في بعض البيئات تروى قصص التقمص كحكايات هامشية أو غرائب يتداولها الناس على استحياء ، أما في المجتمع الدرزي فالأمر يبدو مختلفاً ، هنا لا يظهر التقمص بوصفه مجرد فكرة ميتافيزيقية بعيدة، بل كجزء من بنية الاعتقاد نفسه ومن طريقة فهم الموت والقرابة واستمرار الروح بعد مفارقة الجسد. 

لذلك لا تبدو حكايات الأطفال الذين "ينطقون" بحيوات سابقة مجرد قصص عابرة، بل سرديات لها مكانها في الذاكرة الجماعية، وتؤخذ في كثير من الأحيان على محمل الجد، وتُبنى عليها علاقات اجتماعية حقيقية بين أسر وقرى وأجيال.

هذا ما يمنح الكتاب الذي بين أيدينا قيمة خاصة ، ففي كتابه  "مرويات التقمص عند الدروز" Druze Reincarnation Narratives الصادر عام 2021 يتناول الباحث النمساوي غيبهارد فارتاتسك Gebhard Fartacek مرويات عن حالات تناسخ الأرواح من زاوية إثنوغرافية وأنثروبولوجية، لا باعتبارها "أدلة" جاهزة على بقاء الروح فحسب، ولا باعتبارها أوهاماً يمكن صرفها بكلمة واحدة، بل بوصفها ظاهرة ثقافية واجتماعية وذات هوية ، يركز الكتاب الذي يقع في نحو 220 صفحة على المقابلات الميدانية والروايات الشفوية كما يوردها أصحابها، وعلى الطريقة التي تصنع بها هذه القصص معنى للحياة والموت والانتماء.

دراسة في السرد والهوية لا في الغرابة وحدها

لا تقتصر أهمية كتاب فارتاتسك على أنه يجمع روايات عن أطفال يتحدثون عن حياة سابقة، بل في أنه يضع هذه الروايات داخل سياقها الاجتماعي والديني. فالمؤلف لا يسأل فقط: هل ما يقوله هؤلاء الأطفال صحيح أم لا؟ بل يطرح سؤالاً أعمق: ماذا تفعل هذه الروايات داخل المجتمع ؟ كيف تغير شكل العائلة ؟ كيف تعيد تعريف القرابة ؟ وكيف تسهم في بناء الهوية الفردية والجماعية ؟

من هذه الزاوية، تصبح مرويات التقمص لدى الدروز مادة ثمينة لأي قارئ مهتم بالماورائيات، لأننا لا نكون أمام "حالات" منفصلة فحسب، بل أمام عالم كامل تتجاور فيه الذاكرة والعقيدة والانفعال الاجتماعي. وهذا ما يجعل القصص الثلاث التي اخترناها من الكتاب شديدة الثراء، لا بسبب عنصر الإثارة فيها فقط، بل لأنها تكشف كيف يمكن لفكرة روحية أن تنسج واقعاً اجتماعياً ملموساً.

من هم الدروز ؟ ولماذا يحتفظون بهذه الخصوصية السردية ؟

الدروز أو طائفة الموحدين - كما تفضل الطائفة تسميتها - جماعة دينية ذات جذور مشرقية، نشأت في سياق تاريخي معقد في القرن الحادي عشر الميلادي، وتبلورت لاحقاً بوصفها طائفة ذات هوية خاصة، وتعاليم باطنية، وبنية اجتماعية متماسكة. ينتشر الدروز أساساً في سوريا ولبنان وفلسطين مع وجود أقل في الأردن فضلاً عن جاليات مهاجرة في بلدان أخرى. ومعروف عن المجتمع الدرزي تمسكه بروابطه الداخلية وحفاظه على خصوصيته الدينية واحتفاظه بجزء مهم من تراثه العقدي داخل المجال المغلق للجماعة.

