي".

هل آمن تسلا بالأثير ؟

واحدة من أكثر النقاط التي جعلت اسم تسلا حاضراً في الأدبيات الماورائية هي إيمانه بـ "نظرية الأثير".

قبل ظهور النسبية الحديثة، كان كثير من العلماء يعتقدون بوجود وسط غير مرئي يملأ الكون، تنتقل عبره الموجات والطاقة ، أطلق على هذا الوسط اسم "الأثير" ، لكن بينما تخلى معظم الفيزيائيين عن الفكرة لاحقاً، ظل تسلا متمسكاً بها حتى سنواته الأخيرة.

كان يرى أن الكون ليس فراغاً حقيقياً بل بحراً من الطاقة الدقيقة التي يمكن استخراجها والتفاعل معها ، وفي بعض كتاباته وصف الأثير بأنه وسط "حي وديناميكي" تتولد منه المادة والقوى الطبيعية ، هذا التصور دفع بعض الباحثين لاحقاً إلى مقارنته بمفاهيم قديمة في التصوف الشرقي والهندوسي مثل "البرانا" أو "الطاقة الكونية".

تسلا والطاقة الخفية للكون

كان تسلا مقتنعاً بأن الطاقة موجودة في كل مكان حولنا وأن البشرية ستتعلم يوماً ما استخراجها مباشرة من البيئة المحيطة دون الحاجة إلى الوقود التقليدي وقد قال عبارته الشهيرة:

" إذا أردت فهم أسرار الكون، ففكّر من حيث الطاقة والتردد والاهتزاز."

ورغم أن هذه العبارة مستخدمة اليوم بكثرة في أدبيات التنمية الروحية والعلاج بالطاقة، فإن تسلا نفسه كان يتحدث ضمن إطار فيزيائي وفلسفي معقد، لا ضمن مفهوم "السحر الحديث" المنتشر اليوم.

ومع ذلك، فقد كان يعتقد أن الترددات قد تؤثر في الإنسان نفسياً وعصبياً بطرق لا تزال مجهولة.

هل اهتم تسلا بالتخاطر ؟

لا توجد أدلة قاطعة على أن تسلا أعلن صراحة إيمانه بالتخاطر العقلي كما تصفه الباراسيكولوجي الحديثة، لكنه تحدث مراراً عن إمكانية نقل المعلومات لاسلكياً بين العقول والأجهزة.

وفي بدايات القرن العشرين، كان مفتوناً بفكرة أن الدماغ البشري قد يعمل وفق مبادئ كهربائية وموجية قابلة للرصد والنقل ، بل إن بعض تصريحاته بدت وكأنها تتنبأ بشبكات الاتصال الحديثة، إذ قال إن البشر سيتمكنون مستقبلاً من التواصل فوراً عبر أجهزة صغيرة يحملونها أينما ذهبوا.

لكن بعض الكتّاب ذهبوا أبعد من ذلك، واعتبروا أن تسلا كان يلمح إلى إمكانية الربط العقلي المباشر بين البشر عبر "حقول طاقية" غير معروفة ورغم غياب الدليل العلمي على هذا التفسير، فإن فكرة "العقل كمستقبل ومرسل للموجات" كانت حاضرة بقوة في تصوراته.

تجاربه الغريبة والحدس

أحاط الغموض بشخصية تسلا بسبب عاداته النفسية الغريبة وحالاته العصبية المعقدة فقد كان يعاني من حساسية شديدة للضوء والصوت ، نوبات من الرؤى الذهنية الحادة، صور بصرية تظهر له فجأة وكأنها حقيقية ، هوس بالأرقام والتكرار، عزلة طويلة وتأملات متواصلة ، وفي بعض الفترات تحدث عن "ومضات إدراكية" تأتيه فجأة وتحمل حلولاً كاملة لمشكلات معقدة.

هذا جعل بعض الباحثين في علم النفس يربطونه بحالات الإدراك الفائق أو "الوعي المتبدل" Alternate State of Consciousness ، بينما يرى آخرون أنها كانت أعراضاً عصبية مرتبطة بفرط النشاط الذهني.

هل ارتبط تسلا بالجمعيات الروحية ؟

في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت الروحانية الحديثة Spiritualism منتشرة بقوة في أوروبا وأمريكا، وكان كثير من العلماء والمثقفين يدرسون ظواهر تحضير الأرواح والتخاطر والتنويم المغناطيسي.

ورغم عدم وجود دليل مباشر على انخراط تسلا في جلسات تحضير الأرواح، فإنه كان على تماس فكري مع أجواء تلك المرحلة، خصوصاً عبر اهتمامه بالقوى غير المرئية والطاقة الدقيقة كما أن بعض معارفه ومحيطه الثقافي كانوا قريبين من دوائر الثيوصوفيا والفلسفات الشرقية.

تسلا والهندوسية: لقاء غير نظرته للكون

من الأحداث المهمة في حياته لقاؤه بالراهب الهندي الشهير سوامي فيفيكانادا Swami Vivekananda في تسعينيات القرن التاسع عشر ، كان فيفيكاناندا يسعى إلى شرح الفلسفة الفيدية والهندوسية بلغة علمية، وقد وجد في أفكار تسلا عن الطاقة والاهتزاز ما يشبه مفاهيم "الأكاشا" و"البرانا" في الفكر الشرقي ، ويقال إن تسلا أبدى اهتماماً بإمكانية تفسير المادة والطاقة والوعي ضمن نموذج كوني موحد.

هذه اللقاءات أصبحت لاحقاً مادة خصبة لكتّاب الماورائيات الذين اعتبروا أن تسلا اقترب من مفهوم "الوعي الكوني" قبل عقود من ظهوره الحديث.

لماذا تحول تسلا إلى أيقونة في ثقافة الماورائيات ؟

بعد وفاته عام 1943، بدأت شخصية تسلا تتحول تدريجياً إلى أسطورة والسبب في ذلك يعود إلى عدة عوامل وهي عبقريته الاستثنائية ، عزلته وغموض شخصيته ، أفكاره غير التقليدية ، حديثه عن الطاقة الكونية والأثير ، مشاريعه غير المكتملة مثل برج واردنكليف وتنبؤاته التقنية المستقبلية.

ومع مرور الزمن، صار اسمه مستخدم في نظريات المؤامرة ودوائر الطاقة الحرة والاتصال بالكائنات الفضائية وحتى مشاريع "الطاقة الروحية" ، لكن من المهم التمييز بين ما قاله تسلا فعلاً، وما جرى إلصاقه به لاحقاً.

بين الحقيقة والأسطورة

الحقيقة المؤكدة هي أن تسلا كان يؤمن بوجود مستويات أعمق للطاقة والطبيعة لم يفهمها العلم بعد وكان يرفض النظرة المادية البحتة للكون ويرى أن الواقع أكثر تعقيداً مما يبدو.

لكن في المقابل، لا توجد أدلة موثقة تثبت أنه مارس طقوساً روحية أو ادعى امتلاك قوى خارقة أو تحدث بشكل مباشر عن الأرواح والجن والاتصال بالموتى.

لقد كان يقف في منطقة رمادية مثيرة:

عالم يستخدم لغة العلم، لكنه يفتح الباب باستمرار أمام احتمالات تبدو أقرب إلى الماورائيات وربما لهذا السبب بالذات لا يزال اسم نيكولا تسلا حتى اليوم حاضراً في كل نقاش يدور حول الحدود الغامضة بين الفيزياء والوعي والطاقة الخفية.