ومن بين الأفكار التي ارتبطت بالتصور الدرزي الشعبي والديني، يبرز الإيمان بتقمص الأرواح، أي انتقال الروح بعد الموت إلى جسد مولود جديد. هنا لا يكون الموت نهاية كاملة بل عبوراً من طور إلى طور. ومن هذه الفكرة تنشأ ظاهرة "الناطق" أو الطفل الذي يبدأ، في سن مبكرة غالباً بالحديث عن أسماء وأماكن وأحداث يقال إنها تخص حياة سابقة.

التقمص عند الدروز: الروح لا تموت بل تعبر

في المعتقدات الدرزية، لا تنتهي حياة الإنسان بموت الجسد ، الجسد يذهب إلى التراب، لكن الروح تواصل رحلتها ، لهذا تظهر في المرويات حالات أطفال يبدون وكأنهم يحملون بقايا سيرة لم يعيشوها، أو بالأحرى لم يعيشوها في هذا الجسد ، قد يذكر الطفل اسماً سابقاً، أو بلدة لم يزرها من قبل، أو طريقة موته، أو أسماء أفراد من أسرة أخرى، ثم يذهب معهم إلى المكان ويتعرف إلى البيت أو الصور أو بعض الأسرار.

ما يجعل هذه المرويات مختلفة عن قصص مشابهة في ثقافات أخرى هو أن المجتمع الدرزي لا يستقبلها عادة بوصفها "هلوسة طفل"، بل بوصفها احتمالاً جدياً ينبغي اختباره. ولهذا تتكرر في الروايات عناصر بعينها: يبدأ الطفل الكلام في سن الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، يصر على أنه ليس من هذه الأسرة أو من هذه القرية، يذكر اسماً أو مكاناً، ثم يُنقل إلى الموقع الذي يصفه، وهناك يخضع لاختبارات من الأسرة السابقة: هل يعرف الأشخاص ؟ هل يتذكر كيف مات ؟ هل يعرف سراً عائلياً أو مكاناً مخفياً ؟  ومن نجاحه أو فشله تتحدد مكانته داخل القصة.

الحالة الأولى

في الحالة الأولى التي يوردها الكتاب، يروي رجل درزي من منطقة يركا - تقع على السفوح الغربية من جبال الجليل الأعلى في فلسطين -  كيف بدأت ذكريات حياته السابقة في الظهور عليه وهو في الرابعة أو الخامسة من عمره ، كان يرى مشاهد متكررة في أحلامه، ويقول لأمه إنه ليس من هذا المكان ، وكان شديد الانجذاب إلى شاحنة الجيران لأنه كان مقتنعاً بأنه امتلك شاحنة شبيهة بها في حياته السابقة. ثم صار يعرف شيئاً أخطر: أن اسمه كان "وائل" بأنه قُتل.

قادت هذه الذكريات أسرته إلى بلدة حرفيش، حيث وصلوا إلى مقام النبي سبلان. وهناك وقعت لحظة شديدة التأثير حين تعرّف الطفل إلى حارسة المقام بوصفها ابنة عمه من حياته السابقة، واحتضنته المرأة باكية. لم تتوقف القصة عند هذا المشهد، بل سار الطفل مع أسرته إلى منزله السابق، واهتدى إليه بذاكرته، ثم خضع لاختبارات من الأسرة السابقة، وتعرف إلى صور، وذكر أسماء، ووصف علاقاته الزوجية والأسرية، بل تحدث عن ابنه السابق، وعن تفاصيل تخص أسرته الأولى.

الأكثر قوة في هذه الحالة ليس فقط أنه "تذكر"، بل أنه عاش فعلياً بين حياتين ، فقد استمرت علاقته بأمه السابقة وابنه السابق وزوجته السابقة وأقاربه، وأصبحت طفولته موزعة بين عالمين: عالم الأسرة الحالية، وعالم الأسرة السابقة  ،هنا لا يبدو التقمص فكرة ميتافيزيقية فحسب، بل حالة اجتماعية كاملة، يكون فيها الشخص منتمياً إلى شجرتي نسب في وقت واحد.

الحالة الثانية

في الحالة الثانية، لا يتحدث "الناطق" نفسه، بل ابنه الذي يروي قصة والده ، بدأ الأب وهو طفل صغير في بيت جن في فلسطين بالقول إن أمه الحالية ليست أمه الحقيقية وإنه من بلدة المغار ، وحين أخذته أسرته إلى هناك، قال إنه يعرف الطريق وسار حتى وصل إلى بيته السابق ، هناك خضع لاختبارات وطرح أسئلة عن كيفية موته، فروى حادثة موته بلدغة أفعى بعد سقوطه من على حصان. ثم تعرف إلى أمه السابقة وأخواته، وكشف عن مكان كانت ألعابه مخبأة فيه قبل موته، عثروا عليها فعلاً بحسب الرواية.

هذه الحالة تكشف جانباً آخر من الظاهرة،  فالتقمص هنا لا يقدم مجرد "دليل" على انتقال الروح، بل يعيد تشكيل معنى القرابة نفسها ، لقد صارت الأسرتان، كما يصف الراوي، كأنهما عائلة واحدة، تتبادل الزيارات في الأعياد والمناسبات، ويشعر الأب بانتماء عاطفي شديد إلى أهله السابقين ، بل إن ابنه نفسه (أي راوي القصة) يقول إنه كان يشعر بأن أقاربه في البلدة الأخرى هم أقاربه الحقيقيون أيضاً.

إنها رواية شديدة الأهمية لأن بؤرتها ليست لحظة التذكر الأولى، بل الأثر الطويل الذي تركته في شبكة العلاقات. هنا يصبح التقمص أداة لإعادة نسج المجتمع من الداخل، لا مجرد حكاية عن طفل يعرف أشياء لا يفترض أن يعرفها.

الحالة الثالثة

أما الحالة الثالثة فهي من أكثر الحالات إثارة وتعقيداً ، يروي صاحبها أنه في حياته السابقة كان رجلاً من جولس - في شمال فلسطين - توفي بطلق ناري عرضي، وأن صديقه المقرب آنذاك هو نفسه الذي صار أباه في الحياة الحالية. لهذا كان يقول له وهو طفل: "أنت صديقي، لا أبي".

يتذكر الرجل كيف مات عام 1984 تقريباً وهو يحاول تحرير سلاحه من موضع علِق فيه داخل السيارة، فانطلقت رصاصة اخترقت جمجمته. ويتذكر أيضاً أنه في اللحظة نفسها كان قد وُلد من جديد في يركا،  منذ سن الثالثة بدأ يتحدث عن حياته السابقة وعن بيته القديم وزوجته السابقة وبعض أسرار بيته، وحتى عن مخابئ أسلحة أخفاها في أماكن لا يعرفها الآخرون. وعندما ذهب مع والديه إلى جولس، تعرّف إلى الأشخاص والبيت والزوجة، وذكر أسراراً قيل إنها لم تكن معروفة.

لكن نهاية هذه الحالة هي الأشد دلالة ، فقد كان صديقه القديم "يزن" قد وقع عليه الشك بأنه ربما قتله، ولما بدأ الطفل "ينطق"، طرحوا عليه السؤال: هل جرى قتلك ؟ وهل كان "يزن" هو من أطلق النار؟ فأجاب بوضوح إنه مات "بالغلط" لا بالقتل، وبذلك رُفعت الشبهة عن صديقه نهائياً. وبعد ذلك اندمجت حياته الحالية والسابقة إلى حد لافت: عاش في منزله الحالي بجوار منزله القديم، وصارت زوجته السابقة وزوجته الحالية صديقتين، وشارك أبناؤه من حياته السابقة في زواجه الحالي، وطلبوا منه أن يؤدي أدواراً أبوية في حفلات زفافهم.

في هذه الرواية، لا يظهر التقمص كجرح بين زمنين، بل كنوع من المصالحة الكبرى. الرجل لا يشعر بأنه ممزق بين هويتين، بل بأنه يعيش "في جيلين" معاً، وكأن الموت لم يقطع السيرة بل مدّها في خط آخر.

ما الذي تكشفه الحالات الثلاث معاً ؟

عند تأمل هذه الحالات الثلاث، يظهر نمط متكرر بوضوح: طفل صغير يتكلم، يذكر حياة سابقة، يحدد مكاناً أو أشخاصاً، يُؤخذ إليهم ، يتم اختباره ، ثم لا تنتهي القصة هناك، بل تبدأ مرحلة الاندماج بين الأسرتين. هذا النمط مهم جداً، لأنه يدل على أننا لسنا فقط أمام قصص "ذاكرة غامضة"، بل أمام بنية سردية معروفة ومفهومة داخل المجتمع الذي ينتجها.

لماذا تحدث حالات التقمص عند الدروز فقط  ؟

السر ليس أن الدروز وحدهم يملكون هذه التجارب، بل أن مجتمعهم يملك الإطار الاعتقادي والثقافي الذي يسمح لها بأن تُحكى، وتُسمع، وتُؤخذ بجدية، وتتحول إلى روايات كاملة. في مجتمعات أخرى قد يقول الطفل شيئاً مشابهاً، لكن الأهل يفسرونه على أنه خيال أو يزجرونه أو ينسونه سريعاً. 

أما في البيئة الدرزية، فوجود معتقد راسخ بالتقمص يجعل كلام الطفل يجد من يصغي إليه، ومن يختبره، ومن يحوله إلى قصة اجتماعية متماسكة. بعبارة أخرى، المعتقد هنا لا "يصنع" القصة بالضرورة من عدم، لكنه يمنحها اللغة التي تُقال بها، والشكل الذي تُروى به، والمسار الذي تستمر عبره.

بين الماورائي والاجتماعي: كيف ينبغي قراءة هذه المرويات ؟

من السهل على القارئ أن ينقسم هنا إلى فريقين: فريق يرى في هذه القصص دليلاً قوياً على بقاء الوعي بعد الموت، وفريق يردها كلها إلى أثر البيئة والتلقين والذاكرة الانتقائية والحاجة النفسية إلى المعنى. لكن قيمة كتاب فارتاتسك، وقيمة هذه المادة عموماً تكمن في أنها ترفض هذا الاختزال السريع. فسواء نظرنا إلى القصص بوصفها وقائع ماورائية، أو بوصفها نتاجاً معقداً للاعتقاد والثقافة والذاكرة، فإنها تظل ذات أثر حقيقي في العالم.

فالطفل الذي يقود عائلته إلى أسرة أخرى يغير حياة أشخاص من لحم ودم. والرجل الذي يبرئ صديقه من تهمة قديمة يغيّر مسار سمعة وعلاقات. والأسرتان اللتان تصبحان كأنهما عائلة واحدة ليستا وهماً لغوياً، بل واقعاً اجتماعياً نتج من قوة المعتقد ، ولهذا فإن مرويات التقمص عند الدروز تستحق القراءة لا كغرائب وحسب بل كنافذة نادرة على الطريقة التي يتشابك بها الماورائي مع الاجتماعي، والميتافيزيقي مع اليومي، والروحاني مع العائلي.

حين لا يكون الموت خاتمة

تكمن قوة هذه الروايات في أنها لا تقدم الموت باعتباره جداراً نهائياً، بل بوصفه نقطة تحول. من هنا نفهم لماذا تبدو قصص "الأطفال الناطقين" في البيئة الدرزية مشبعة بكل هذا الانفعال: لأن الذي يتكلم فيها ليس مجرد طفل يقول إنه كان شخصاً آخر، بل شخص يظهر كأنه يحمل معه بقايا عالم كامل لم ينطفئ.

وقد يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام ذاكرة حقيقية عبرت من جسد إلى جسد ؟ أم أمام أثر بالغ القوة لمعتقد اجتماعي متماسك ؟ 

ربما لا يملك أحد جواباً نهائياً ،  لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن هذه المرويات، كما يكشفها الكتاب، ليست سطوراً عن أرواح ضائعة، بل شهادات عن بشر يحاولون فهم الفقد، ونسج الاستمرار، وإيجاد معنى لحقيقة واحدة لا مهرب منها: أن الموت، في وعي الإنسان، نادراً ما يكون صامتاً.